بشار على صفحات «فورين أفيرز».. أي جديد؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/2/2015
العرب القطرية

ليس بلا دلالة أن تفتح مجلة «فورين أفيرز» الأميركية الشهيرة صفحاتها لبشار الأسد في لقاء مطول، إذ جاءت المقابلة في ظل تواتر الأنباء عن موقف أميركي جديد منه، يتمثل في الموافقة على مسار إعادة تأهيله، وأقله عدم العمل ضده، مع أننا إزاء موقف قديم جديد في واقع الحال، إذ إن أميركا هي من ضغطت طوال الوقت لمنع السلاح النوعي عن الثوار، وبالطبع ضمن رؤية إسرائيلية عنوانها إطالة أمد الحرب، وتحويل سوريا إلى ثقب أسود يستنزف جميع الخصوم والأعداء.

لكن الغزل الأميركي الإيراني، وحاجة أوباما إلى إنجاز الاتفاق النووي، يكون أكثر وضوحًا في كشف موقفه من سوريا لأجل استقطاب محافظي إيران ممن يعتبرون بقاء بشار أهم بكثير من المشروع النووي الذي لن يضيف إلى مشروع تمددهم الكثير. جديد المقابلة الأهم في واقع الحال هو اعتراف بشار، ربما للمرة الأولى بعدم إمكانية الحسم العسكري في المعركة الدائرة في سوريا، خلافا لمقابلاته السابقة، وخلافا للاستعراضات الإيرانية الكثيرة التي تراجعت نسبيا في الآونة الأخيرة، فيما جاء نشر المقابلة وسط تقدم تحرزه فضائل المعارضة في درعا وإدلب، مقابل عجز عن تحقيق أي إنجاز من قبل النظام رغم الإسناد الهائل من قبل حزب الله، والميليشيات الشيعية.

ويتبدى مأزق بشار الأسد واضحا هنا، فهو يتحدث عن عجز عملي (دعك من العبارات المزخرفة) عن إنجاز حسم عسكري، لكنه لا يرى أفقا عمليا لإنجاز تسوية سياسية تحدث عنها بقوله إن النزاعات دائما تنتهي بتسويات سياسية، والسبب برأيه أن القاعدة والدولة الإسلامية هما عماد قوات المعارضة. الحديث عن مؤتمر موسكو والحلول السياسية، والفلسفة التقليدية لبشار عن القوى ومن تمثل لا تغير في حقيقة قناعته بغياب الحل، وغياب الحسم في آن، وهنا لا يجد «المقاوم الممانع» غير استجداء الولايات المتحدة كي تضغط على تركيا وقطر والسعودية من أجل وقف الدعم عن المسلحين، والذي لولاه لانتصر جيشه، الأمر الذي يثير السخرية، لأنه يتجاهل أن جيشه لم يعد له دور يذكر في المعارك خارج سياق القصف الجوي، ومن يقاتلون على الأرض ويشتبكون عمليا هم عناصر الميليشيات الشيعية، ومن ضمنها حزب الله بطبيعة الحال.

في الحوار تتبدى بشكل واضح عقدة أردوغان في وعي بشار الأسد، الأمر الذي يرده بأن الرجل «إخواني»، والإخوان برأيه هم من أنتج القاعدة، ولا يترك في السياق آلية للتحريض عليه إلا ويستخدمها، وينسى أنه يحرِّض «الشيطان الأكبر» بتعبير حلفائه؛ ذلك الشيطان الذي يستجدي الحوار والتعاون معه ضد ما يسميه الإرهاب.
في الحوار لا يعترف بشار بأية أخطاء ارتكبها. وحين ركز المراسل أكثر في السؤال قال إن عليه أن يعود للقادة في الميدان لكي يسألهم عن تلك الأخطاء «ولا شيء في ذهنه الآن»، لكأن سقوط مئتي ألف قتيل في مجازر لا تحصى، وتشريد الملايين وتدمير البلد ليست أخطاء يمكن ذكرها.

عن التأثير الإيراني في سوريا ذهب يلتف على الموضوع، مع أن الجميع يعلم أن إيران هي من تدير المعركة في سوريا، وتدفع كلفتها بالكامل، كما أنها تتحكم بالبلد طولا وعرضا. وما يثير الازدراء أيضا هو تقليله من شأن سيطرة المعارضة على حوالي 60 في المئة من مساحة البلاد، وتبرير ذلك بطريقة سخيفة عبر القول «قبل أن نتحدث عن السيطرة على أراضٍ، علينا الحديث عن كسب عقول الشعب السوري وقلوبهم، وهذا ما ربحناه، وما تبقى لوجستي وتقني؛ أي مسألة وقت». طاغية طائفي يتحدث عن كسب عقول وقلوب الشعب السوري، هو الذي لم يكن يكسب سوى طائفته، وجزء من الأقليات الأخرى قبل ذلك، مع بعض المنتفعين من نظامه، الأمر الذي لم يتغير عمليا، ما يجعل حديثه (في الحوار أيضا) عن استفتاء للشعب أكثر إثارة للسخرية والازدراء. وحين سألته المجلة عن معركة القنيطرة، لم يتحدث عنها سوى بلغة التحليل (المقابلة قبل عملية حزب الله في شبعا). إذ لا تهديد ولا وعيد هنا، فالأمر متروك لأصحاب الأرض (حزب الله وإيران) الذي أهينوا بالغارة، فأي زعيم مقاوم هذا؟!

خلاصة القول إنه رغم كل الاستعراضات، فإن هذه المقابلة، وتبعا لكون من أجروها ليسوا من الدول الداعمة بشكل مباشر، قد كشفت حقيقة الموقف، من حيث عجزه عن الحسم (نحن ندرك ذلك تماما من الأصل)، ومن حيث تعويله على أميركا للبقاء والتوصل إلى حل. 
فقرة تابعة: مما قاله مراسل فورين أفيرز لإذاعة أميركية محلية عن انطباعه عن لقاء الأسد: «كان يسرد كذباته وهو يعلم أنه يكذب، دون أن يرمش له جفن أو ترتعش يداه. كان يتحدث بثقة مطلقة»، وأضاف: «التفسير هو إما أنه كاذب من الطراز الرفيع ويتحدث بكلام للاستهلاك المحلي، أو أنه فعلا مختل ويصدق ما يقول تماما كما أنّ هتلر كان مقتنعا بأن ألمانيا تكسب الحرب، في وقت كان فيه الروس على بعد ساعة من مخبئه».?