بعد الإنتخابات تركيا إلى أين؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/6/2015
السورية نت

لم يستطع حزب العدالة والتنمية أن يحقق الأكثرية البسيطة التي تمنحه حق تشكيل حكومة بمفرده، ولكن على الرغم من كل ذلك يبقى حزب العدالة والتنمية هو الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه في المعادلة الداخلية، وإذا ما نظرنا إلى البنية الإيديولوجية والتوجهات والبرامج الانتخابية لأحزاب المعارضة ندرك صعوبة قيام تحالف ثلاثي بين حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وحزب ديمقراطية الشعوب، خصوصاً أن هناك حساسية وصراع تاريخي كان في جزء منه صراعاً مسلحاً بين الحركة القومية وحزب ديمقراطية الشعوب فيما مضى، كما أن أي تحالف يمكن أن ينشأ سيكون مجبراً على التعاطي مع إرادة الكتلة الناخبة للأحزاب بما يحقق أمانيها وتوجهاتها، لوجود إمكانية فشل تشكيل حكومة إئتلاف وبالتالي الذهاب إلى انتخابات مبكرة بعد المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة من قبل الحزب الذي حقق الفوز الأكبر خلال مدة 45 يوماً، وبالتالي فإن أول خطوة ستكون قيام رئيس الجمهورية السيد رجب طيب أردوغان بتكليف زعيم حزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة القادمة. وكان واضحاً من خطاب داوود أوغلو بعد صدور نتائج الانتخابات أنهم سيتصرفون بمسؤولية ولن يسمحوا بنشوء حالة عدم استقرار أو تعريض الاقتصاد إلى خطر، لذلك ترك حزب العدالة الأبواب مشرعة لجميع الاحتمالات واعتبر النتائج هي فوز الإرادة الشعبية والوطنية لتركيا، وأنهم يحترمون هذه الإرادة.

ماهي الخيارات المطروحة أمام حزب العدالة والتنمية وانعكاس هذه الخيارات على الوضع الداخلي والخارجي لتركيا ؟

بكل تأكيد إن كل الخيارات المطروحة أمام حزب العدالة والتنمية تقضي تحجيم دور رئاسة الجمهورية خلال المرحلة القادمة وهذا ما ركزت عليه البيانات الصحفية لأحزاب المعارضة التي فازت بالانتخابات، وبالتالي ربما سيضطر حزب العدالة للانتظار أربعة أعوام أخرى لتمرير مشاريعه الإصلاحية المتعلقة بالدستور والتحول للنظام الرئاسي وحتى مشروع السلام مع الأكراد. كل ذلك سيعني صعود دور أحمد داوود أوغلو في السياسة الداخلية وبروزه أكثر في المرحلة المقبلة ومحاولة إعادة ترتيب البيت الداخلي لحزب العدالة على هذا الأساس.

فيما يخص الخيارات المطروحة لتشكيل الحكومة يبدو أن خيار التحالف مع حزب الحركة القومية MHP هو الخيار الأفضل والأقل خسارة لحزب العدالة والتنمية خاصة من ناحية وجود توافق وتقارب في كثير من المواضيع في القاعدة الشعبية للحزبين وسيكون ثمن هذا التحالف هو تجميد عملية السلام مع الأكراد أو على الأقل إنهائها بالشكل الذي يزيل مخاوف الحركة القومية وخصوصاً من جهة عدم إصدار عفو عن مقاتلي حزب PKK وزعيمه عبد الله أوجلان. الثمن الآخر سيكون تحجيم دور رئيس الجمهورية، وبالتالي إعادة التوازن للّعبة السياسية بين الأحزاب من وجهة نظر المعارضة، فوجود رئيس الجمهورية بشخص السيد أردوغان كان على الدوام السبب الرئيسي لخسارة المعارضة في الانتخابات بما يملكه اردوغان من شخصية قوية ومؤثرة لدى الناخب التركي كانت وراء النجاحات التي حققها لتركيا. وهناك مواضيع أخرى أقل أهمية يمكن أن يتفق عليها الحزبان.

 خارجياً: كان موقف حزب الحركة القومية ملفتاً حينما أبدى استعداده لدعم التحرك العسكري التركي في كل من العراق وسوريا. وفيما مضى دعم حزب الحركة القومية الكثير من القوانين والإصلاحات التي قام بها حزب العدالة والتنمية في البرلمان منها قضية الحجاب وتغيير بعض المواد الدستورية كانتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة وإصدار قرار تفويض البرلمان للجيش بالتحرك خارج الحدود لمواجهة التهديدات الخارجية ومواضيع أخرى، وأعتقد أن نقطة تركيز حزب العدالة خلال المرحلة القادمة ستكون على موضوع التهديدات الخارجية للأمن القومي التركي كنقطة التقاء وتفاهم مع بقية الأحزاب لتجاوز مسائل الخلافات الداخلية، وهذا ليس بناءً على مبدأ السياسة النمطية أو سياسة الحكومات الضعيفة بالهروب من الاستحقاقات الداخلية إلى المواضيع الخارجية التي يمكن أن تصف الصفوف وتحقق الوحدة الوطنية في الداخل وإنما بناءً على تهديات حقيقة تواجهها تركيا اليوم في جوارها الجغرافي في عدد من البلدان .

الخيار الثاني هو أن يتحالف مع حزب الشعب الجمهوري CHP وهذا التحالف تقف أمامه معوقات كثيرة وسيكون حزب العدالة والتنمية مضطراً لتقديم الكثير من التنازلات في المواضيع الداخلية والخارجية، فحزب الشعب يريد الحصول على مكاسب في موضوع حلحلة القضايا المتعلقة بحقوق العلويين في تركيا، وتحجيم دور رئاسة الجمهورية والمؤسسات الدينية في تركيا وكذلك لا يؤيد تغيير الدستور والتحول إلى النظام الرئاسي، كما أن هناك تباعد في الرؤية والأهداف والمبادئ فيما بين القاعدة الشعبية لكلا الحزبين. ويتفق المراقبون أن هكذا تحالف يمكن أن يضر بكلا الحزبين، كما أن حزب الشعب الجمهوري يؤيد السلام مع نظام الأسد في الشأن الخارجي وإعادة العلاقات مع مصر وإسرائيل وأوربا والتخلي عن دور     تركيا طرفاً مؤيداً ضد الآخر في الملفات الخارجية (دول الربيع العربي).

الخيار الأخير هو التحالف مع حزب ديمقراطية الشعوب HDP وبالتالي الاستمرار في عملية السلام مع الأكراد وإعطاؤهم المزيد من الحقوق والحريات. ويتساءل المراقبون إن كان حزب ديمقراطية الشعوب سيتبع لنفسه سياسة خاصة بعيداً عن تأثير ونفوذ عبد الله أوجلان بعد الانتخابات، ولكن بالتأكيد بات حزب ديمقراطية الشعوب يدرك أن ثمن دخوله البرلمان في هذه الدورة والدورات القادمة هو التخلي أو فك الارتباط مع زعماء العهد القديم وتحوله إلى حزب يدافع عن حقوق كل الأقليات في تركيا، وطرح نفسه كحزب وطني لكل تركيا وليس للأكراد فقط، وبالتالي كسر حدية مواقفه ونظرته لكثير من القضايا الداخلية ورفض العمل المسلح ومحاربة التطرف والإرهاب في المحافظات التي توجد فيها قاعدته الشعبية .

بالتأكيد هذه النتائج ستكون امتحانا حقيقياً لتركيا، ونتائج تحالفات الأحزاب ستكون لها ارتدادات داخلية وخارجية، ولكن نقطة الارتكاز الحقيقة التي ستبنى عليها الرؤى والتحالفات هي الإيمان بالشراكة الوطنية وبالمصير المشترك وكذلك بمبادئ الديمقراطية والإرادة الشعبية لكي تتابع تركيا مشوار نجاحاتها وتقدمها على الصعيدين المحلي والدولي وهذا ما يريده جميع الاتراك اليوم. 

تعليقات