بانتظار أن يذوب ثلج آستانة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/12/2016
الشرق الأوسط
المؤلف: 

فيما يشبه التطبيق الحرفي لما يعرف «بمتلازمة استوكهولم»، فضل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ارتداء سترة مصنوعة من فروة دب روسي، تقيه ونظامه من موجة صقيع روسية، لم تكن متوقعة، تسيطر حاليًا على المناخات السياسية الدولية، التي فرضت على بلاده التنقل بين موسكو وآستانة، وهما من العواصم السياسية الأكثر برودة في العالم. فبعد اجتماع موسكو الثلاثي الذي عبّد الطريق أمام الأتراك إلى العاصمة الكازاخية، حيث ارتضت أنقرة الاختباء خلف ما تسميه ضرورات حماية أمنها القومي ومصالحها الجيوسياسية، كي تتمكن قدر المستطاع من التخفيف من حدة الخسائر التي تتعرض لها منذ عام، بعد أن ضربت منطقة شرق المتوسط عاصفة تدخل روسية في سوريا أشبه بموجة برد سيبيرية أدت إلى تجمد جميع مشاريع الحلول التي قدمها المجتمع الدولي لإنهاء الصراع السوري، مما انعكس بمزيد من البرودة على العلاقة بين أنقرة وحلفائها التقليديين في الـ«ناتو» التي وصلت إلى مستوى التجمد.

ليس من المتوقع أن يخرج من قمة آستانة ما يرضي أطرافها الثلاثة «موسكو، أنقرة، طهران»، الذين حولتهم الوقائع الميدانية الأخيرة في سوريا إلى لاعبين حصريين بعد الانكفاء الأميركي والغياب الأوروبي والانحصار العربي، فقد كشف لقاء موسكو منذ أيام عن حجم من التناقضات يصعب تجاوزها، خصوصًا بين أنقرة وطهران، فالأخيرة التي ذهبت للمشاركة في لقاء موسكو من موقع المنتصر في حلب، كانت تنتظر من الروس أن يتعاملوا معها على طاولة المفاوضات من موقع الحليف الشريك في صنع الانتصار، إلا أن صدمة الوفد الإيراني المشارك كانت واضحة عندما ارتأى المهندس الروسي للاجتماع المساواة بينهم وبين الأتراك على الطاولة، ووضعهما في جهة واحدة جنبًا إلى جنب، حيث تحول المشهد إلى اجتماع اثنين مقابل واحد، بينما كانت طهران تطمح إلى أن يكون ثلاثي الأطراف أو أقله أن يجلس وزير خارجيتها إلى جانب نظيره الروسي مقابل وزير الخارجية التركي، فمما لا شك فيه أن الكيفية التي تم فيها تحديد أماكن جلوس الوفود على الطاولة إضافة إلى ما سرب من نقاشات، انعكس تجهمًا واضحًا على وجه الوزير الظريف الذي لم يستسغ ضمنًا التصرف الروسي ولا المنطق الذي استند إليه.

وعليه، تتعامل طهران بريبة مع الإصرار الروسي على ضرورة إنجاح مؤتمر آستانة، الذي يتطلب ضرورة الاعتراف بالدور التركي في سوريا والقبول بما تمثله أنقرة على المستويين الإقليمي والإسلامي، وهو ما يؤرق قادة النظام في طهران، الذين يشككون في النيات التركية باعتبار أن أنقرة لم تتخلَ فعليًا حتى الآن عن فكرة رحيل الأسد ولو في مرحلة متأخرة من المفاوضات، أو عن طريق انتخابات حرة برعاية أممية، كما أن طهران المصرة على اعتبار كل من يحمل السلاح بوجه نظام دمشق إرهابيًا، عبرت عن استيائها من نجاح أنقرة في انتزاع اعتراف ولو شبه محدود من الروس بالجيش الحر، حيث كشفت المعلومات عن قيام عسكريين روس بلقاء ضباط ممثلين عنه في أنقرة، فسعي موسكو وأنقرة إلى التوصل لوقف شامل لإطلاق النار فوق كل الأراضي السورية، قبل انعقاد مؤتمر آستانة يقابله ميل إيراني إلى ضرورة الاستمرار بالهجوم على المعارضة بهدف إنهائها عسكريًا، مما سيجعل أنقرة الطرف الأضعف على طاولة الحل، ويجعل موسكو أكثر اتكالاً عليها ميدانيًا مما يعزز مواقعها في أي تسوية جدية، وهي تتخوف من توجه روسي نحو العرب، وخصوصًا الدول الخليجية ودعوتهم إلى الشراكة في التسوية، مما يخفف عن موسكو أعباء انحيازها إلى إيران وسياستها المذهبية في سوريا والمنطقة.

فيما تبدو موسكو المفتونة بعضلاتها أكثر حرصًا على التوصل إلى اتفاق ما في آستانة، فهي لأول مرة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي تمتلك زمام المبادرة وتحاول أن تفرض أجندتها على المجتمع الدولي وانتزاع اعتراف أميركي في انتدابها على الشرق الأوسط، ولكنها تتخوف من استدارة أوروبية تعيد تقييم الوضع السوري بعد ارتفاع أصوات أوروبية مؤثرة خصوصًا في لندن وباريس وبرلين، تعتبر أن سوريا باتت خط الدفاع الأول عن أوروبا بوجه الأطماع الروسية، وبأنها تحاول إقناع واشنطن بالمقايضة بين سوريا وأوكرانيا.
يشرح علماء الاجتماع «متلازمة استوكهولم» بأنها حالة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاون مع خصمه أو من أساء إليه، أو يظهر بعض علامات الولاء له، وهذا ما يفسر السلوك التركي في التعاطي غير المنطقي مع الرغبات الروسية في سوريا، لكنها تبقى مرحلية محدودة التأثير، بانتظار أن تتضح معالم السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الجديدة، وخياراتها الاستراتيجية، فإن مقررات اجتماع آستانة مجمدة كغيرها من المقررات الدولية السابقة، بانتظار أن يذيب ارتفاع درجة حرارة السياسة الدولية في الأشهر المقبلة ثلج آستانة ليظهر المرج.

تعليقات