تجريم الثورات العربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

4/12/2014
القدس العربي
المؤلف: 

حكم البراءة الذي ناله دكتاتور مصر المخلوع وابنيه ووزير داخليته ورجال أعمال مقربين، ليس مجرد فضيحة قضائية وسياسية، بل هو محاولة يائسة من النظام القديم للتشبث بالبقاء المستحيل. وقاحة قرار المحكمة قد توحي بانتصار فاجر للنظام الساقط، لكنه انتصار موهوم يراد به كسر إرادة الشعوب الناهضة في الحرية والاستقلال. فلا يمكن بجرة قلم من قاض ارتضى الاستتباع لسلطة عسكرية انقلابية أن تمحو آثار أربع سنوات زلزلت فيها شعوب جمهوريات وراثية الأرض تحت أقدام إمعات فاسدين أوصلوا بلدانهم، خلال سنوات حكمهم المديد، إلى الخراب. لا يمكن لمحاكمة مسيسة أن تقضي على توهج جسد محمد بوعزيزي الذي أطلق صمام أمان الغضب الشعبي المكبوت طوال عقود على سارقي دول وبلطجية وقطاع طرق متنكرين بأزياء رجال دولة في العواصم التي نالها الزلزال.

براءة حسني مبارك تعني براءة كل دكتاتور فاسد قبع على صدر شعبه سنوات وعقوداً من حكم الرداءة والوضاعة والإفلاس الأخلاقي.
براءة نجليه تعني براءة تحويل النظام الجمهوري إلى نظام عائلي وراثي مؤبد.
براءة وزير الداخلية تعني براءة النظام البوليسي الذي استعبد الناس وعمل على حراسة الفساد.
براءة رجال الأعمال المرتبطين بعائلة مبارك تعني شرعنة الفساد والسرقة المحميين بجهاز الدولة.
براءة المذكورين جماعةً تعني براءة هذا الشكل من «النظام» الذي أغلق أمام شعوب البلدان المعنية كل الآفاق وأدخلها في نفق معتم بلا نهاية. وهي تعني، في النهاية، تجريم الشعوب وإرادتها في الحرية والكرامة.

وهذا ليس بجديد. فالثورات هي جرائم في كل الأنظمة الحقوقية، وهي تقويض لـ»النظام» والنظام العام ولنظام «الحقوق» نفسه.
ربما ليس لأسباب أخلاقية، بل فقط لأسباب تقنية، لا يمكن محاكمة الثورات. فأعمال التخريب المرافقة عادةً لحركات الجموع لا يمكن مقاضاتها لأنه لا يمكن عملياً تحديد الفاعل. كذا فيما يتعلق بـ»إسقاط النظام»، الهدف المعلن لمعظم الثورات، وهو مفهوم مجرد بقدر تجريد مفهوم النظام نفسه الذي يتجسد بممثلين مشخصين ممن يتبوؤون مناصب في الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.
هذا ما ينقلنا إلى مفهوم الشرعية. الثورات تقوض الشرعية القائمة وتنشئ شرعية جديدة. هذا ما فعله شعب مصر العظيم في ثورة 25 يناير 2011، فأطاح بالحكم العائلي قبل أن يتاح له توريثه من الأب إلى الابن، وأنشأ شرعية جديدة ونظاماً جديداً.

ولكن أليس هذا ما حصل أيضاً في 3 تموز 2013 بالانقلاب العسكري المدعوم شعبياً على حكم محمد مرسي؟ كان يمكننا أن نجيب على هذا السؤال بالإيجاب لولا أن الحكم الانقلابي الجديد استعاد كل رداءة عهد مبارك، بل تفوق عليه في كل موبقات الدكتاتورية، فضلاً عن صراحته في إعادة كل النظام القديم إلى الحكم من جديد، وصولاً إلى تبرئة الزمرة العائلية المجرمة بحق مصر.

ولولا شهوة السلطة لدى الحاكم الانقلابي الذي تذوق ملذاتها واستطابها، لما كان من السوريالية في شيء تصور إعادة السلطة بعد حين إلى «مالكيه الشرعيين»، بل تحديداً إلى جمال مبارك «الوريث الشرعي» الوحيد!
لا تقتصر دلالات الحكم ببراءة نظام مبارك وتجريم ثورة الشعب عليه، على مصر وحدها. فما يفعله حكام مصر اليوم، بواسطة القضاء ومؤسسات الدولة الأخرى، يكمل حرب نظام بشار الكيماوي على سوريا وشعبها، ويسعى إلى شرعنة قتله اليومي للسوريين، ما دام القاضي المصري أفتى سياسياً بأن الثوار في كل من مصر وليبيا واليمن وسوريا هم إما عملاء «محور الشر» المدربون على المظاهرات، أو العامة «المغرر بهم».

تجاوز القاضي المصري وظيفته ومهمته، فنصب نفسه وصياً على شعوب تعد بالملايين، متهماً إياها بالعمالة والقابلية للتغرير. الأمر الذي لم يتجرأ على اتيانه حتى الطغاة الذين أطاحت بهم الثورات أو أبواقهم الإعلامية والثقافية.
لهذا السبب استحق من سيده الحاكم أن يدافع عنه بـ… استقلالية القضاء!
لست أعرف كيف تستطيع هذه الكائنات أن تنام.