تأملات اقتصادية في تهاوي الليرة السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/8/2015
السورية نت
المؤلف: 

تناقل السوريون اصطلاح " انهيار الليرة" خلال سنوات الثورة كأحد الأدوات الاقتصادية التي من شأنها التسريع في انهيار النظام الحاكم القابع في دمشق، وخاصةً بعدما لامست مستوى 300 S.P مقابل الدولار. إذ اضطر الثوار بعد أشهر من اندلاع الثورة إلى ممارسة الضغوطات الاقتصادية على النظام الذي قابل الاحتجاج بعنف مفرط، فكانت سلسلة الاضرابات والمقاطعة وبيع الليرة وشراء الدولار أو الذهب أو أي أصل مالي، وكل ذلك في سبيل تفكيك وتصديع آليات سيطرة النظام على مفاصل الدولة الذي ما فتئ يطوع أدواتها السياسية والاقتصادية في سبيل صد وتحجيم الحركة الثورية التي كانت تتسارع بوتيرة متزايدة، ومن هنا باتت أدوات الحراك الثوري تستند على سياسات تستهدف فك ارتباط الدولة عن النظام عبر انتزاع كافة الأوراق الضاغطة من يده، هذا النظام الذي غيب كافة الحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية لصالح الحل الأمني – العسكري فعادت بالويلات والكوارث على الاقتصاد الوطني سواء على مستوى الحركة الإنتاجية أو التجارة الخارجية أو الاستثمارات الأجنبية أو حتى الحركة السياحية، ليكون انهيار الليرة السورية بالعموم نتيجة عنفه المفرط من جهة، وجراء  الاجراءات الثورية المستندة على سياسة الضغط الاقتصادي من جهة أخرى.

الليرة السورية تحت المجهر الاقتصادي

تقوم أي دولة بطباعة عملتها مادامتْ قادرة على تغطيةِ ما تطبعهُ إما بالذهبِ أو باحتياطي النقد الأجنبي أو بإنتاج السلع والخدمات، عدا ذلك فهي تقوم بطباعة النقود "بالعجز" فإما أن تضخهُ في مسارات البحث العلمي لإيجادِ سلعٍ جديدةٍ وتطوير قديمة وإنشاء المصانع وبنى تحتية لإيجاد وظائف جديدة في الأسواق، أو تلاحق ارتفاع الأسعار وتمول الحروب وتواجه أزمة مالية غيرَ آبهةٍ بالعواقبِ الوخيمة التي ستتبع هذا الفعل.

انخفاض الإنتاج مع بقاء قوى الطلب مرتفعةً في السوق يؤدي إلى ارتفاعٍ تدريجي لأسعار السلعِ والخدمات مُشكلاً "التضخم الناشئ عن الطلب"، سرعان ما تبدأ قيمة العملة بالتآكل شيئا فشيئا مع ارتفاعِ الأسعار أكثر، وحالاً تتدهور معيشة المواطن مع فقدان الثقة بعملة بلاده، ويضطر المستثمر لتسريح العمال أو إغلاق الإستثمار وإيجاد سوق بديلة في مكان آخر، وتتأثر موازنة الدولة سلباً فتنخفض مشاركة أغلب القطاعات( سياحة، صناعة، تجارة، زراعة) في رفد الدولة بالمال اللازم للإنفاق العام فتنتشر البطالة ويتفشى الفقر في المجتمع، فتقوم الدولة بطباعة كمية نقود بدون تغطية مسبقة لسد العجز في الموازنة فيزداد "التضخم النقدي" ما يعني انخفاضاً للقيمة الشرائية للعملة، فتضطر الدولة لزيادة الأجور لملاحقة الزيادة في الأسعار التي لن تعرف الاستقرار بهذه الطريقة، فيفقد الناس الثقة بالعملة نهائياً ويتخلصون منها بشراء أي شيء أكثر أمانا مثل الذهب، عملات أجنبية...فتنخفض قيمة العملة إلى معدلاتٍ عاليةٍ جداً وهو مايطلق عليه "بالتضخم الجامح" الذي يتبعه غالباً إما تغييراً للنظام النقدي أو النظام السياسي أو كليهما معاً.

وبالعموم فقد دخلت الليرة السورية أحداث الثورة في منتصف شهر آذار/ مارس 2011 بقيمة 50 SP مقابل 1 USD، وخلال سنة 2011 شهدت تقلبات في سعر الصرف وصل إلى 100 ليرة في السوق السوداء بسبب دعوات من بعض رجال الدين والثوريين لاستبدال الليرة بالذهب وعملات أجنبية أخرى من أجل "إسقاط النظام" على حد تعبيرهم. انخفضت الليرة تباعاً مع اتساع رقعة الثورة في أنحاء سوريا واستخدم النظام العنف المفرط ضد الثوار والمدنيين، لذلك شهدت الليرة صدّاً وردّاً بين النظام وقوى السوق التي تضغط عليها ببيعها والتخلي عنها مقابل التعامل بالدولار في الشمال والجنوب فبرزت ظاهرة "الدولرة" وهي استخدام السكان للدولار في تعاملاتهم اليومية بسبب عدم استقرار الليرة  وللحفاظ على قيمة ممتلكاتهم، حتى لامست أعلى سعر لها عند 300 في 09 يوليو/ تموز 2015 وبذلك تكون ارتفعت بمعدل 500% رياضياً، وانخفضت قيمتها بمعدل 83% اقتصادياً، هذا يعني أن القوة الشرائية لليرة انخفضتْ بمعدل 20.75 % في كل سنة من سنوات الثورة الأربعة المنتهية و 1.72% شهرياً. علما أنَّ أسعار بعض السلع ارتفعت خمسة أضعاف، ووفقاً للمعهد الملكي للشؤون العالمية في لندن في تقريره الصادر في يونيو 2015 "Syrian’s Economy, picking up the pieces" جاء فيه: " بلغ معدل التضخم العام في سوريا 4.2% في سنة 2011، و 37% في سنة 2012، و 88% في سنة 2013، و 36.8% في سنة 2014، و 23.7% حتى كانون الثاني من سنة 2015" وبالتالي يكون المتوسط الحسابي لمعدل التضخم لكل سنة من سنوات الثورة هو 37.94%، ولكل شهر 3.161%.

 تدلل هذه الأرقام على ارتفاع معدل التضخم في سوريا ارتفاعاً ملحوظاً وأن التضخم في مستواه الزاحفْ ولم تصل بعد إلى المستوى الجامح لإن الأسعار ترتفع بشكل متقطع والإنتاج شبه متوقف في البلاد مع بقاء قوى الطلب في السوق مرتفعة نسبياً، علاوةً على ذلك يشترط في التضخم الجامح أن تنخفض قيمة العملة من يوم إلى 10 أيام معدل 25% بشكل متواصل وهو ما لم تصل إليه مستويات التضخم في الليرة بعد. أدى ضعف الليرة إلى تخلي السوريين عنها لسبب جوهري وهو فقدان جزء من قيمتها واللجوء لخيارات أخرى لحفظ قيمة أشيائهم، ما شكّلَ عبئاً أكثر عليها.

 ونتيجةً لارتفاعِ الأسعار الحاد ولحاجة النظام الماسَّة لتغطيةِ العجز في الموازنة العامة، ومن أجل تمويل حربه على الثورة القائمة ضده، عمل على ضخ نقود جديدة من فئة الألف ليرة في 30 يونيو/ حزيران 2015 بهدف استبدال الأوراق التالفة والمهترئة حسب ما أشارَ إليه أديب ميالة رئيس البنك المركزي السوري "إنَّ طباعة أوراقٍ نقديةٍ جديدة بهدف استبدال الأوراق النقدية التالفة والمهترئة ليس له أي أثر على التضخم أو على غلاء المعيشة، حيث يهدف فقط إلى استبدال الأوراق التالفة بأوراق جديدة" ولكن حصل العكس تماماً فلم يسحب النظام الأوراق التالفة كما ادَّعى، ومنحت علاوات وزيادات على الرواتب للموظفين، فزادَ معدل التضخم في الأسواق بفعل زيادة الكتلة النقدية ما أثّر على الحالة الاقتصادية للمواطن الذي لايزال يتقاضى راتبه بالليرة.     

هل يتفكك النظام من بوابة انهيار العملة؟

إذاً من أبرز مخاطر طباعة العملة وفق أعلاه هو التضخم النقدي الذي ينجم عن الارتفاع المفرط في المستوى العام لأسعارِ السلع والخدمات ومنه تنخفض القوة الشرائية للعملة مقابل أسعار السلع والخدمات، كما حدث في زيمبابوي حيث وصل معدل التضخم الجامح إلى 231 مليون % في يوليو 2008، وتراوح معدل صرف الدولار الأمريكي بين 3-4 ترليون دولار زيمبابوي في كانون الثاني 2009.

 والآن إذا تمحّصنا في وضع الليرة السورية شكلياً، نجدْ أنَّ السكان لايزالون يستخدمونها كوسيط لتبادل حاجياتهم، ولكنها ليستْ مخزناً للقيمة وليست وحدةً للحسابِ والدفع المؤجل لعدم استقرارها وفقدان قوتها الشرائية. بشكل عام تتأثر العملة بالنشاط الاقتصادي المتّبَع سلباً وإيجاباً فهي عاكسةٌ لهُ لا محالة، فالدولار الأمريكي قوي لإن الاقتصاد الأمريكي قوي من خلال ما ينتجهُ من سلع وخدمات يصدّرها للعالم، والليرة السورية ضعيفة لإن الاقتصاد السوري ضعيف خصوصاً بعد تحول الحكومة إلى حكومة حرب وتسخيرها لمقدرات البلاد باتجاه القضاء على الثورة.

إذاً تعود أسباب ضعف الليرة لعدة عوامل كعدم الاستقرار العام الناجم عن الحملة العسكرية الشرسة التي يشنها النظام على كامل سورية لإنهاءِ الثورة، صرفَ فيها النظام مليارات الدولارات على آلة الحرب حيثُ استنفذَ احتياطي النقد الأجنبي المقدر ب 17.6 مليار دولار في شهر مارس/ اذار عام 2011. ومنها ما يتعلق بتوقف الإنتاج بسبب تعرض المصانع والمدن الصناعية للقصف والنهب، ما اضطر رأس المال المحلي والأجنبي لمغادرة البلد للبحث عن فرص استثمارية في الخارج. ناهيك عن الشلل شبه الكامل للاقتصاد الكلي الذي يرفد الموازنة العامة بالمداخيل لتمويل الإنفاق العام والمشروعات، مثل توقف رافد السياحة بسبب الوضع الأمني، وانخفاض ناتج الزراعة بسبب تقطع أوصال البلاد بين النظام وداعش والمعارضة، ناهيك عن توقف إنتاج النفط والغاز بسبب سيطرة تنظيم الدولة على الآبار.

ولعل أهم الأسباب تلك المتعلقة بطريقة معالجة النظام لمعدل التضخم وانخفاض القوة الشرائية لليرة، والتي لم تكن ناجعة على الإطلاق حيث أنّها لم تتخذ الإجراءات اللازمة للحد من ارتفاع الأسعار بشكل عام والحفاظ على استقرار سعر الصرف في السوق السوداء. كما أنها قامت برفع الدعم عن المواد التموينية ولم تعطي بديل عنها ما زاد في تأزم الوضع المعيشي للسكان، وذهبت بحلول تخلق تضخماً للأسعار أكثر مثل زيادة رواتب الموظفين بمعدلات مختلفة وإعطاء تعويض عن ارتفاع الأسعار من خلال طباعة نقود غير مدعومة بالإنتاج فارتفعت الأسعار أكثر وانخفضت القوة الشرائية لليرة ما زاد الطين بلّة.     

وبناءً على ما سبق فقد ساهمت سياسات النظام العنفية الذي مارس أبشع الجرائم وحقق أعتى كارثة انسانية عرفتها البشرية اتجاه شعبهِ لإخماد الثورة، ولم يكترث لمآل البنية السورية بتدمير الاقتصاد والعملة الوطنية وتهجير نصف السكان وقتل مئات الآلاف، لذلك وفي ظل هكذا نظام ديكتاتوري فإنه من غير الممكن التأثير عليه بالطرق الاقتصادية، خاصة في ظل وقوف أقطاب عالمية مثل روسيا والصين وإيران في صفه تقوم بتغطيته مالياً وسياسياً. وعليه فإن ما قام به الثوار  من خلال هذه الثنائية لم يكن إلا استنزافا لقيمة الليرة التي بالنهاية تمثل رمزا سيادياً وطنياً، بالتالي سياسة إضعاف الليرة لا تجدي نفعاً من أجل إسقاط النظام وهو لن يضرْ  إلا مصالح السكان الذين لايزالون يتقاضون رواتبهم بالليرة، تلك الليرة التي تستمر في الانهيار  وتزيد من تعاستهم وفقرهم حيث شهدت نسبة السكان في سورية الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفاعاً كبيراً من 18%  في 2010 لتصل في عام 2015 الى حوالي 90 % من السوريين إذا استمر الوضع على ما هو عليه، كما أفاد به تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي اسيا (الإسكوا) في ايلول 2014 .

تعليقات