"تحرير الشام" وإمكانية التفكك في إدلب.. باحثون وخبراء لـ"السورية نت": هذه عوامل التغيير والسيناريوهات

عناصر من هيئة تحرير الشام في معسكر تدريبي بريف إدلب - المصدر: تحرير الشام
الثلاثاء 17 سبتمبر / أيلول 2019

لم يكن شهر سبتمبر/ أيلول الحالي كغيره من الأشهر التي تمر على "هيئة تحرير الشام"، كبرى الفصائل العسكرية في محافظة إدلب، فقد تعرضت فيه لعدة انتكاسات، باتت تهدد بيتها الداخلي، والذي سعت لتماسكه طوال السنوات الماضية من تشكيلها، ومنذ الإعلان عن عمادها العسكري "جبهة النصرة".

الانتكاسات زاد من حدتها الظروف التي تمر بها محافظة إدلب، والتي تشهد حملة عسكرية واسعة من جانب قوات الأسد والميليشيات التابعة لها، مدعومة بروسيا وإيران، والتي قضمت مساحات واسعة من فصائل المعارضة، تصدرها الريف الشمالي لحماة ومدينة خان شيخون الواقعة على الأوتوستراد الدولي دمشق- حلب.

يمكن تفنيد انتكاسات "الهيئة" من عدة اتجاهات، أولها المظاهرات المفاجئة التي خرجت ضدها من قبل السكان المدنيين في إدلب، والتي تزامنت مع الانسحاب من عدة مواقع استراتيجية لصالح قوات الأسد، وتبعها هزة كبرى أحدثها القيادي البارز فيها "أبو العبد أشداء"، بعد نشره الأسبوع الماضي، تسجيلاً مصوراً اتهم فيه قيادة "تحرير الشام" بالفساد المالي والإداري والعسكري، والكذب والخداع "وسرقة أموال الفقراء والتسلط على رقابهم".

وقال "أبو العبد أشداء"، والذي اعتقلته "تحرير الشام" على خلفية التسجيل: "إن الهيئة لم تعد مشروع أمة ولا جماعة ولا تيار جهادي، بل استبد بها أشخاص وحولوها لحقل تجارب، وهي منصاعة بشكل أو آخر للتفاهمات والاتفاقات الدولية، ولم تستطع مثلاً إدارة المعركة شرقي سكة الحديد، ومنع سقوطها".

وأضاف القيادي: "قيادة تحرير الشام كانت على دراية بنية قوات النظام اقتحام محور ريف حماة الشمالي قبل بدء العمل بشهرين، ورغم ذلك لم تقم بأي نوع من أنواع التحصين والتمويه والإعداد العسكري في المنطقة".

وتضم "الهيئة"، عدة فصائل مسلحة، أبرزها جبهة "فتح الشام" وكانت تعرف باسم "جبهة النصرة" والمرتبطة بتنظيم القاعدة، وتعتبر من أبرز الفصائل العسكرية العاملة في محافظة إدلب، وتتذرع بها روسيا ونظام الأسد بالحملة العسكرية التي أطلقاها منذ فبراير/شباط الماضي، للسيطرة على آخر معاقل المعارضة السورية في الشمال.

ومنذ تشكيلها رفضت "تحرير الشام" حل نفسها، أو الاندماج مع باقي فصائل "الجيش الحر" والتشكيلات الإسلامية العاملة في إدلب، وقابلت الأمر بهجمات واسعة تمكنت فيها من القضاء على معظم الفصائل التي كانت تعترض طريقها، آخرها "حركة أحرار الشام الإسلامية" و"حركة نور الدين الزنكي"، التي كان يتركز نفوذها في الريف الغربي لحلب، لتكون المتحكم الأساسي بمستقبل المنطقة التي تلعب بها، وهي محافظة إدلب، والتي ارتبط اسمها عند القوى الغربية اللاعبة في المنطقة بـ"الإرهاب"، بناء على التصنيف المرتبط بـ"تحرير الشام".

تحركات لتصحيح "الأخطاء"؟

دفعت الانتكاسات التي عصفت بـ"تحرير الشام" إلى اتباع طريقة التفافية، اعتبرت من وجهة نظرها، أنها قد تصحح بعض أخطائها وانتهاكاتها، وقد تكون هذه الطريقة، عنصراً أساسياً للحفاظ على البيت الداخلي، والذي لايزال يشهد تصدعات، بناء على الظروف الحالية، وكرد فعل على تطورات سابقة، كان أبرزها انشقاق عدة قياديين منها، بينهم "أبو اليقظان المصري" و"أبو شعيب المصري"، وآخرهم "أبو العبد أشداء".

الطريقة الالتفافية بدأتها بسلسلة بيانات نشرتها عبر معرفاتها الرسمية في "تلغرام"، دعت فيها "الحاضنة الشعبية" في محافظة إدلب إلى "الوقوف إلى جانب المجاهدين"، ولفتت فيها إلى "استراتيجية" تعمل عليها روسيا ونظام الأسد، تتألف من خمسة نقاط، وتهدف إلى "زعزعة كامل استقرار المناطق المحررة، وهي المراوغة السياسية في أستانة وسوتشي من أجل كسب الموقف الدولي، ثم تقسم المناطق وقضمها تباعاً".

وحدد أحد البيانات هدف "تحرير الشام" في المرحلة المقبلة، بـ"إرساء مرحلة جديدة وتصحيح الأخطاء السابقة بما يتعلق باستقلالية القرار الثوري على المستويات كافة، المدنية والعسكرية والسياسية، وإقامة بديل مؤسسي ثوري ناضج بديل عن مؤسسات النظام".

واتجه البيان إلى تبرير الأخطاء التي عملت عليها قيادة "الهيئة" سابقاً، وأكد على أن الأخيرة نجحت في جوانب وأخطأت وأخفقت في جوانب أخرى، وهي "لا تدعي العصمة من الخطأ أو الوقوع في الزلل".

واعتبرت "تحرير الشام" في بياناتها أن "من الواجب إفشال الحملة الساعية إلى ضرب النسيج المجتمعي والتلاحم العسكري، وأن نكن واعيين ومدركين لكل دعوة يؤلب لها من يتكلمون باسم ثورة لم يعايشوها واقعاً، أو يعاينوا قصفا وتهجيراً".

بالنظر إلى الخطاب الخاص بـ"تحرير الشام"، منذ الإعلان عن تشكيلها في عام 2017، نجد أنه تغير بتغير الأحداث المفروضة على الساحة السورية، سواء الواقع العسكري على الأرض، أو المواقف السياسية وما شهده الملف السوري من اجتماعات ومحادثات بين الدول اللاعبة في المنطقة، وخاصة روسيا وإيران وتركيا.

وعلى إثر ما سبق اتجهت "تحرير الشام" لتغيير التوجه الخاص بها، إذ تحول من الجانب العقائدي الإيديولوجي إلى الجانب المصلحي، والذي استخدم عدة أدوات مصلحية "براغماتية"، بينها التقرب من مصطلحات الثورة السورية، والظهور بشكل غير مباشر بموقف المتحول من الغلو إلى الاعتدال.

التحديات والاستحقاقات

أمام ما تشهده "تحرير الشام" في ظل الظروف الحالية التي يشهدها بيتها الداخلي، وتمر بها محافظة إدلب، لا بد من الوقوف على مستقبل التشكيل العسكري الأبرز في الشمال السوري، وإمكانية التفكك، خاصةً في ظل حديث تم تداوله عن تحركات لتفكيكها، من أجل نزع تهمة "الإرهاب" عن المنطقة.

يقول الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلاع، في حديث لـ"السورية نت" إن هناك "محددات تنظم وجهة نظر تحرير الشام اتجاه تحدياتها واستحقاقاتها"، مضيفاً أن "التحديات تتعلق بأن مصير إدلب هو مصيرها، وهذا يعطي تحرير الشام مجال من المرونة والمراوغة في قبول أو مقاومة ما يتم في المحافظة،(هذا من جهة أساسية أولى)".

من جهة أخرى يوضح الباحث أن "تحرير الشام" تدرك أن "تكلفة التدخل العسكري في إدلب ستكون كبيرة، وهذا قد يفرض مسارات بديلة سواء تفاوض أو الدفع باتجاه التغيير".

المحددات السابقة "تتموضع بشكل أساسي في ذهنية تحرير الشام، وبناء على أساسها هناك ثلاثة عوامل ستكون متحكمة بمستقبل تحرير الشام النهائي"، بحسب الباحث.

ثلاثة عوامل تتحكم بالمستقبل

القسم الأول من العوامل، وفق طلاع هو "التي تتحكم بها تحرير الشام، أي ستفرضها على نفسها لتوحي بأنه سيكون هناك تغييراً ما أو تحولاً في بنيتها، منه ما يتعلق في تغيير المسمى، أو فيما يتعلق الإطاحة بالذراع الإداري وهو (حكومة الإنقاذ)، أو قد يكون تغيير في البينة العسكرية والأمنية عبر تنحية العناصر الأجنبية، وإيصال بعض الرسائل بأن الهيئة هي التي تسعى إلى إعادة هيكلية عسكرية، سيرافقها تغيير في الإيديولوجيا".

العوامل السابقة تتحكم بها "تحرير الشام" بشكل كامل، بحسب الباحث "وقد تدفع باتجاه خلق مسارات تفاوض ما، كخيار الانتقال إلى أن تكون قوة مجتمعية سياسية، وهنا من خلالها يمكن الحديث عن تكرار نموذج حزب الله في لبنان" من وجهة نظره.

القسم الآخر من العوامل التي تحدث عنها طلاع هي التي تفرض نفسها على "تحرير الشام"، على خلاف ما تم ذكره سابقاً.

ويقول: "العوامل منها ما يتعلق بالسياق العسكري والأمني، الذي سيكون ضاغطاً عليها، وقد يكوم عاملاً باتجاه إما المواجهة أو استراتيجية الحرب الاستباقية اتجاه المكونات التي ستحاول التخلص منها، إضافةً إلى عامل الضغط الشعبي وتناميه، وبالتالي فتح مسارات حوار مجتمعية مع الحاضنة الثائرة ضدها، وبالتالي الاستماع للمبادرات على مبدأ مص الصدمة والغضب الشعبي".

إلى جانب ما تم ذكره من عوامل التحكم بمستقبل "تحرير الشام"، يشير الباحث إلى "عوامل طارئة مثل التصدع الداخلي، ورغم أنه أمر مستبعد لكنه يبقى أمر وارداً.. عندما نتحدث عن البراغماتية الشديدة التي ستظهر، بقدر ما تحقق مكاسب ستحدث داخل تحرير الشام تغييرات بنيوية قد تؤدي إلى انشقاق وتمايز الصفوف".

ويوضح الطلاع أن الحديث عن الصراعات الداخلية "أمر سيتم استغلاله استخباراتياً"، لافتاً إلى أن "تحرير الشام" تدرك المحيط العام والتحديات، لكن في الوقت الحالي الحديث عن تغيير الشكل العام هو حديث سيفرض نفسه على الجميع.

وبوجهة نظر الباحث "ستحاول تحرير الشام عبر العوامل التي تمتلكها أو التي ستفرض عليها أن تخلق قنوات بديلة تجعل منها تموضعات معينة في مستقبل سورية، لكن سيكون هناك بعض العوامل الطارئة التي تعود بالسلب على تحرير الشام، وبالتالي تسارع التدهور الداخلي فيها".

إلى أين تتجه "تحرير الشام"؟

كغيرها من الجماعات الجهادية، ينقسم البيت الداخلي لـ"تحرير الشام" إلى عدة تيارات، بينها ما يسمى بالحمائم، والآخر هو الأكثر تشدداً (أو الصقور)، وكل تيار تتصدره قيادات تتحكم فيه، وتعطي الصورة الكاملة للنهج الذي تسير فيه.

حادثة "أبو العبد أشداء" أظهرت الصورة الكاملة للتضارب الذي تشهده "تحرير الشام" بين تياراتها، إذ رد عليه القيادي المصري "أبو الفتح الفرغلي" (المحسوب على التيار المتشدد) واعتبر التسجيل المصور الذي نشره خطوة لـ"شق الصف والكلمة وتأليب المجاهدين".

وقال الفرغلي عبر حسابه الرسمي في "تلغرام" إن ما عمل عليه "أبو العبد أشداء" يؤدي إلى "تأليب حاضنة المجاهدين عليهم في هذا الوقت العصيب، وتزداد المصيبة عندما يتم ذكر جزء الغرم المتمثل في الضرائب وبيع المحروقات وما شابه، دون ذكر الغنم من خدمات تقدم لعموم المسلمين وللمجاهدين ومن حفاظ على توازن في سعر المحروقات يراعي مصلحة المجموع".

يقول الخبير في شؤون الجماعات الجهادية، حسن الدغيم في حديث لـ"السورية نت" إن التطورات التي تشهدها "تحرير الشام" في الوقت الحالي ليست جديدة و"ترتبط بوجود أسباب ذاتية تؤدي إلى تفككها، منها انتشار العقائد الإيديولوجية التكفيرية، وعقيدة الولاء والبراء، مما يجعل الرابط بين الأعضاء العاملين في صفوفها قائم على الشك والتكفير".

ويضيف الدغيم أن "الجماعات تتعرض للانقسام بمجرد أي خلاف إيديولوجي، وخاصة للمواقف السياسية، أو الدخول ضمن الأحلاف العسكرية والمفاوضات"، مشيراً إلى أنه "ليس غريباً أن الصراعات الحالية هي بداية تفكك تحرير الشام".

وإلى جانبه يوضح رئيس المكتب السياسي لفصيل "لواء المعتصم" التابع لـ"الجيش الحر"، مصطفى سيجري أن "ما يحدث داخل الهيئة نتيجة طبيعية، فالحركات الجهادية واستناداً على التجارب السابقة تعيش حالات من التشظي الداخلي، وتتعرض لانقسامات كبيرة، إما نتيجة الخلافات الفكرية أو المصالح الشخصية، وما حدث من خلاف بين الجولاني وبعض الشخصيات في الآونة الأخيرة هو نتيجة خلافات على السلطة والنفوذ والمال".

ويضيف سيجري لـ"السورية.نت"، أن "الهيئة غير معنية بكسب الحاضنة، بل بخداع الرأي العام، ومن وجهة نظرنا الهيئة تنفذ مهام وظيفية موكلة إليها من قبل الجهات المشغلة، والتي تدفع باتجاه القضاء على القوى الثورية من الداخل"، لافتاً إلى أن "الهيئة متماسكة بسبب الدعم الكبير والغير محدود الذي يقدم لها ومن عدة جهات خارجية. أما عن الانشقاقات فنحن نتوقع بأنها سوف تستمر بسبب الخلافات الداخلية والمنافسة على السلطة والمال".

أسباب مصلحية

بحسب ما قال القيادي "أبو العبد أشداء" في تسجيله المصور، إنه وعلى الرغم من الدخل المادي الشهري الكبير لـ"تحرير الشام"، إلا أن مقاتليها لا يتلقون منحاً مادية شهرية، وكثير منهم ترك صفوفها بسبب الفقر الشديد، مضيفاً أن "مقاتلي تحرير الشام من أفقر المقاتلين في المنطقة، وهناك إداريون تصل رواتبهم إلى أكثر من 250 دولاراً شهرياً".

وبحسب الخبير بشؤون الجماعات الجهادية حسن الدغيم فإن مؤشرات تفكك "تحرير الشام" تعود إلى "أسباب مصلحية، ومثال على ذلك أن القيادي أبو العبد كان يقود مكوناً يتبع لمنطقة معينة (حلب)، وربما رأى حظوظ غيره المالية من الكتل كـ(أبو مالك) التلي ومظهر الويس، وهو الأقل حظاً من النفوذ والإدارة".

ويقول الدغيم "هناك تيارات متضاربة في تحرير الشام، وكانت القيادة تصفي كل واحد على حدة"، موضحاً أن "هناك تيار مزعج يقوده أبو شعيب المصري وأبو اليقظان المصري، وهؤلاء يميلون إلى تنظيم القاعدة، وهم مزعجون بالنسبة للجولاني، كونه يدخل في تنفيذ تفاهمات دولية، واقتربوا مؤخراً من تنظيم حراس الدين والذي يتبنى خطاب رفع السقوف والمواجهة.. هنا أصبح خلاف بين التيار المصلحي والتيار الإيديولوجي الذي يؤمن بعولمة الجهاد".

وكانت "تحرير الشام" قد شهدت مؤخراً عدة انشقاقات في صفوفها، أبرزها انشقاق شرعي الجناح العسكري "أبو اليقظان المصري" وتبعه القيادي "أبو شعيب المصري"، وسبقهم القاضي الشرعي السعودي "عبد الله المحيسني"، ومؤخراً ما حصل لـ"أبو العبد أشداء".

حاضنة إجبارية

في إحدى بياناتها التي نشرتها على "تلغرام"، الأسبوع الماضي، اعتبرت "تحرير الشام" أنه "من الواجب إفشال الحملة الساعية إلى ضرب النسيج المجتمعي والتلاحم العسكري في إدلب، وأن نكن واعيين ومدركين لكل دعوة يؤلب لها من يتكلمون باسم ثورة لم يعايشوها واقعاً، أو يعاينوا قصفا وتهجيراً".

ويوضح الدغيم أن "تحرير الشام" لم تملك في إدلب سابقاً أو في الوقت الحالي أي حاضنة شعبية، ويقول "لا يوجد لأي فصيل جهادي حاضنة شعبية، لكن أحياناً القوة العسكرية والهيبة الأمنية تفرض حاضنة إجبارية".

ويضيف:"عندما تقوم التنظيمات بالسيطرة على كل شيء ومفاصل القرار، تضطر فصائل الجيش الحر لأن تتنازل عن الإدارة لهذه المناطق، مقابل تنفيذ أعمال أخرى لصد العدو".

وبحسب الدغيم "تحرير الشام وغيرها لا تنظر إلى الحاضنة بعين المحبة وإنما بعين الضرورة، أي أنها تعامل الحاضنة كأي مكون سياسي في العالم، وبمثابة عدو احتمالي، ربما تحتاجه في الأيام المقبلة للتشبيك معه".

المصدر: 
خاص: السورية.نت