بين المنطقة العازلة ووقف الحرب

صورة سمير العيطة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

18/10/2014
السفير
المؤلف: 

في خضمّ القصف الدوليّ على «داعش» والصراع الدائر في عين العرب - كوباني، عادت مقولة المنطقة العازلة لتبرز كشرط تفرضه بعض الدول للانخراط في التحالف الأميركي.
الفكرة ليست جديدة، بل برزت منذ السنة الأولى للصراع في سوريا، وتمّ الترويج لها بتسميات مختلفة من خلال وسائل إعلام وعبر الحشد الشعبي، وكأنّها ستقود إلى حلّ. لكنّ مع طرحها في ظروف الحرب الداخليّة القائمة حاليّاً، يبرز التساؤل كبيراً حول التناقض بينها كفكرة وبين النيّات المُضمرة خلفها.

فما الذي يمنع حقّاً المعارضة المسلّحة من إنشاء منطقة آمنة شمالاً منذ اليوم؟ وهل ستصبح هذه المنطقة بالفعل آمنة لسكّانها إذا ما تمّ حظر الطيران السوريّ فيها؟
يُمكن تصوّر سيناريو على الطريقة الليبيّة حيث تطرد المعارضة المسلّحة ما بقي من القوّات النظاميّة وحلفائها على الشريط الحدوديّ مع تركيا تحت غطاء قصف جويّ لـ«أصدقاء». لكن إلى أين يُمكن أن يصل تمدّد المنطقة العازلة؟ ثمّ ماذا عن مصير الجيوب التي يُمكن أن تضمّها وتحوي تجمّعات سكانيّة مواليّة للنظام السوريّ أو لا تناصر المعارضة؟ هذا خاصّة إذا تعلّق الأمر بأجزاء مدينة كبرى مثل حلب أو بمناطق ذات أغلبيّة كرديّة؟
ثمّ أنّه مع قيام المنطقة العازلة لن تنتهي الحرب، فماذا بعد؟ إنّ «داعش» تتمدّد بقوّات بريّة ومن دون غطاء جويّ. وماذا عن توحيد المعارضة المسلّحة، وعن فصل المتطرّفة منها عن غير المتطرّفة، الذي ما زال يحتاج لجهدٍ كبير ووقتٍ ليس بالقصير؟ ومن سيحفظ أمن المواطنين إذًا؟ وهل سينتهي الصراع المفتوح بين الدول المناصرة للمعارضة الذي يبرز بقوّة اليوم، ليس من خلال تخبّط «الائتلاف» السوريّ فحسب، بل أيضاً من خلال القتال والاغتيالات ضمن فصائل المعارضة المسلّحة؟
وماذا عن المواطنين السوريين أبناء المنطقة العازلة المعنيّة؟ لقد أرهبتهم براميل السلطة، وهجّرت القسم الأكبر منهم إلى المناطق التي تُهيمن هي عليها تحديدا. فهل سيعودون إلى ديارهم قبل أن تنتهي الحرب؟ وماذا عن الآخرين الذي لجأوا إلى تركيا؟ هل هناك دلالة ومعنى لتزامن المطالبة بالمنطقة العازلة مع مقولة انّهم أضحوا عبئاً على تركيا وأنّه يجب إعادة ترحيلهم؟ أخيراً وليس آخراً، إذا كانت «الحكومة الموقتة» المزعومة غير قادرة على خدمة ما بقي اليوم من المواطنين في المناطق المسمّاة «محرّرة»، من دون أن تكون مسؤولة عن خدمة اللاجئين في تركيا، فهل ستستطيع حقّاً أن تقوم بخدمتهم إذا عادوا «لاجئين» إلى المنطقة العازلة؟
هذه الأسئلة كلّها في ظلّ مخاطر إجرام «داعش» والسلطة القائمة والإجابة عليها لن تكون سهلة. بالتالي لن تؤدّي مقولة «المنطقة العازلة» على الأمد القصير إلى الهدف الأساس للقائلين بها، أي رحيل السلطة القائمة بسرعة، بل يُمكن على العكس، أن ترسّخ تقسيماً لسوريا بين دولة خاضعة للسلطة تزداد انغلاقاً وتشنّجاً، ودولة ثانية لبعض أطياف المعارضة وداعميهم، وثالثة لـ«دولة إسلاميّة» لا يبدو أنّها ستتلاشى قريباً.

لكنّ اللافت اليوم ليس التناقض بين طروحات ونيّات الدول المنخرطة في الصراع على سوريا فحسب، بل فقدان الكثير من السوريين لقدرتهم على التشكيك بكلّ ما يقال. ما زال بعضهم يتحدّثون وكأنّنا في اليوم الأوّل من «الثورة» على الاستبداد، وكأنّنا لسنا في حرب. والانغلاق على منطق ثنائيّ، في ظلّ واقع متعدّد الأطراف والتوجّهات، واقع كذّب الكثير من الطروحات التي أخذت البلاد إلى الحرب العبثيّة.
لكن الأهمّ أنّ السوريّين باتوا لا يجرؤون على كسر منطق الحرب، مع أنّهم وقودها، وأنّ وقف الحرب هو ما سيعيد السياسة إلى سوريا، وبالتالي هو المسار الذي سيجعل السلطة القائمة ترحل في نهاية المطاف