تجارة تزوير الشهادات السورية تربك الطلاب الجادين

إرباك يصيب الطلاب الجادين في سورية بسبب تزوير الشهادات
الاثنين 16 نوفمبر / تشرين الثاني 2015

خسر الشاب الحلبي معاذ (20 عاماً) فرصة القبول في إحدى جامعات برلين المقيم بها منذ سنة ونصف السنة على أثر انكشاف تزوير شهادته الثانوية (البكالوريا).

وبعد تكسر أحلامه على صخرة التزوير، بدأ معاذ التحضير مجدداً لخوض غمار امتحان الثانوية، وقد خسر عامين من عمره و400 دولار هي ثمن الشهادة المزورة التي كان قد حصل عليها من خلال أحد أقربائه في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا.

وبحسب تحقيق نُشر في صحيفة "الحياة" اللندنية اليوم فإن انكشاف محاولة معاذ وبسبب صعوبة تقليد الورق الرسمي المقوّى المستخدم في التزوير، لا ينسحب على عشرات الحالات التي نجح منفذّوها في دخول جامعات من دون وجه حق، بالاستناد إلى مقابلات مع طلاب وخبراء تعليم. فغالبية الشهادات المزورة تتم طباعتها بواسطة طابعة الحاسوب، وهذا ما يجعل ألوان الأختام مختلفة عن ألوان الختم الحقيقي.

وتتفاوت أسعار الشهادات بين 100 و600 دولار، وفق معدل العلامات، وجودة الأختام والأوراق المطبوعة بها، وبحسب التحقيق فإن هذه الظاهرة مستمرة على رغم بناء خطوط تنسيق وتبادل بيانات بين وزارة التعليم التركية والحكومة السورية المؤقتة.

أحد الطلاب يؤكد أنه دخل كلية الطب البشري في جامعة غازي عنتاب عام 2014 بشهادة مزوّرة من دون أن ينكشف أمره. يقول هذا الطالب -الذي يمتنع عن ذكر اسمه- إن سهولة تعديل الشهادات في مديرية التربية التركية في غازي عنتاب ساعدته على التزوير، اذ كانت متطلبات المديرية تقتصر على ترجمة الشهادة من العربية إلى التركية وتصديقها لدى كاتب العدل، من دون التأكد من أصالتها. فلم يكن أيّ من الموظّفين يعرف كيفية إثبات صحّة الشهادة قبل انتشار حالات التزوير.

فوضى الشهادات وتزويرها دفعا الدوائر الحكوميّة التركيّة والحكومة السورية المؤقّتة إلى اعتماد تدبير أكثر صرامة العام الحالي (2015)  للكشف عن التزوير، ويتمثل بطلب تعديل الشهادات الصادرة بعد عام 2012، بعد سنة على اندلاع الثورة السورية.

ويقول التحقيق إن معداه تواصلا مع أحد "المزوّرين" ويدعى "عبدو" فعرض عليهما تزوير شهادات بواسطة "أختام حيّة" صنعها في تركيا. وفي مقابلة هاتفية يفتخر المزور بميزة هذه الأختام: "إذا طبعت شهادة بأختام مطبوعة عن طريق طابعة الحاسوب فلن تستفيد منها، فهي ستنكشف فوراً. أمّا في حال طبعت الشهادة وختمت عليها بالختم الحي فكأنّك جلبت شهادتك من مديرية الامتحانات في سورية".

وأبلغ المزور معدي التحقيق بأنّ مكتبه في مدينة كلّس جنوب تركيا، فزاراه في المدينة لكنه طلب منهما الانتظار في موقف سيارات الأجرة. وفي 27-4-2015 صباحاً قدم عبدو ووالده بسيارتهما واصطحبا معدي التحقيق إلى واجهة عملهما. مكتب عقاري من دون لافتة رسمية ولا ترخيص.

واستفسر معدا التحقيق من عبدو عن طبيعة عمله وآليات التزوير. وبعد أن اكتسبا ثقته واستصدر لهما شهادة جامعية بناء على طلبهما لشخص آخر وتمت طباعتها للتجربة، وافق ووالده على إجراء مقابلة صحافية.

"جنى ولدي عبدو حتى الآن أكثر من 250 ألف دولار من وراء هذا العمل. وفتحنا مكتبين آخرين لأولادي في مدينة مرسين التركية ومدينة إسطنبول".

ويقول والد عبدو بزهو. كان يتحدث بثقة بالنفس عن جوازات سفر اشتراها فارغة من موظفين سابقين في الهجرة والجوازات. ويؤكد أن لديه جميع أنواع الأختام الرسمية المطلوبة وأهمها ماكينة طباعة احترافية لطباعة أي صورة أو شهادة. يبدو جواز السفر حقيقياً، و"يستطيع حامله التجوال في أي دولة في العالم باستثناء سورية، فكل ما في الجواز قانوني"، كما يقول، "لكن ليس له رقم قيد، في الدوائر الرسمية السورية".

وتراوح لائحة الأسعار بين 600 دولار للشهادة الثانوية وألفي دولار للدكتوراه. علماً أن الإجازة تكلف 1200 دولار والماجيستير 1500.

سخط الطلاب

وأثار ازدياد حالات التزوير موجة سخط لدى الطلبة السوريين الملتزمين بقواعد الدراسة ونيل الشهادات الرسمية، فحسّان الذي يكمل دراسته في جامعة غازي عينتاب يقول إنّ وزارة التربية التركية لم تستطع حتى الآن وضع حدّ لتزوير الشهادات.

ويشتكي حسّان من غياب سجل موثّق على الإنترنت بجميع السنوات، بل يقتصر على السنتين الماضيتين فقط (منذ 2012)، في غياب جهة مسؤولة عن التوثيق لدى جميع الأطراف سواء كانت تركية أم الحكومة السورية المؤقتة أم وزارة التعليم العالي لدى النظام.

ويؤكد حسّان أن أصحاب الشهادات المزوّرة يحجزون مقاعد جامعيّة تحرم أمثاله من مقاعد جامعية في تركيا. فكل جامعة تركية حكومية تعلن عن مفاضلة مستقلة تحدد نظام القبول للطلبة الأجانب، لذا لا يمكن تحديد عدد المقاعد الجامعية المتاحة للسوريين، أو عدد الطلبة، بخاصة أن هناك 160 جامعة تركية موزعة في مختلف المدن، وذلك بسبب فارق المجموع بين الشهادتين، لكنّ الأولى لم يتعب صاحبها حتّى يحصّلها كما شهادة الطالب النظامي.

من جهته يؤكد محمد إبراهيم مدير ممثلية الائتلاف الوطني في غازي عنتاب "وجود الآلاف من الوثائق المزوّرة سواء في تركيا أم داخل سورية أم في أي دولة أخرى"، لافتاً إلى أن الحكومة المؤقتة والائتلاف الوطني السوري ضبطا ما لا يقل عن 40 شهادة جامعية مزورة لدى موظفين موزعين بين الحكومة والائتلاف، عن طريق فريق قانوني مختص استطاع اكتشاف عمليات تزوير الشهادات الجامعية منذ منتصف عام 2014  وحتى شهر يونيو/حزيران الماضي، وتقرر طرد الذين أساؤوا استخدام وظيفتهم، بحسب إبراهيم الذي لم يحدد عددهم أو مناصبهم."

ويقترح إبراهيم تشكيل هيئة خاصة للتحقق من الوثائق الخاصة بالسوريين والاعتماد على الوثائق الالكترونية بسبب صعوبة التواصل في الداخل السوري مثل الحلول التي بدأت وزارة التربية التابعة للحكومة الموقتة اتخاذها "البار كود – البصمة الإلكترونية".

أمّا معاون وزير التربية للشؤون الإدارية الدكتور عبد الرحمن الحاج، فيؤكد صعوبة كشف الشهادات الجامعيّة المزوّرة، باستثناء شهادات جامعة إدلب التي تمّت السيطرة على كامل بياناتها والمعلومات فيها، بعد تحرير المدينة في 30-3-2015.

ويكمن الحل في الحصول على بيانات الخريجين والتنسيق مع الحكومة التركية لبحث آلية ضبط عملية التزوير وإعلام الجهات التركية بذلك. وأدّى تنسيق متأخر بين الطّرفين إلى ملاحقة الحكومة التركية لبعض أصحاب هذه المكاتب, علماً إنه لا يوجد عدد محدد لها، ومن الصعب القبض على أصحابها لكونها سرية.

مناهج مختلفة

شهادة ائتلاف، شهادة نظام، منهاج ليبي أو عراقي، أو سوداني، هذه هي أنواع الشهادات الثانوية المتوافرة في مدينة غازي عنتاب. وأدّى ذلك إلى وقوع الطالب الثانوي في حيرة من أمره لا سيما أنّ كل معهد يدرّس منهاجاً من الأنواع المذكورة أعلاه يروّج لعمله كي يسجل لديه أكثر عدد ممكن من الطلاب.

لكن طلاباً عديدين يفضلون الذهاب إلى مناطق النظام في حلب من أجل تقديم امتحان الثالث الثانوي، كونه معترفاً به أكثر من الشهادات الأخرى كالائتلاف، والليبي.

أما شهادة الائتلاف فيقول علي إبراهيم أحد الطلاب الحاصلين على شهادة ائتلاف في القسم الأدبي: "تنقّلت بين عينتاب وإقليم هاتاي ولم تقبل مديريات التربية التركيّة تعديل شهادتي على رغم أنّ وزارة التربية في الحكومة المؤقتة أعلنت في وقت سابق عن قبول تعديل شهادات الائتلاف في مديريات التربية بتركيا، الآن لا يوجد لدي إلا الانتظار للسنة القادمة حتّى أقدّم على الفحص المعياري علّني أتمكّن من تعديل شهادتي".

في السياق ذاته اهتمّ طلاب بدراسة المنهاج الليبي الذي راج في مدينة عنتاب بين المدارس السوريّة الخاصّة، فهناك أكثر من 15 مدرسة كانت تدرّس هذا المنهاج.

بالحديث مع طلاب كثيرين قال معظمهم أنّ المتطلّبات التعليميّة أصبحت معقّدة والطلاب يدرسون الثالث الثانوي بلا دراسة مصدر الشهادة التي سيتمّ الحصول عليها فيما بعد ليفاجأوا بأنّه لا يمكن تعديلها أو أنّ التعديل يحتاج إلى شروط كثيرة.

وذهب قسم من طلاب الثالث الثانوي السوريين ليسجّلوا في المدارس العراقيّة المفتتحة في عنتاب والتي لا تقبل إلا الحاصل على شهادة نظاميّة تثبت آخر مرحلة وصل إليها من مدرسة معترف بها بحسب كلام مدرسة دار السلام العراقيّة التي تحدّثنا معها في وقت سابق.

وقالت مديرية التربية التركيّة انها لم تنته من إجراءات تسجيل المدارس العراقيّة في سجلات التربية التركيّة لكن الطالب الحاصل على الشهادة من المدرسة بإمكانه أن يكون قادراً على التقدّم للجامعات التركيّة كون الشهادة العراقية صادرة من وزارة التربية العراقيّة أصلاً.

التعديل ومتطلّباته

في البداية كان تعديل شهادات الثالث الثانوي متاحاً لجميع الطلبة السوريين مهما كانت شهاداتهم سواء ليبية أم ائتلاف أم نظام. ويقصد بذلك الذين خضعوا لامتحانات الثانوية الليبية في عينتاب ونجحوا بها، أما الائتلاف فهو منهاج وضعته وزارة التربية والتعليم في الحكومة الموقتة بمساعدة هيئة علم ويشبه محتواه إلى حدّ كبير محتوى منهاج النظام لكن حذف منه الكثير من الدروس، أمّا منهاج النظام فهو يتعلق بالطلبة الذين قدّموا في المدارس التابعة لحكومة النظام في سورية وحصلوا على شهادات ثانوية بعد نجاحهم في الامتحان.

قبل سنة من الآن يقول أحمد شيخو أحد الطلبة المتابعين للتطورات التي تطرأ على التعليم: "كان يمكنك أن تذهب إلى مديرية التربية بعد تصديق شهادتك وترجمتها وتعدّلها بكلّ سهولة، لم يكن الأمر مدعاة قلق للطلاب فالكل واثق بأنّ شهادته ستعدّل على الفور لكن ما حصل أنّ مديرية التربية التركية اشترطت الخضوع لفحص معياري يجري مرة في السنة ضمن الشهر السادس".

وتتزايد أعداد اللاجئين السوريين إلى مدينة عنتاب التي شهدت ازدحاماً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، إذ أفاد تقرير صدر عن مجلس المدينة في الشهر الأول من العام الحالي بأنّ عدد اللاجئين في مدينة عنتاب بلغ 315 ألف سوري، نصفهم من الأطفال دون سن 18 سنة.

في عنتاب أربعة مراكز تعليمية في حين وصل عدد الطاقم التعليمي ممن تلقّى التدريبات الى نحو 600، والطلاب الذين بعمر المدرسة والمسجّلون أصلاً في المدارس 48 ألف طالب وطالبة.

اقرأ أيضاً: حواجز أمنية لـ"حزب الله" على مداخل حماة وحلب وانتهاكات بحق المدنيين

المصدر: 
صحيفة الحياة ـ السورية نت

تعليقات