بغداد السياسات الخاطئة وأربيل الحسابات الخاطئة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2/10/2017
العرب القطرية

لم يتطلّب الحدث شرحاً طويلاً، فقبل الاستفتاء الكردي وبعده، كان معروفاً أنه سيفاقم مشاكل الأكراد، ولن يحقّق لهم الهدف المنشود، وهو الانفصال والاستقلال، وأنه يُدخل العراق في مأزق يتضرّر منه الجميع بلا استثناء.
كان معروفاً أيضاً أن الأحرى بالقوى الدولية والإقليمية المعنيّة أن تستبق التطوّرات، فتقنع القيادة الكردية بعدم تحديد موعدٍ للاستفتاء، لا أن ترسل إليها إشارات متناقضة، لتتورّط بتحديد الموعد، وتصبح أسيرة له، ثم انتظار اللحظات الأخيرة للضغط عليها بعدما سقط خيار «التأجيل»، ليصبح المطلوب «إلغاء» الاستفتاء فكرة ومسلكاً، لأنه ببساطة «غير دستوري»، ولا يمكن أي حكومة في بغداد أن توافق عليه أو تتعامل معه، وإلا واجهت حتمية الاحتراق السياسي.

عندما كان الأكراد وأطراف المعارضة العراقية يتفاوضون في ما بينهم -ومع الولايات المتحدة- على تنسيق العمل لإسقاط نظام صدّام حسين، لم تكن ورقة الانفصال على الطاولة، بل إن الأكراد طرحوا مطلب الفديرالية كتطوير طبيعي لـ «الحكم الذاتي» الذي كانوا يمارسون منذ عقود.

ولم ينالوا موافقة شركائهم في المعارضة على الفدرلة إلا بعد نقاش طويل وعسير، فما كان يجمعهم هو «الفرصة» الأميركية للتخلّص من صدّام ونظامه، وعندما أصبح المعارضون السابقون حكاماً حاليين وشرعوا في كتابة دستور جديد لم تكن الفدرالية هي العقدة، بل حدود إقليم كردستان المفدرل، فكان الاعتراف بالخلاف على «مناطق متنازع عليها»، وعلى حلّه بإشراف الأمم المتحدة ومعاييرها.
وفقاً للدستور، بقي الإقليم و»مناطقه» جزءاً لا يتجزّأ من العراق، ومارس الأكراد في ظلّه كل فعاليات تقرير المصير، من برلمان، ورئاسة، وحكومة، وإدارة، ودفاع، وأمن، وعلاقات دبلوماسية، بموازاة مشاركتهم الكاملة في كل مؤسسات الدولة العراقية.

لكن تدهور العلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد -بسبب الخلاف على الميزانية المخصّصة للإقليم، وعدم شمولها تمويل قوات «البشمركة»، وعلى الشروع في إجراءات تسوية أوضاع «المناطق»- كاد يشعل نزاعاً مسلّحاً، وأدّى من جهة إلى وقف بغداد دفع مخصّصات الإقليم، ومن جهة أخرى إلى لجوء الإقليم للتموّل، عبر استغلال حقول نفط كركوك.
لذلك، قال مسعود بارزاني إن «الشراكة» مع بغداد تترنّح منذ أيام نوري المالكي، لكن انتشار تنظيم الدولة «داعش» منح الأكراد فرصة لم يتوقّعوها، إذ عوّل عليهم الأميركيون لمحاربة التنظيم، وهم استغلّوا الحرب للسيطرة على كركوك، وغيرها من المناطق المتنازع عليها، ما زاد الأمر تعقيداً.

لذلك، شكّل اقتراب نهاية الحرب على «داعش» -في نظر الأكراد- الظرف الأمثل لطرح استحقاق الاستقلال «الانفصال»، إحقاقاً لحلم قومي.
كان ذلك خطأً في التخطيط، بدليل الإشكال الحالي، فكيف وأين يمكن تصريف نتيجة الاستفتاء، طالما أن الإقليم ملزم بالتفاوض مع الحكومة المركزية على كل شيء، متوقّعاً أن توافق على انفصاله وانتزاعه «مناطقه»، ومنحه الامتيازات التي يريدها، لكنها ترفض ذلك جملةً وتفصيلاً، بل ألزمها البرلمان بإجراءات تُحبط نتيجة الاستفتاء.

لعل الإقليم توقّع أيضاً أن تدعمه الولايات المتحدة في خطوته، فتضغط على بغداد، لكن أميركا والدول الغربية أكثر احتياجاً الآن الى دولة العراق، مما هي إلى دولةٍ غير معترف بها بعد.
والأخطر أن حسابات الإقليم تجاهلت حساسيات تركيا وإيران، حيث بات أكرادهما خطراً على الأمن القومي، إذ يمكن أن تكتفيا بإغلاق حدودهما لخنقه.
لعل الحل الواقعي يكمن الآن في التفاوض على تطبيع «الشراكة»، وكأن الاستفتاء لم يكن.;

تعليقات