باحثون وصحفيون لـ"السورية.نت": هذه أسباب الهيكلية العسكرية الجديدة بمناطق شمال وشرق سورية

عنصر من "قسد" في معارك شرق سورية 2019 - مصدر الصورة: فرانس برس
الأربعاء 26 يونيو / حزيران 2019

 

ثلاثة أشهر مرت على إعلان "قوات سوريا الديمقراطية" القضاء الكامل على تنظيم "الدولة الإسلامية"، بشكل كامل شرق سورية، لتشهد المنطقة عدة تطورات؛ كان أبرزها زيارة شخصيات أجنبية وعربية بينها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، والذي التقى وجهاء عشائر محافظة دير الزور ومسؤولين في "مجلس سوريا الديمقراطية"، في زيارة هي الثانية للمنطقة الخاضعة لـ"الإدارة الذاتية"، بالتنسيق مع التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا.

لم تكن الزيارات هي التطورات الوحيدة التي شهدتها مناطق شرق سورية، بعد الإعلان عن إنهاء نفوذ التنظيم، بل طغى عليها الإجراءات التي عملت عليها "قسد" بصورة مفاجئة وغير مسبوقة، والتي تمثلت بالإعلان عن مجالس عسكرية في مدن وبلدات خاضعة لسيطرتها بينها تل أبيض، الطبقة، الرقة، عين العرب "كوباني"، الهول في ريف الحسكة.

أهداف فضفاضة عرضتها "قسد" في بيانات تشكيل المجالس العسكرية، إذ قالت إنها تأتي لإعادة الهيكلية التنظيمية لقواتها وللتشكيلات العسكرية الموجودة في المنطقة، والهدف منها أيضاً توحيد جميع القوات العسكرية والأمنية تحت مظلة المجلس العسكري "مما يعزز خوض نضال موحد ضد الإرهاب وتجذير العمل المؤسساتي .. بتفعيل المؤسسات العسكرية وتمثيلها في المجلس بشكل أكبر".

لكن وبحسب التطورات المذكورة سابقاً، والتي لا يمكن فصلها عن بعضها كونها ترافقت بفترة زمنية قصيرة، لم تُعرض الأهداف الرئيسية من تشكيل المجالس العسكرية، خاصةً أنها تأتي في الوقت الذي يدور الحديث فيه عن مستقبل مناطق شرق سورية، والتي تعترضها التحركات التي تقوم بها تركيا، التي تسعى لتأمين حدودها الجنوبية عن طريق تشكيل منطقة آمنة، عَرَضَتْ تفاصيل إنشائها مؤخراً، وتمتد من مدينة عين العرب حتى الحدود مع العراق.

من مجموعات.. إلى فصائل فأفواج

تأسست قوات "قسد"، نهاية عام 2015، وتقول إنها تضم في صفوفها مقاتلين كرد، وعرب، وسريان، وأرمن، وتركمان، وجعلت هدفها الرئيسي في سورية قتال "تنظيم الدولة"، بدعم أمريكي.

في فبراير/شباط 2019 وبالتزامن مع العمليات العسكرية الدائرة ضد "تنظيم الدولة" شرق الفرات، قالت قوات "قسد" إنها تخطط لهيكلية عسكرية جديدة بعد القضاء على التنظيم بشكل كامل.

وأصدر المجلس العسكري العام التابع لها بياناً آنذاك، حدد فيه الاستراتيجية الجديدة للقوات، وجاء فيه أن هذه القوات" ستقوم  بعد الإعلان القريب عن نهاية الوجود العسكري الجغرافي العملي لتنظيم داعش بإعادة هيكلة قواتها وتدريبها ونشرها من جديد حسب المتطلبات الأمنية والعسكرية".

لم تخلّ "قسد" بما أورده بيان المجلس العسكري، إذ اتجهت وبشكل تدريجي عقب الإعلان عن إنهاء نفوذ التنظيم، إلى إعادة الهيكلية العسكرية بتشكيل المجالس العسكرية المذكورة أعلاه، والتي من المقرر أن تنسحب إلى مناطق ومدن أخرى في المنطقة الشرقية لسورية.

وفي حديثه لـ"السورية.نت"، حول الأسباب التي تقف وراء تشكيل المجالس العسكرية من قبل "قسد"،  استعرض الباحث في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، بدر ملا رشيد، الهيكلية العسكرية لهذه القوات، في شرقي سورية، منذ النشاط العسكري الأول لها.
وبحسب الباحث فإن "وحدات حماية الشعب" تشكل العمود الفقري لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، وكانت على نموذج مجموعات وتجمعات قتالية، تفتقر للهرمية العسكرية، وكانت هذه الطريقة فاعلة إلى ما بعد معركة كوباني 2015.

ويتابع الباحث أن "التحالف الدولي بدأ بتقديم الدعم المباشر وصولاً إلى تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول من 2015، وكانت بنية قسد، مبنية على الفصائلية، وهي بنية ناسبت فترة من المعارك إلى أن وصلت إلى مرحلة السيطرة على مساحات واسعة والتخطيط لمعركة الرقة لتبدأ الإدارة الذاتية بتشكيل أفواج عسكرية بداية العام 2017".

تطور الأمر بداية عام 2018 لتعلن واشنطن عن تشكيل جيش قوامه 30 ألف مقاتل، تحت تصنيف قوات حرس حدود، ورغم ظهور احتمالية توقف الولايات المتحدة في السير بهذا القرار عقب الاعلان المفاجئ لدونالد ترامب بالانسحاب من سورية نهاية 2018، إلا إن السير في عملية تدريب وتخريج قوات جديدة ضمن مظلة "قسد" استمر إلى أن أعلنت واشنطن عدولها عن الانسحاب، مع تصاعد الحديث عن إنشاء منطقة آمنة.

ويوضح الباحث ملا رشيد أن "دخول مرحلة إنشاء منطقة آمنة استوجب العمل على تنظيم قسد أكثر، بالترافق مع منع هذه القوات أي فصيل ضمن تشكيلاتها بضم العناصر بشكلٍ منفصل لفصائلهم، بل إلى  جسد قسد مباشرة".

وأدى ما سبق تقريباً، وفق الباحث إلى "إنهاء حالة الفصائلية ضمن قسد كون وحدات حماية الشعب حافظت على كيان شبه مستقل ضمنها، وهنا يأتي موضوع تشكيل المجالس العسكرية مؤخراً، فالعمليات العسكرية الضخمة انتهت، وتحتاج هذه القوات لمهام مغايرة لمهامها التي نفذتها في معاركها بمواجهة تنظيم الدولة، بالإضافة لضرورة موائمتها لحل المنطقة الآمنة".

ستة أهداف وراء تشكيل المجالس

أعلنت قوات "قسد" مؤخراً عن تشكيل مجالس عسكرية في مناطق عدة أبرزها: تل أبيض، عين العرب(كوباني)، الرقة، الطبقة، والقامشلي، وهي تضاف إلى سابقتها من مجالس منبج، الباب، جرابلس، دير الزور العسكرية.

وجاء إعلان التوجه بشكلٍ كامل على تشكيل المجالس من قبل قائد "قسد"، مظلوم كوباني، والذي أعلن نيتهم تشكيل 15 مجلساً عسكرياً آخر، مع إعلان وصول عديد قواته لـ70 ألف مقاتل، وسيكون منها 30 ألف مقاتل حرس حدود و5000 قوات خاصة، وما تبقى منهم ضمن الأفواج العسكرية.

ستة أهداف حددها الباحث بدر ملا رشيد وراء تشكيل المجالس أولها "تحويل هرمية قسد، وخصوصاً وحدات حماية الشعب من حالة المجموعات والتشكيلات المنفصلة لحالة التشكيلات العسكرية المترابطة والهرمية".

الهدف الثاني هو "الدخول لمرحلة الاستقرار والتمكين العسكري، و(الثالث)تثبيت عناصر القوات في مناطقها، إضافةً إلى التجهيز لأي عملية دمج عسكرية لقوات ( البيشمركة ) ( الجيش السوري المستقبلي)، مع القوة المشكلة الآن في المستقبل ليس ككتل إنما كافراد".

ويضيف الباحث أن الهدف الرابع وراء تشكيل المجالس "هو البدء بإعداد ضباط لتغطية  الحاجة الحالية"، بينما يكمن الهدف الخامس "بإضفاء الطابع التنظيمي بما يزيل مخاوف الدول الجارة (تركيا)"، إضافةً إلى هدف أخير "هو الدخول لأية عملية تفاوضية من موقف أقوى".

إعادة هيمنة

لم تعطي تركيا (الدولة الجارة) أي موقف رسمي حتى اللحظة من التحركات العسكرية التي تقوك بها "قسد"، والتي تتهمها أنقرة بالتبعية لـ"حزب العمال الكردستاني".

وكانت وكالة الأناضول نشرت تقريراً في 19 يونيو/حزيران الجاري، قالت فيه إن "وحدات حماية الشعب" تحاول تمويه وجودها في عدة مدن سورية، من خلال تسليمها ما يسمى بالمجالس العسكرية في المدن التي تسيطر عليها قوات "قسد"، مضيفةً أن "ي ب ك/ بي كا كا" يسعى لتسليم المجالس العسكرية" في المدن المتاخمة للحدود التركية لـ "قسد"، وإظهار مهمة هذه القوات على أنها "الدفاع عن المدينة" و"أمن الحدود"، في محاولة لتمويه وجوده في هذه المدن المحتلة.

الكاتب الصحفي من مدينة منبج، قحطان عبد الجبار، يرى أن الهدف من وراء تشكيل المجالس هو إعادة الهيكلية العسكرية في المناطق ضمن إطار شكلي، بخليط من العرب والكرد والتركمان، الأمر الذي "ينفي صفة التغيير الديمغرافي التي أدينت فيها قسد وهجرت الآلاف من أبناء العرب والتركمان ذات غالبية عربية وتركمانية مثل مدن تل أبيض ورأس العين وسلوك ومناطق أخرى في الرقة وبلدة صرين ومناطق الشيوخ في ريف منبج".

ويضيف عبد الجبار في حديثه لـ"السورية نت"، أن هدفاً آخر يرتبط بتشكيل المجالس، وهو خطوة مبنية على توصيات من التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وتأتي ضمن إطار اتفاق أمريكي سعودي، من أجل إعطاء طابع استقرار للمنطقة، وأن المجالس يقودها أبناء المنطقة، معتبراً أن "أبناء المنطقة لم يكونوا أصحاب القرار من منبج حتى دير الزور وفي الطبقة والمنصورة في ريف الرقة الغربي".

وكانت قوات "قسد" قد تحدثت في بيان تشكيل مجلس عين العرب(كوباني)، أنها تعيد هيكلية المجالس العسكرية التابعة لها في شرق سورية، لتضمين قيادات محلية ضمن الهيكلية الجديدة، من أجل اتخاذ قرارات بشكل أسرع ولحماية المنطقة من أي اعتداء.

وقالت إن المجالس العسكرية المشكلة حديثاً، تتألف من خمسة قياديين وقادات ألوية وأفواج وطوابير، إلى جانب قادة من "وحدات حماية المرأة".

ويشير الصحفي عبد الجبار إلى حضور واضح لأبناء العشائر في المجالس، لأن المناطق التي أعلنت "قسد" تشكيل المجالس فيها هي ذات غالبية عشائرية مطلقة.

ويوضح أن الهدف من إدخال أبناء العشائر في المجالس يكمن في إعطاء "صبغة عشائرية" على أنها تمثل المنطقة، ومحاولة لإضفاء شرعية على قسد "والتي نعتبرها المسؤول الأول عن التهجير على أساس ديمغرافي".

وعلى الرغم من إدخال أبناء العشائر ضمن هيكلية المجالس العسكرية، يرى الكاتب الصحفي أن "قسد" تحاول بشتى الوسائل التواصل مع بعض الشخصيات العشائرية التي تفتقد للثقل الشعبي، من أجل استخدامهم كواجهة لهذا المشروع، مشيراً إلى أن الشخصيات التي تُشبّك معها "قسد"، لها مصالح شخصية "لا تمثل تطلعات أبناء المناطق والذين يتوقون لطرد قسد وإدارة المناطق بأنفسهم" حسب تعبيره.

المصدر: 
السورية.نت