انهيار التوازن الأمريكي أمام القدس

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/12/2017
القدس العربي

منذ أن اقدم الرئيس الأمريكي ترامب على قرار اعتبار القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني إسرائيل، وأمره بنقل السفارة الأمريكية إليها، في 6 ديسمبر 2017، كان ترامب يدرك أنه يقف ضد إرادة الشعب الفلسطيني صاحب القضية جغرافياً ووطنياً، وضد إرادة الدول العربية صاحبة الحق القومي والتاريخي بالقدس، وضد إرادة الأمة الاسلامية ودولها وشعوبها صاحبة الحق الديني والسياسي بالقدس.

وضد إرادة الدول الكبرى صاحبة حق الفيتو في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وضد قرار الدول العشر غير دائمة العضوية في مجلس الأمن أيضاً، التي صوتت جميعها ضد قرار أمريكا حول القدس في مجلس الأمن يوم 13 ديسمبر الجاري، ما أفقد أمريكا صوابها واضطرها لتقف في وجه الإرادة الدولية في مجلس الأمن أولاً، باتخاذها حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار المصري المطالب لمجلس الأمن برفض القرار الأمريكي المخالف للقانون الدولي والأحادي الجانب في قضية خلافية دامت أكثر من سبعين عاما في الأمم المتحدة. 

وعند ذلك لم يبق أمام الإرادة الدولية إلا اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وطلب اجتماع طارئ لها، وفق أحكام القرار الدولي رقم 377 لعام 1950 الصادر عن الأمم المتحدة بموجب مبدأ «متحدون من أجل السلام»، للمطالبة بإبقاء القدس على وضعها من دون تغيير، ومطالبة الدول بعدم نقل سفاراتها إلى القدس، وهذا التصويت لا تملك أمريكا حق النقض له، فكانت أخطاؤها السابقة سبباً لجلبها إلى جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة الاستثنائية والطارئة العاشرة، حيث لا تملك مندوبة أمريكا فيها حقاً قانونياً، حتى لو كان ظالماً مثل حق النقض في مجلس الأمن. ولكن ذلك الحرج لأمريكا بمعارضتها لكافة دول مجلس الأمن الأربع عشرة لم يغير من موقفها، ولم يرجع الصواب إليها، على الرغم من كلمات مندوبي الدول الكبرى لها، بأنها خالفت القانون الدولي، وأنها خالفت قرارات مجلس الأمن وقرارات الأمم المتحدة بشأن القدس منذ عام 1947، بل إنها تضر بالعملية السلمية في الشرق الاوسط، بدليل ان رئيس السلطة الفلسطينية قرر إخراج أمريكا من الوساطة السياسية في مفاوضات السلام الفلسطيني الاسرائيلي، إذا لم تتراجع عن قرارها، فجاءت كلمة مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة نيكي هيلي في الجلسة الطارئة للأمم المتحدة، تؤكد على عدم اتزان الرؤية الأمريكية في التعامل مع القانون الدولي أولاً، وتؤكد على عدم توازنها السياسي ثانيا، وذلك بتهديد الدول قبل تصويتها على القرار بأنها سوف تتعرض إلى عقوبات اقتصادية أمريكية، وأن أمريكا سوف توقف مساعداتها للدول التي تصوت لصالح القرار، فأمريكا منذ الدعوة إلى جلسة طارئة للأمم المتحدة وهي تتعامل بطريقة منحرفة مع الدول الأخرى. هذا السلوك السياسي والدبلوماسي الأمريكي، القائم على فرض الرؤية الأمريكية بالقوة العسكرية والقوة الاقتصادية، هو تعبير عن فقدان أمريكا لتوازنها السياسي والدبلوماسي، فامتلاك القوة العسكرية أو الاقتصادية لا يعطي أمريكا الحق بمخالفة القانون الدولي، ولا مخالفة قرارات الدول الكبرى، وكلمة مندوب تركيا ووزير خارجيتها جاويش أغلو، وبعده كلمة فنزويلا التي تحدث مندوبها باسم مجموعة عدم الانحياز كانت صائبة ومحقة، حيث قال من على منصة الأمم المتحدة لأمريكا:» إن دول العالم ليست للبيع، بل إن هذه السياسة الأمريكية تضر بالسلم العالمي». إن استخدام الفيتو الأمريكي في جلسة مجلس الأمن ضد القرار الذي قدمته مصر للمجلس برفض القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ـ الذي كان بمثابة محاولة دولية لمنع أمريكا عن مخالفة القانون الدولي ـ هو بحد ذاته تحد كبير للإرادة الدولية، وخرق أمريكي للقانون الدولي وعدم احترامها له، وهذا ضرب للنظام الدولي، وإلغاء لأهمية وجود هيئة الأمم المتحدة من أصلها. كذلك فإن الموقف الأمريكي في جلسة الأمم المتحدة الطارئة يوم 21 ديسمبر 2017 هو خروج أمريكي آخر عن الإرادة الدولية، ودليل على تخبطها في السياسة الدولية، إضافة لجرحها مشاعر الدول التي تتعامل معها، بالتهديد، فالسلوك الأمريكي معيب بحق الشعب الأمريكي، كما أنه يصور الكيان الصهيوني الإسرائيلي كياناً خارجاً عن القانون الدولي، وبالتالي لا يحق له المطالبة بالحماية الدولية، لولا الدعم الأمريكي غير المكترث بالمجتمع الدولي ومواقفه. ورغم كل التهديدات الأمريكية فقد جاء التصويت لغير صالح أمريكا ولا اسرائيل، فعدد الدول التي صوتت على القرار في الجلسة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، هي أكثر من ثلثي الأعضاء، فجاء التصويت لصالح القرار 128 دولة موافقة، و9 دول معارضة، و35 دولة امتنعت عن التصويت، وبذلك اعتمد القرار بما يزيد عن ثلثي الأعضاء، فهذا التصويت هو رفض للقرار الأمريكي بشأن القدس، وهو انتصار للقرار المطالب برفض تغيير وضع القدس بطريقة مخالفة للقانون الدولي، والأهم من ذلك تأكيد دول العالم بأنها لا تقبل التخويف السياسي، ولا الابتزاز الاقتصادي، الذي هددت به أمريكا الدول الفقيرة بقطع المساعدات عنها، إذا صوتت لصالح القرار. 

التهديد الأمريكي هو غطرسة دولية لا تليق بدولة كبرى، ولا حجة لها إلا أهواء وأحلام العصابات الصهيونية الاسرائيلية، بادعائها حقا دينيا أو تاريخيا في القدس وفلسطين. نتيجة التصويت تقول لأمريكا إنها أخطأت في اختبارها الضمير العالمي، وفشلت في اختبارها الإرادة الإسلامية والعربية والفلسطينية، وان غالبية دول العالم غير مقتنعة بالأكاذيب الصهيونية حول القدس، ولا مقتنعة بالرؤية الأمريكية الإنجيلية التي تدعي قرب نهاية التاريخ، أو القائمة على منافع ولوبيات وتحالفات متبادلة بين الرئيسين الأمريكي ترامب ورئيس وزراء دولة الكيان الصهيوني نتنياهو، بما يواجهانه من مشاكل سياسية داخلية وخارجية، فقرار الجمعية العامية برفض تغيير وضع القدس هو تأكيد على القرارات الدولية الخاصة بالقدس، ورفض للموقف الأمريكي السافر، وأخيراً رفض للتهديدات الأمريكية المخالفة للقانون الدولي أيضا.

تعليقات