بداية تصحيح خليجي للإحباطات العربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/3/2015
الاتحاد الإماراتية

 في غضون لحظات استطاعت عملية "عاصفة الحزم" أن تغيّر نمط الإحباطات الذي يهيمن على العالم العربي منذ أعوام، وأن تبرهن وجود قدرات عربية للبدء بمواجهة تحدّي "الخواء الاستراتيجي" العربي الذي أدّى إلى دمار أو إضعاف عدد من الدول، مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان. ففي النهاية، كان هناك نوع من الغزو المبرمج لبلدان ومجتمعات عربية، غزو خارجي يستخدم قوىً داخلية ويعرفه الجميع، ويرفضون الاعتراف به، أملاً في تجاوزه، داخلياً أيضاً، ولئلا يصبح واقعاً أو أمراً واقعاً لا مجال لمعالجته سلمياً، ولا حتى للتفكير في تغييره والتخلّص منه. عملية "عاصفة الحزم" هي بداية كان لا بدّ منها، إذاً، وإلا فإن مسلسل التخريب كان في طريقه إلى اختراق آخر منطقة عربية مستقرّة، وهي دول الخليج، ليسود بعده تقاسم دولي - إقليمي للهيمنة على مجمل المنطقة دولاً وشعوباً. وهي بداية لأن هناك الكثير من العمل المطلوب للبناء عليها، أولاً لتأكيد وتثبيت ما بعثته من آمال، وكذلك لاستنهاض كل الطاقات التي كمنت واستكانت في العالم العربي، إما يأساً قدرياً، أو رضوخاً قسرياً للعواصف المتجمعة.

لا ننسى أن محنة العرب لم تبدأ مع تفجّرات ما سمّي "الربيع العربي" والاستغلالات الخارجية لها، بل هي نتيجة أو استطراد لسلسلة اعتداءات واستهدافات تمثّلت أولاً بالاختراق الإسرائيلي الذي تماهى دائماً مع الحماية الفائقة التي خصصتها الولايات المتحدة لتثبيته، ومارست أقوى الضغوط على العرب للتكيّف معه، وتفاقمت ثانياً بفعل غزو أميركي للعراق جاء بعد حربين (بين العراق وإيران، وبعد اجتياح عراقي للكويت) كان الخليج مسرحاً لهما، وقد أدّى غزو بلد عربي لبلد عربي آخر إلى انهيار لـ"النظام العربي" والقبول الاضطراري بنتائج الانتهاك الإسرائيلي، أما الغزو الأميركي، فأدّى إلى انكشاف كامل للعالم، ما لبث أن فتح الأبواب لتغلغل إيراني عميق في العراق، كمرحلة متقدمة لتدخل كان بدأ في سوريا ولبنان، ومدّ خطوطاً مع فصائل فلسطينية، ليصل أخيراً إلى البحرين فـ... اليمن.

كل هذه شكّلت مقدّمات لما نشهده اليوم من "تحالف بين الإرهاب والطائفية تقوده قوى إقليمية أدّت تدخلاتها السافرة في منطقتنا العربية إلى زعزعة الأمن والاستقرار في بعض دولنا"، وفقاً لتعبير العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في خطابه أمام قمة شرم الشيخ، فالعبث باليمن وفي اليمن لا يعني سوى السعي إلى الإساءة لأمن السعودية ودول الخليج عموماً، وهو ما يدخل مباشرة في العمل على تغيير الواقع الجيو سياسي في الإقليم، انطلاقاً من تغيير في اليمن يشمل الحكم والجيش وطبيعة التحالفات السياسية والقبلية وإخضاعها جميعاً لميليشيا جماعة "الحوثيين"، التي موّلتها إيران ودرّبتها، وكان أول ما فعلته هذه الميليشيا أنها أقامت تحالفاً مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي تنحّى لإتاحة حل انتقالي توصلت إليه المبادرة الخليجية بتوافق بين دول مجلس التعاون وخمس دول كبرى بعد أزمة 2011.

لكن صالح استعدى خلفه الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، وراح يعرقل قراراته لإصلاح أوضاع الجيش والأمن، ورغم أن الحليفين شاركا في الحوار الوطني، إلا أنهما كانا يخططان للانقلاب على الحكم، فخادعا الجميع، وبالأخص مبعوث الأمم المتحدة، وما لبثا أن أوضحا عدم اعترافهما بمخرجات الحوار الوطني، ولا بمسودة الدستور التي شاركا في نقاشها وإعدادها، ثم باشرا الانقلاب على المبادرة الخليجية التي شكّلت نوعاً من الدستور الموقت، وأخيراً نقضا شرعية الرئيس هادي.

اتضح بعد هذا الاجتياح أن "الحوثيين" يسعون إلى السيطرة على كل اليمن، خدمة للأجندة الإيرانية، بدليل أن "الحوثيين" راحوا في الأسابيع الأخيرة يركّزون على مواءمة خطواتهم، تصعيداً ومهادنةً مع متطلّبات تلك الأجندة، حتى أنهم شرعوا في اجتياح عدن، حيث يوجد الرئيس الشرعي، وقاموا بمناورات بالقرب من الحدود السعودية في خطوة عدائية سافرة.

أكثر من ذلك، سرّع الحوثيون الخطى للوصول إلى باب المندب، وهو ممر دولي يخضع لترتيبات دولية وإقليمية لحمايته والإشراف عليه، ولا شأن لإيران به، وهكذا أصبحت الخطة والنيات واضحة المعالم، وبلغ التدخل الإيراني بوساطة أدواته المحلية حدّاً تجاوز الخط الأحمر، أي أن طهران لم تحسن قراءة النهج السلمي الهادئ، الذي اعتمدته دول الخليج في الخلاف معها على مدى ثلاثة عقود، رغم الإدارة الإيرانية العدائية للأزمات في سوريا والعراق ولبنان، وبالتالي كان لا بدّ من "عاصفة الحزم" لتكون إنذاراً لها، وقد استقبل العرب هذه الخطوة، آملين بأن تكون بداية معالجة للأزمات كافة، وليس في اليمن فحسب.