باحثون وعسكريون لـ "السورية نت": هذه أبرز مؤشرات وعوامل الفشل الروسي في معارك حماه

فشلت الكثافة النارية للغارات في تمهيد طريق قوات النظام وروسيا براً - الصورة من الإنترنت
الثلاثاء 11 يونيو / حزيران 2019

أكدت معارك الشمال السوري الدائرةُ منذ أكثر من شهر، بين قوات الأسد وميليشياته بدعم عسكري ولوجستي روسي كبير من جهة، والفصائل العسكرية ومن بينها الجيش الحر من جهة أخرى، على مدى الإحراج والفشل العسكري الروسي على الأرض، حيث أرجع خبراء عسكريون ومحلّلون ذلك، إلى جملة من العوامل، أهمها وجود ملامح اتفاقات بين أنقرة وواشنطن، وهو ما باتت تخشاه موسكو، على ما يبدو، إذ قد يشكل أحد الأبعاد السياسية التي يحتويها المشهد في الشمال، وكذلك فتح باب التسليح للفصائل، التي بدأت تبادر بالهجوم بعد التموضع بالدفاع، مع توجيه الرسائل الضمنية للروس باستحالة الحسم العسكري لصالحها، والتأكيد على أنه غير مسموح لقوات الأسد بالتقدم أكثر باتجاه إدلب.

لا حسم عسكري

وحول كيفية قلب فصائل المعارضة، موازين القوى العسكرية في ريف حماة الشمالي، وتحقيق تقدم سريع والسيطرة على عدة قرى مؤخراً، رأى العقيد الركن إسماعيل أيوب، المحلل العسكري السوري، في حديثٍ لـ"السورية.نت"، أنه "من الناحية العسكرية، فإن موازين القوى غير متكافئة بين قوات النظام وروسيا والميليشيات الإيرانية، وبين الفصائل المتواجدة في ريف حماة الشمالي، لكن هناك قلب موازين دولية، فالولايات المتحدة بعيدة عن المشهد، وليست ظاهرة فيه، وما هو ظاهر هم الأتراك والروس والإيرانيون، وبالتالي فإن القرار الأمريكي بعدم الحسم العسكري في سورية هو ترجمة لما يحصل في معارك الشمال، وبالضرورة لن تقبل واشنطن بأن يحسم الروس والإيرانيون وقوات الأسد، الوضع العسكري في منطقة التصعيد الرابعة التي اتفق عليها الروس والأتراك، فإذا كان هناك رغبة روسية في تغيير الواقع العسكري في تلك المنطقة، فإن الأمريكان غير راضين عن الموقف العسكري الروسي، وبالتالي فإن الأمريكان سيشعلون الضوء الأخضر، للأتراك بتزويد الفصائل بالأسلحة النوعية وبصواريخ التاو، والتهديد ربما بتسليم أسلحة مضادة للطائرات، وخاصة أننا سمعنا، أن هناك طائرة سو 22 أصيبت بصاروخ أرض جو محمول على الكتف، لذلك هنا تكمن اللعبة الدولية في تلك المنطقة".

وأشار أيوب، إلى أنه "جرى فتح باب لتسليح الثوار في الشمال السوري(..) مع التهديد الضمني للروس بأنه غير مسموح باستثمار قوات النظام كل هذا الكم الهائل من الغارات الجوية والقصف المدفعي، لذلك رأينا أن فصائل المعارضة، استطاعت الالتفاف على قوات الأسد، ما بين محردة والسقيلبية، وجرى السيطرة على عدة قرى هناك، وربما يتم الالتفاف بشكل كامل على كفرنبودة وقلعة المضيق"، مردفاً أن "استخدام الثوار لصواريخ التاو على عدد من عناصر قوات الأسد، أو سيارات عسكرية ليس لها أهمية، يعطي مؤشراً ورسالة للروس بأنه غير مسموح، بالتقدم أكثر باتجاه إدلب".

رسائل إلى روسيا

واعتبر المحلل العسكري، أن "الروس اليوم باتوا محرجون، وخاصة أن هناك تسريبات تقول إن الروس أبلغوا سكان محردة وسقيلبية، لمغادرة منازلهم باتجاه حماة، ومناطق أكثر أمناً، وهذا يعني أن الروس وصلتهم رسالة بأن قد تتوسع رقعة الثوار باتجاه الجنوبي والجنوب الغربي، وأن يكون هناك هجوم على قرى (موالية للنظام قرب الجبهات)، وخاصة أنه تم استهداف مطار حماة العسكري براجمات صواريخ، ما يدل على وصول أسلحة للثوار"، مضيفاً "اعتقد أن العمليات العسكرية إن لم تتوقف فإن العمل الثوري سيتطور بشكل أكبر باتجاه مناطق يكون فيها قوات روسية، وإغراق روسيا بالمستنقع السوري بشكل متعمد. و هذا تحليل منطقي لما يحدث، إذ أن التمهيد(الجوي الناري لروسيا والنظام) منذ 27 نيسان الماضي إلى الآن، كافٍ لتتقدم القوات البرية وتقوم باجتياح ريف حماة وإدلب بشكل كامل في ظل ستة آلاف طلعة جوية، لكن ما يحدث هو خارج عن المألوف والعلوم العسكرية"، إذ أن الفصائل العسكرية بقيت مُسيطرة على أغلب المناطق قرب خطوط الجبهات، رغم أنها خسرت مساحات كانت تحت نفوذها.

ولفت العقيد الركن إلى أنه "لا يمكن إنكار ما قامت به الفصائل من تحقيق تقدم على الأرض، والقتال ضمن عقيدة، ولا مناص من الفرار حتى الموت، وخاصة أنه لا يوجد هناك مناطق يفروا إليها وهذا عامل أكثر حاسماً على المستوى العسكري، من خلال التشبث بالأرض، ضمن تكتيك هندسي يحميهم من القصف".

ليست حرباً كلاسيكية

وبما يخص فشل قوات الأسد، والميليشيات الروسية في تحقيق تقدم عسكري على الأرض في معارك جنوبي إدلب، وشمال غرب حماه، أوضح أيوب أنه: "بالنسبة للقوات البرية للنظام يقودها اللواء زهير الأسد، قائد الفرقة الأولى، وهو المكلف بإدارة المعركة في جبهة الشمال، واعتقد أن قوات النمر هي ميليشيات تعمل ضمن سياسة الأرض المحروقة، ربما تكون زُجت على بعض المحاور، لكن الأعمال القتالية الرئيسية تقوم بها باقي الكتائب والألوية من قوات النظام، مدعومة ببعض الميليشيات والطيران الروسي، وتأثير ناري مركب من المدفعية والصواريخ، وما يحصل هو ليس حرب كلاسيكية بل حرق الأرض المقابلة، مع هذا الكم الهائل الناري المركب على الطرف الآخر، الذي لا يمتلك مضادات جوية ولا يوجد توازن عسكري في المعركة، وبالتالي تقدموا بمناطق سهلية مفتوحة، لكن لا يستطيع النظام التشبث فيها بفضل امتلاك الفصائل صواريخ التاو والـ م. د واتباع أسلوب الكمائن، وقدرتهم على المناورة، والتشبث بجبل شحشبو، واعتقد إذا استمرت المعارك سيكون هناك صعوبة في اختراق تلك المناطق الجبلية".

الأبعاد السياسية لمعارك الشمال

من جانبه فنّد الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلاع، لـ"السورية نت"، الأبعاد السياسية التي حملتها معارك الشمال السوري، بقوله: "إن التوافق ما بين الدول الثلاثة تركيا روسيا إيران، كان توافقاً أمنياً بحتاً خطوة بخطوة بمعنى أنه كان ينجز اتفاقات أمنية دون ملامح اتفاق سياسي لمرحلة ما، وكان الإطار السياسي الذي أفرزته أستانا وسوتشي قائم على مبدأ رفع الحرج، لأن السمة الأولى لأستانة كانت أمنية عسكرية لكل الأطراف سواء من جهة الروس والإيرانيين من خلال تثبيت الصراع وتخفيف الاستنزاف العسكري وتثبيت المكتسبات العسكرية التي حققها الروس بعد فشل سوتشي في أن يكون عنوان لمرحلة حل سياسي، واختصاره للجنة دستورية تدار بجنيف".

وأضاف الباحث السوري، أنه:"بالنسبة للأتراك أيضاً عملوا على تثبيت اتفاقات لحماية أمنهم القومي الخاص لكن اصطدمت هذه الاتفاقات بالشمال السوري .. آخر معاقل المعارضة، ونقطة دفاع متقدمة للأمن القومي التركي، وأن أسئلة ما بعد إدلب، أسئلة صعبة على كل الفاعلين سواء على الضامنين أو حتى دول أخرى مثل الولايات المتحدة، والأوروبية التي تدير ملف اللاجئين وهو ملف ضاغط، وأن معارك إدلب ستفجر هذا الملف، مردفاً بالقول إن "ما يشهده محور أستانة يدل على مؤشرات ملامح انتهاء فعاليته، وأصبح وارداً جداً في هذا المضمار".

الاختلاف بين الأتراك والروس

وألمح طلاع إلى أن البعد السياسي الآخر لهذه المعارك أنها "اليوم واضحة مؤشرات الاختلاف بين الأتراك والروس، ولعل أحد الأسباب الهامة وراء هذا الخلاف، هو ملامح ما يراه الروس بأن الأتراك، قد يتفقون مع الأمريكان، ويصبح لهم مجالاً آمناً وتتطور العلاقات ويصبحون ظهيراً وحليفاً للأتراك، كقوي ويتعزز تموضعهم في الملف السوري، ويصبح كل ما تم إنجازه في محور أستانة مهدداً أو قابلاً للتصدع، ومن جهة أخرى فإن الأمريكان لا يودون أن تكون تركيا ميدان استثمار روسي بمفرده، لأن هناك أسباب عديدة منها أن تركيا حليف تقليدي لأمريكا، وأنها قوة إقليمية مهمة في المنطقة، ومنها أن إنجاز تفاهمات مع أكبر دولة تمتلك حدود مع سورية، هو بمكان ما مهم، وبالتالي فإن كل هذه التناقضات سواء ما بين الروس والأتراك وملامح اتفاقات بين أنقرة وواشنطن، هو أحد الأبعاد السياسية التي يحتويها المشهد في الشمال السوري".

وأضاف الباحث في مركز عمران للدراسات، أن "الأتراك اليوم يريدون أن يكون أي تفاوض جديد ضمن ما سيتبقى من محور أستانة هو التفاوض على العودة إلى ما قبل خطوط العمليات العسكرية، وإرجاع الأمور كما كانت عليه وبدء تفاوض من جديد، وليس كما هو ديدن الروس أن يفاوضوا بعد أن يثبتوا مكتسبات جديدة على الأرض، وأن هناك رسالة جداً مهمة، وهي قدرة أو ملامح السياسة العسكرية، لقوى المعارضة، بأنها باتت اليوم ليس دفاعية فقط، بل هناك ملامح هجومية، وتمتلك عوامل التنظيم والاستمرار".

سيناريوهات المشهد في إدلب

ومن ناحية مدى تأثير معارك ريف حماة الحالية، على أي مفاوضات سياسية قادمة، وخاصة على اجتماع أستانة 13 القادم، اعتبر طلاع أن "سيناريوهات المشهد في إدلب، هي من ستحدد طبيعة المفاوضات القادمة، وأيضاً طبيعة مداخل الحل السياسي الأكثر واقعية، وإدلب كملف أخير، لاختبار قدرة نظام الأسد على اجتثاث المعارضة، بمعناها المحلي وأيضاً كاختبار أخير للتوافقات الأمنية، بين الدول الفاعلة، سيكون محلاً مهماً، ومدخلاً مهماً لأي حل سياسي، وهذا الحل سيكون مدخله المفاوضات الرئيسية سواء في أستانة أو كتلك التي ستحصل بين الروس والإسرائيلين، وهذا يؤكد أن ما يجري من عمليات عسكرية على الأرض، هي لعدم جعل أي طرف يملك مقومات قوة في المفاوضات الحاصلة، ولذلك ستتسم هذه المعارك بصفة الكر والفر والاستنزاف، ومن يمتلك القدرة على التكتيك والهندسة العسكرية وتقدير الوقت الأنسب للعملية العسكرية وحُسن إدارتها، وبالتالي يكون له نقطة تقدم، وبالتالي يوجد هنا خياران، وهما إما أن يذهب الروس لتطبيق ما تم الاتفاق العام حوله في استرداد الطرق الدولية ( M4-M5 ) أو العودة إلى ما كان عليه، وبالتالي في حال نجاح الروس في تثبيت ما يريدون فنحن نتحدث عن إنهاء أي محاولة إقليمية أو دولية لتغيير الحل السياسي وفق الخيار الروسي الذي يراه في إعادة تأهيل نظام الأسد، والدفع في جعل الدول الغربية على التعامل مع هذا النظام، أو في حال جرى العودة إلى سيناريو ما كان عليه الوضع فنحن نتحدث عن إعلاء الشرط السياسي على الشرط العسكري، وبالتالي عودة الزخم إلى جنيف بسلاله الأربع وليس، بموضوع فقط اللجنة الدستورية".

إشكال بنيوي عسكري

وأكد الباحث، وجود إشكال بنيوي عسكري واضح لقوات الأسد وميليشياته، موضحاً ذلك بقوله:"إن قوات النمر هي الاستثمار الأكثر وضوحاً للروس بعد انخراطهم في الملف السوري، ومحاولتهم إنشاء قوى محلية منظمة تدير العمليات على الأرض، وبالتالي فإن من جهة يوجد هناك فشل تكتيكي عسكري ميداني بعدم القدرة على الحفاظ على المكتسبات على الأرض، التي تحاول فرضها قوى الطيران الروسي من الجو، وسياسة الأرض المحروقة (...)، كل القوى البشرية التي يمتلكها جيش النظام السوري، يعتيرها، اعتلالات وظيفية أو التي تتعلق بالنوعية، وفائض القوة التي حصل عليها بالمصالحات سواء في درعا وريف دمشق، وبالتالي هو فائض كمي وليس نوعي، وبالتالي لا يمكن للنظام ترجمة أفعال القوى الجوية إلى مكتسبات برية قادر على أن يحتفظ بهذه المكتسبات الاستراتيجية على الأرض. ومن جهة أخرى، فإن الإشكال البنيوي العسكري واضح على الأرض، وهو ملح رئيس في الاستنزاف، بالمعنى السياسي والعسكري للروس، رغم كل محاولات تحسين معادلات الصراع المحلي لصالح النظام، إلا أن البنية العسكرية لقوات الأسد تشهد اعتلالات وارتكاسات يحاول الروس تنظيمها سواء عبر مشروع الفيلق الخامس، أو الرابع، ولكن بالنهاية تلك المشاريع حولت هذه البنية إلى شبكة مليئة بالجماعات المسلحة ذات الإيديولوجيا المتضخمة غير المنظمة عسكرياً، وبالتالي نحن نتحدث عن ما يسمى ميليشيا كبرى غير قادرة على العمل في نسق عسكري منظم كما تعمل الجيوش النظامية، وهذا الملح الرئيس في الاستنزاف الروسي بالمعنى العسكري على الأرض في سورية".

المصدر: 
خاص السورية.نت