باحثون ومحللون يتحدثون لـ"السورية.نت" عن خلافات الضامنين: هل ستدفع معارك "خفض التصعيد" لانفراط "أستانة"؟

حملة التصعيد الحالية لروسيا والنظام في إدلب ومحيطها دفعت محليين وباحثين للقول بأن عقد "استانة" قد ينفرط
الخميس 16 مايو / أيار 2019

 

شكلت حملة التصعيد الدامية، لنظام الأسد وروسيا، والمعارك الدائرة الآن، في شمال غربي سورية، بين فصائل المعارضة وقوات الأسد بدعم روسي، انعطافة جديدة حيال مصير منطقة "خفض التصعيد" الرابعة(والأخيرة)؛ خاصة أن حملة القصف الجوي والمدفعي الكثيفة، والمعارك التي تبعتها، تُعتبر كما يرى محللون، خرقاً واضحاً لتفاهمات روسيا مع تركيا حول تلك المنطقة.

وبالتالي فإن بعض المتابعين توصلوا إلى قناعة، أن احتمالية انفراط عقد "أستانة"، بات أقرب من أي وقت مضى، بعد أن أدى مسارها الأهداف المشتركة للأطراف الثلاثة(روسيا، تركيا، إيران)، في وقت ينظر فيه خبراء عسكريون، إلى أن مسار "أستانة"، قد وُجِدَ أصلاً لإنهاء نفوذ الفصائل.

مساومات سياسية

ويعتبر العقيد إسماعيل أيوب، المحلل العسكري السوري، في تصريح لـ"السورية.نت"، أن التصعيد الحاصل، هو جزء من "المساومات السياسية التي تجري عبر الأعمال العسكرية سواء في الشمال أو الجزيرة أو في تل رفعت، إضافة إلى رغبة النظام في السيطرة على خط كلس حماة، أي الطريق الدولي حتى معبر نصيب على الحدود الأردنية"، مضيفاً "أن الشماعة للتصعيد في الشمال موجودة وهي وجود تنظيمات متطرفة، وبالتالي هم يعتبروا أن جبهة النصرة تنظيم إرهابي، وهي موجودة في إدلب وريفها وحلب واللاذقية وحماة".

واستبعد أيوب، أن" يكون التصعيد العسكري الحالي هو خطوة في طريقة الحل السياسي في سورية، بل بالعكس هو ورقة ضغط على الجهة التي تُوقِفُ الحل في سورية، وهي الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف بشكل عام. فالأمريكان خلال الفترة الماضية كانوا متجاهلين للروس، وبالتالي فإن روسيا سمحت للنظام بالتصعيد العسكري وهذا أثر على الضامن التركي، الذي هو ليس ند عسكري للروس(في سورية)، وخاصة أن تركيا تتعرض لضغوط اقتصادية وسياسية(داخلية)؛ أيضاً موقف الأتراك محرج أمام السوريين وحتى الروس".

نهاية مناطق "خفض التصعيد"

وحول إذا ما كانت نتائج معارك الشمال السوري ستفرض نفسها على طاولة جولة "أستانة13"، المقررة في يوليو/تموز القادم، أشار المحلل العسكريذاته، إلى أن "مسار أستانة وُجِدَ لإنهاء الفصائل العسكرية، وهناك مباركة دولية لهذا الموضوع وخاصة من الولايات المتحدة، التي ألغت غرفتي الموك والموم، ولم يسمحوا بتوحيد الفصائل وأن يجعلوا منهم جيش موحد، وبالتالي الهدف من كل الدعم الخارجي هو ليس إنجاح الثورة السورية وإنما شرذمتها".

ورأى أيوب كذلك إلى أن "نهاية منطقة خفض التصعيد، كنهاية باقي المناطق لكن بوقت تحدده الولايات المتحدة وليس روسيا، وبالتالي فإن واشنطن حالياً أرخت الحبل للروس والقوى الإقليمية بمنطقة خفض التصعيد، لكن الأمريكان أكدوا أن لا حل عسكري في سورية، وبالتالي لن تعطي واشنطن لموسكو دور البطل والمخلص بالمسرحية الحاصلة".

تصفية فصائل المعارضة؟

بدوره ألمح الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، خلال تصريح لـ"السورية.نت"، إلى أن الظروف السياسية والعسكرية المحيطة بمعارك الشمال السوري، بين فصائل المعارضة وقوات الأسد بدعم روسي، تشير إلى أن "العملية ليست مجرد الضغط فقط، لتسيير الدوريات الروسية وفتح الطرق الدولية، وإنما الهدف منها تصفية الفصائل الرافضة للدوريات الروسية، عبر قضم مناطقها والتوغل إلى عمق معيّن يؤمن لموسكو عدة أهداف أُخرى، إذ أن موسكو تحاول طي صفحة منطقة خفض التصعيد الرابعة على غرار سابقاتها من المناطق، مدفوعة برغبتها في تأمين الطرق الدولية لإنعاش الوضع الاقتصادي المتهالك للنظام، ومستغلةً رفع الفيتو التركي والصمت إزاء التصعيد الروسي، الناتج على ما يبدو عن تغيّر أولويات أنقرة بعد التقارب مع الولايات المتحدة حول المنطقة الآمنة، باتجاه تأمين الشريط الحدودي مع سورية دون التوغل في العمق السوري".

هل هناك مؤشرات واضحة على احتمالية انفراط عقد استانة الثلاثي؟

ورأى الباحث العلو أن "خارطة التحالفات في سورية تشهد تغييراً ملحوظاً بعد انحسار الأعمال العسكرية، نتيجة تراجع مساحات سيطرة المعارضة وإعلان نهاية تنظيم الدولة الإسلامية"، حيث "بدأت خلافات ثلاثي أستانة بالظهور للعلن على عدة مستويات، وخصوصاً بين إيران وروسيا من ناحية، وبين موسكو وأنقرة من ناحية أخرى، الأمر الذي يشير إلى احتمالية انفراط عقد أستانة بعد أن أدى الأهداف المشتركة للأطراف الثلاثة، والتي باتت تتنافس على تثبيت مكاسبها على الأرض عبر تحالفات جديدة".

وأضاف الباحث السوري أن "خلافات الرعاة الثلاثة لأستانة انعكست على فشل الجولة الثانية عشرة في إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وإحالتها إلى جنيف، مما يعني فشلاً في تحويل هذا المسار إلى بديل عن المسار الأممي المتمثل في جنيف. وهذا ما يمكن اعتباره إخفاقاً لموسكو في تحويل النتائج التكتيكية، التي أحرزتها من مسار سوتشي على المستوى العسكري، إلى نتائج استراتيجية على مستوى الحل السياسي، بشكل يمكنّها من الانفراد بمسار هذا الحل وإقصاء إيران وتركيا عنه من جهة، إضافة لمجموعة العمل المصغرة الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، مصر، السعودية، الأردن من جهة أخرى؛ وهذا ما يؤكده فشل موسكو على مستوى تعويم نظام الأسد عربياً، أو على مستوى إطلاق عملية إعادة إعمار بأموال خليجية وتنشيط عودة اللاجئين، خاصة في دول الجوار السوري".

وأشار العلو إلى أن "أنقرة منذ اتفاق أستانة 6، في سبتمبر /أيلول 2017، أي قبل عام من اتفاق سوتشي تنفذ تفاهماتها اتجاه موسكو، والمتمثلة بتشكيل منطقة عازلة بفصائل منضبطة وتفكيك التنظيمات الإرهابية؛ لكن الفشل في تطبيق بنود اتفاق سوتشي وبينها فتح الطرق الدولية M4 - M5، والذي تجاوز بكثير المهل الزمنية التي نص عليها الاتفاق، جعل صبر موسكو على ما يبدو ينفذ، وخلق لها ذريعة لفتح معركة لتحقيق ما لم تنجزه أنقرة على عدة مستويات، دون رد فعل من الشريك التركي في اتفاق سوتشي".

هل يستفيد نظام الأسد من خلافات الضامين الثلاثة؟

بيّن الباحث العلو أن "النظام يستفيد من كل الخلافات بين المنخرطين بالملف السوري، وهي قوى ذات مصالح متضاربة ،وهي التي تمد بعمر نظام الأسد، عبر منحه هوامش يتحرك فيها، فهو يستفيد من الخلاف الإسرائيلي الإيراني والروس التركي، والروسي الأمريكية، وحتى الخليجي التركي، وهذه الخلافات تصب في صالحه، أي نقطة توافق عليها كل القوى الفاعلة هي فعلياً نهاية لنظام الأسد".

ما هو طبيعة الموقف التركي من التصعيد؟

وبما يخص طبيعة الموقف التركي من التصعيد العسكري الروسي الأخير على الشمال السوري، أكد الكاتب والمحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو في تصريح لـ"السورية نت"، أن "الصمت التركي طيلة الأيام (الأولى) حيال التصعيد الروسي، طرح تساؤلات عديدة حول الأسباب التي دفعت أنقرة لغض الطرف عن العمليات العسكرية التي تشنها القوات الروسي، ولعل أبرزها على ما يبدو تغيير أولويات أنقرة في الساحة السورية، بعد التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية حول المنطقة الآمنة، وإبعاد الوحدات الكردية عن حدودها".

وأضاف أوغلو أنه "في المقابل لا أعتقد بأن الصمت التركي(في الأيام الأولى) حيال التصعيد العسكري الأخير لروسيا ونظام الأسد، يشير إلى وجود صفقة مقايضة حول بعض المناطق في سورية..الهم الأكبر بالنسبة للأتراك منذ أشهر يتمحور حول منع تأسيس كيان كردي على حدوها وتقويض نفوذ قوات سورية الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية؛ لذا فإن الانشغال التركي تركز حول هذه المسألة طيلة الفترة الماضية" حسب المحلل التركي.

وحول ما إذا كان لدى أنقرة أوراق ضغط لوقف التصعيد العسكري الروسي على الشمال السوري، قال المحلل التركي:"بتصوري الأوراق التي بيد أنقرة حالياً، هو حاجة كل من روسيا وأمريكا لها في سورية، من أجل تعزيز حضورهما على الساحة السورية، فالتقارب التركي الأمريكي الأخير، يدفع بموسكو للتمسك بأنقرة وعدم خسارتها في هذا الوقت الحساس، الذي يتم فيه ترتيب الأوراق على الساحة السورية".

خروج عن الصمت

وشهدت الأيام القليلة الماضية، تصريحات وتحركات تركية، حيال تصعيد نظام الأسد المدعوم روسياً في إدلب ومحيطها، وهي مواقف غابت في الأيام الأولى لحملة التصعيد الشرسة والأعنف من نوعها، منذ اتفاق "سوتشي". وبدأت هذه التصريحات مع حديث وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، من ولاية هاتاي الحدودية، يوم الجمعة الماضي، عن أن "هجمات قوات النظام المتزايدة على جنوبي إدلب، تحولت إلى عملية برية اعتبارًا من 6 مايو/ أيار الحالي"، معتبراً أن "النظام يسعى لتوسعة مناطق سيطرته جنوبي إدلب على نحو ينتهك اتفاق أستانة، ما أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين، ومغادرة السكان للمناطق التي يعيشيون فيها..على هذا النحو تزداد المشاكل الإنسانية يوما بعد يوم، وتظهر بوادر حدوث كارثة جديدة".

وفيما كان لافتاً، أن موقف خروج أنقرة عن موقف الصمت، إزاء تطورات إدلب ومحيطها، جاء في أعقاب بدء عملية الهجوم البري، لقوات الأسد وروسيا، في ريف حماه الشمالي، فقد توالت التصريحات التركية لاحقاً، بهذا الخصصوص.

إذ غرَدَ، رئيس دائرة الإتصال، في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، الإثنين، على حسابه في "تويتر"، بعد محادثة هاتفية بين أردوغان وبوتين، كنب بأن "أردوغان وبوتين بحثا العلاقات الثنائية وآخر المستجدات في إدلب السورية وأكدا التزامهما بتفاهم سوتشي". وقال المسؤول التركي، إن الرئيس أردوغان أكد بأن انتهاكات النظام السوري لوقف إطلاق النار، في مناطق خفض التصعيد خلال الأسبوعين الأخيرين، وصلت إلى "مرحلة مقلقة"، مُبيناً بحسب ما نقلته "الأناضول"، أن أردوغان شدد على أنه لا يمكن إيضاح استهداف قوات النظام للمدنيين والمدارس والمستشفيات وتدميرها بذريعة مكافحة الإرهاب.

وقال أردوغان حسب ما أكد المسؤول التركي(ألطون)، لنظيره بوتين، أن النظام السوري، يهدف إلى تخريب التعاون التركي الروسي في إدلب، والإضرار بروح مسار "أستانة"، بعدما "تم قطع مسافة جيدة في تطبيق تفاهم سوتشي حول إدلب، وأن الاعتداءات الأخيرة من شأنها أن تضر بالأهداف المشتركة".

المصدر: 
خاص: السورية.نت