تحالف الأقليات في المنطقة.. ضد من؟!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/ 04/ 2014
العرب

خلال الأيام الماضية، وبمناسبة الاحتفال بأعياد الفصح والقيامة المسيحية، لاحظنا تركيزا واضحا من قبل إعلام التحالف الإيراني على إبراز المشاكل التي يعانيها المسيحيون في المنطقة، ورأينا كيف توجَّه «حامي الأقليات» في سوريا (بشار الأسد) إلى قرية معلولا المسيحية التاريخية التي «حررها» مؤخرا من أيدي «الإرهابيين» لكي يؤكد جدارته باللقب المشار إليه، وإلى جانبه رجال دين مسيحيون بطبيعة الحال.
قبل خمس شهور وجَّه الرئيس الإيراني حسن روحاني رسالة إلى البابا، وفيها ذهب إلى أن الفاتيكان وإيران «لديهما أعداء مشتركون»، على غرار «الإرهاب والتطرف» و «أهداف مشابهة»، كإرادة الانتصار على الظلم والفقر، فيما قال وزير خارجيته إنه نظرا للوجود الواسع لجماعات متشددة ميدانيا (أكثرها في سوريا والعراق طبعا) «باتت ظروف الأقليات الدينية في سوريا كالمسيحيين مبعث قلق بالنسبة إلينا».
منذ تسلمه لمهام منصبه كرئيس لإيران، لا يتوقف روحاني ووزير خارجيته عن ممارسة الغزل الدبلوماسي مع اليهود وأميركا والغرب، وامتد ليشمل الفاتيكان، فيما يعرف الجميع أن ذلك يشكل امتدادا للتحالف «المتين» بين المسيحيين في لبنان، بقيادة عون ومن ورائه الكنيسة المارونية، وبين حزب الله، وهو التحالف الذي أنتج خطابا واضحا من طرف الكنائس المسيحية الشرقية، ومن ورائها الفاتيكان، حيال المسألة السورية، وهو خطاب لا تغير لغته الإنسانية في حقيقة دعمه لبقاء النظام السوري، ووقوفه ضد الثورة، الأمر الذي شمل الكنيسة الروسية التي تحوّل راعيها «البطريرك»!! بوتن إلى حامي حمى مسيحيي الشرق أيضا، في حين ينظر له بعض اليساريين (كثير منهم طائفيون أيضا) كما لو كان بديلا للاتحاد السوفيتي (الشيوعي)، الأمر الذي يبدو مثيرا للسخرية في واقع الحال، لأن روسيا هذه الأيام ليست سوى دولة إمبريالية تبحث عن مصالحها، ولا بأس في سبيل ذلك من استخدام الدين، مع العلم أن عُقد بوتن من الإسلام السنّي تبدو متجذرة إلى حد كبير، وبالطبع بسبب النزاع في القوقاز، وبسبب الوجود السنّي في الاتحاد الروسي، فضلا عن المحيط في آسيا الوسطى.
نتذكر في هذا السياق، ومن الطبيعي أن نتذكر فكرة تحالف الأقليات التي خرج بها الجنرال ميشال عون. وحين تتحالف الأقليات في المنطقة، فإنها تتحالف ضد الغالبية السنية.
ما ينبغي أن نتذكره هنا هو أن هذا الخطاب الطائفي لم يظهر إلا على خلفية ما يجري في سوريا بالنسبة للتحالف الإيراني (وصف خامنئي ثورات الربيع العربي في البداية بأنها صحوة إسلامية)، لكن الخطاب المذكور بالنسبة لأكثر القوى المسيحية قد تعزز بسبب الربيع العربي الذي نُظر إليه بالفعل كما وصفه خامنئي على أنه صحوة إسلامية، حتى لو كان شعاره هو الحرية والتعددية والعدالة والكرامة الإنسانية.
في سوريا التقى «الشتيتان»، فإيران وتحالفها تعتبر سوريا ركنا استراتيجيا، وعون ومن يدورون في فلكه صاروا يعتبرون أن بشار هو حامي المسيحيين من التغول السنّي، فضلا عن حقيقة أن فشل الربيع العربي في سوريا سيضع حدا لتقدمه نحو بقية دول المنطقة، ولذلك لم يتوقف هجاء عون للربيع العربي على سوريا، وإنما شمل الإسلاميين السنّة في كل مكان، حيث ذكر الإخوان مرارا بالاسم، واتهمهم بالإرهاب والطائفية، فضلا عن القوى الموصومة بالتشدد.
وفي حين يمكن تفهم مواقف عون، ومن يعيشون الهواجس الطائفية (بعضها يمكن تفهمه بسبب أخطاء هنا وهناك)، فإن موقف إيران يبدو عدائيا بالنسبة للغالبية السنيّة في المنطقة، ولا قيمة للحديث هنا عن التطرف والإرهاب، لأن الكل يعلمون أن غالبية الأمة ليست متطرفة ولا إرهابية، كما يعلمون أن من جرّ الثورة السورية إلى مربع العنف والإرهاب هو النظام وفق خطة مدروسة من أجل وصمها بالإرهاب، ومن ثم تبرير قمعها.
أين تذهب شعارات المقاومة والممانعة، وسط كل هذا الغزل الإيراني مع اليهود، ومع الفاتيكان، مع دعوة لتحالف الأقليات؛ (ضد من؟!) ضد الغالبية السنية دون أدنى شك، لاسيَّما أنها تأتي بعدما باع بشار سلاح سوريا الكيماوي للكيان الصهيوني من أجل بقائه، فيما يقدم نفسه للغرب كرأس حربة ضد الإرهاب، وتأتي أيضا بعد صفقة النووي الإيراني، التي تمضي في اتجاه الجزء الثاني منها.
إيران التي تضطهد أقلياتها العربية والسنيّة والكردية، تعرض تحالفا للأقليات ضد الغالبية السنيّة (هل سيشمل ذلك لاحقا الأقلية اليهودية؟!)، وفي هذا ما فيه من استفزاز لغالبية الأمة، وهو استفزاز سيكون له ما بعده، وهذه الأمة التي هزمت الغزو الأميركي للعراق (العراق الذي سقط ثمرة ناضجة في حضن إيران)، ستكون قادرة على لجم العدوان الجديد إذا ما ظل سادرا في غيّه.
إن فكرة تحالف الأقليات ضد الغالبية هي فكرة غبية دافعها غرور القوة الذي يتلبس إيران من جهة، ولوثة المشاعر الطائفية من جهة أخرى، وهي رؤية لن يُكتب لها النجاح بحال من الأحوال، لكن ثمن الصراع المترتب عليها سيكون باهظا إذا لم ينتصر العقل ويسود الرشد، ويقبل الجميع بمنطق الحرية والتعددية والمواطنة في دول لا تقودها نخب حاكمة تسيطر على السلطة والثروة، ولا تحركها غير مصالحها. بقي القول إن على أقليات المنطقة، بما فيها الشيعة أن يرفضوا الانسياق خلف المشروع الإيراني، فهي تتعايش مع الغالبية هنا، وهذا قدرها. وانحيازها إلى جانب إيران سيكون مكلفا لها أكثر من إيران التي يمكن أن تغير وجهتها بحسب المعطيات السياسية الداخلية والخارجية.