بين موسكو والقاهرة.. وأد الربيع السوري بنموذج الثورة المضادة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

في وقت تنشغل فيه مجموعة دول أصدقاء سورية بملاحقة "طواحين" شعار مكافحة الإرهاب ممثلاً بمواجهة ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية"، لا سيما بعد أن طرق "الإرهاب" أبواب العواصم الأوروبية مؤخراً، إثر الاعتداءات على المساجد في السويد بداية، والمظاهرات والمواجهات العنصرية في ألمانيا، والتي تقودها حركة "بيغيدا"، ثم اعتداءات باريس على عدد من المرافق الحيوية وآخرها مجلة "شارلي إيبدو"، في ظل هذا الإنهماك الغربي، يعرف الملف السوري نشاطاً روسياً مصرياً ملحوظاً لامتلاك ناصية النفوذ والتأثير على واحدة من أقدم ثورات الربيع العربي المستمرة حتى يومنا هذا (سورية).

ما عاد خفياً أن معظم تيارات المعارضة السورية وتشكيلاتها "امتعضت" من أسلوب وأجندة الاجتماعات التي دعت إليها موسكو نهاية الشهر الجاري، وأعلنت رفضها الحضور بصفات شخصية، كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتيار بناء الدولة، ليلتحق بالركب أخيراً الشيخ معاذ الخطيب، بعد أن كان من أوائل من طرق أبواب موسكو لفتح سبل الحوار من أجل إيجاد حل سياسي في سورية، فيما لا يزال الغموض يكتنف موقف هيئة التنسيق المنقسمة على نفسها بعد اجتماعات الإمارات العربية، والتي ظهر فيها أن عمق الخلافات والتوجهات بين الهيئة أكبر من أن يتم استيعابها بسبب تباين مواقف الأحزاب المكونة لها.

لا تهدف اجتماعات موسكو أو "منتدى موسكو" كما يحلو لوسائل إعلام النظام أن يسميها، إلا إلى تحقيق هدف سياسي واحد، وهو كسر طوق العزلة عن نظام الأسد المعزول دولياً والفاقد لشرعيته السياسية والشعبية، وبالتالي، فإن "تبجح" موسكو بعزمها عقد الاجتماع "بمن حضر" ولو كان الحضور 10 أشخاص يمثلون أطياف معارضة شُكلت في كنف النظام إبان قانون الأحزاب الذي أصدره، مع بعض الشخصيات الهامشية، كنائب رئيس الوزراء الأسبق قدري جميل المقيم والمحسوب على موسكو. لا يمنح حراكها صفة "المبادرة"، إلا إن كنا نتوقع منها، وهي الداعم لنظام الأسد خلال السنوات الماضية في مواجهة شعبه، أن تتخلى عنه وهي الساعية لتعويمه وإعادة تأهيله ليس إلا!

التعاون الروسي المصري لتدجين المعارضة السياسية السورية وتشذيب أظافرها، وانتخاب من يصلح منها للجلوس على مائدة واحدة مع وفد هزيل يمثل النظام، يستبطن حالة الضعف التي تعيشها المعارضة السياسية السورية، وفي الوقت نفسه، يستلهم حالة اللامبالاة التي تعاني منها هذه التيارات السياسية من قبل المجتمع الدولي المشغول بهاجس مكافحة الإرهاب ومواجهة "تنظيم الدولة"، وعليه فإن منطق "الاستعلاء" الذي تتعامل به موسكو، والمناورة والسرية اللتان تتبناهما القاهرة في دعوة المعارضة السورية إليها، ومن ثم "إملاء" الشروط والضوابط المطلوبة لحضور اجتماعات موسكو، يتكاملان في مسعى لإحياء نظام الحليف الاستراتيجي لكلا النظامين (الروسي والمصري).

تبدو مصلحة القاهرة واضحة في الإبقاء على نظام الأسد بعد أن نجحت الثورة المضادة في مصر في قلب نظام الحكم فيها، وانتخاب رجل عسكري تعهد بعدم الترشح للرئاسة ليفاجئ العالم بترشحه دونما منافس، ونجاحه بنتيجة قياسية (كما هو الحال في الانتخابات السورية)، وتتضح الرغبة أكثر مع رغبة القاهرة التي ترعى اجتماعات المعارضة السورية عبر أجهزتها المخابراتية بشكل مباشر، في استنساخ نموذج وأد ثورتها الربيعية، بذريعة أن المهيمن على المشهد السوري هم الإخوان المسلمون والمتطرفون الإسلاميون وغيرهما من التيارات السياسية، وبالتالي فإن ما تقوم به من تعويم وتأهيل للأسد ونظامه، يندرج في سياق حماية أمنها القومي من تهديد احتمال نجاح الثورة العربية الوحيدة التي استعصت حتى الآن على التدجين والامتصاص والاستيعاب.

زيارات المسؤولين في نظام الأسد وأفراد عائلته إلى القاهرة شاهدة على حجم التعاون الخفي الذي تتكتم عليه مصر، بعد أن تبدل جلد القاهرة وتلبس لبوس النظام الأمني المخابراتي، من زيارة عماد الأسد ابن عم بشار الأسد، إلى زيارة رئيسة هيئة تخطيط الدولة في نظام الأسد والمشاركة في اجتماعات عربية، فضلاً عن عدم معارضة نظام القاهرة لهذه الزيارات وتشجيعها على أمل استعادة شيء من هيبة ودور مصر الإقليمي المهدور على عتبات دماء شهداء ثورة يناير المطاح بها!

تريد موسكو بكل وضوح أن يتم قبول الأسد ونظامه مرة أخرى كحليف وشريك للقوى الدولية في مواجهة خطر تنظيم الدولة، وفي الوقت نفسه أن تقايض الملف الأوكراني الذي لا يزال مفتوحاً وشائكاً في علاقة موسكو بالاتحاد الأوروبي وواشنطن، بالملف السوري بعد أن تمتلك مفاتح الحل فيه، وتستخدم لذلك "دمى" من المعارضة المرضي عنها من نظام الأسد لإنجاز نوع من الاتفاق الشكلي والذهاب به إلى مجلس الأمن الدولي والقول إنها قد نجحت في إيجاد حل سياسي في سورية يستبعد العناصر المتطرفة والراديكالية في المعارضة السورية والتي رفضت المشاركة. وهي بذلك تحاول الضغط على دول الخليج لدورها في خفض أسعار النفط العالمية الذي أنهك الاقتصاد الروسي بعشرات المليارات من الدولارات، كما فعل مع الاقتصاد الإيراني.

في منتصف عمر الثورة السورية وتحديداً في عام 2013، كان النموذج البوسني للحل واتفاق دايتون للسلام الذي رعته الولايات المتحدة في البلقان لإنهاء الحرب اليوغسلافية هو المطروح سورياً لإنهاء الأزمة في البلاد، لكن انشغال الولايات المتحدة وحلفاءها عن نصرة الشعب السوري، وتشاغلهم بالحرب على ما يسمى الإرهاب، وشراسة الدب الروسي في الدفاع عن نظام الأسد، ورغبته في الانتقام لكبرياء القياصرة المدمر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، يدفع روسيا لخوض حرب باردة مع الغرب تتركز في كل من أوكرانيا وسورية، وأسلوبها الوحيد لتحقيق التفوق في الملف السوري هو استنساخ النموذج الشيشاني، الذي استندت فيه موسكو على منع الغرب من التدخل عسكرياً أو سياسياً، وتدمير أي نوع من المقاومة العسكرية الشيشانية بعد تدمير البنى التحتية للبلاد، ومن ثم عقد مؤتمر سلام مع "دمى" شيشانية محسوبة على النظام الروسي، ليتوج ذلك بتتويج رئيس موال لموسكو، ويعمل بالسخرة لتلبية أوامرها على حساب شعبه بعد أن سحقت كل أطياف المعارضة السياسية والعسكرية أمامه.

وبين الرغبة المصرية بوأد الربيع السوري بثورة مضادة شبيهة بما قام به النظام في مصر، وطموح الروس بالتفوق على الغرب في حرب باردة جديدة، عبر استنساخ النموذج الشيشاني، تبدو سورية ومعها الملايين من أبنائها، اللاجئين والنازحين، أمام واحدة من أخطر وأدق المراحل التي عرفتها الثورة السورية.. وربما كانت الأخطر على الإطلاق!