تحفظات أنقرة في المواجهة مع «داعش»

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/9/2014
الشرق الأوسط
المؤلف: 

تركيا لا توقع بيان جدة، ووزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري يقول من أنقرة: «نحن سعداء جدا بالاتفاق والتعاون الذي نتبادله مع تركيا، وننتظر بفارغ الصبر مشاركتهم ومساهمتهم في تحالف المجتمع الدولي ضد تهديد (داعش)».
قد يكون عدم توقيع وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، على بيان مؤتمر جدة «غير مفهوم» بالنسبة إلى البعض، لكن الناطق الرسمي باسم الشريك الأكبر في التحالف الدولي للحرب على «داعش»، جوش إرنست، يقول إن تركيا محقة تماما في قلقها أمام تهديدات وخطر تنظيم «داعش»: «في مثل هذه المسائل المهمة، تكون لكل دولة مصالح خاصة بها يجب الحفاظ عليها وعدم السماح بمساسها».

مسألة خوف الأتراك على مصير 49 رهينة من دبلوماسييهم ومواطنيهم، احتجزتهم «داعش» منذ 3 أشهر في الموصل، هي الجانب العلني في الموقف التركي لعدم التوقيع، لكن الأسباب غير المعلنة هي حتما أهم وأبعد من ذلك.
بالنسبة إلى الأتراك، المسألة في غاية البساطة - كما قال أحمد داود أوغلو: «تركيا تتخذ قراراتها باستقلالية، وفي الوقت المناسب وبحسب ما تمليه عليها مصلحتها القومية». لا مشاركة في أي تحالفات عسكرية أمنية من هذا النوع قبل أن تتضح صورة المشهد ومسار الأمور ومستقبلها على أكثر من جبهة: الشق العراقي ببعده الداخلي والإقليمي، الشق السوري ومصير النظام وموقع المعارضة في بناء خريطة سوريا الجديدة، الجوائز التي ستقدم لأكراد المنطقة خصوصا عندما ينسى البعض الأسلحة الأميركية بيد مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذي هو اليوم جزء من هذا التحالف، معرفة من سيتحمل المسؤولية عند وقوع المفاجآت السلبية - وهي ليست جديدة على أحد في خطط من هذا النوع قادتها الإدارة الأميركية في أكثر من مكان وعلى أكثر من جبهة في العقود الأربعة الأخيرة، كيف سيتم التعامل مع مطالب الجارين المهمين لتركيا: في الشرق إيران، وفي الشمال روسيا حيث تردد يوميا أصوات الاعتراض والتشكيك في نوايا وخطط الولايات المتحدة، المرفوضة من قبل موسكو لأنها تحتاج إلى «موافقة الحكومة السورية، وقرار من مجلس الأمن، وإلا فستعد انتهاكا للقانون الدولي»، وحيث تتهم طهران أنقرة، دون أن تسميها، بـ«تقديم الدعم المالي» لهذا التنظيم في العراق وسوريا، في حين «يرغب آخرون في إحداث تغييرات سياسية في العراق وسوريا لخدمة مصالحهم الخاصة».

لكن هناك حقيقة أخرى؛ وهي أن قمة جدة بالنسبة إلى الأتراك - حتى ولو لم يوقعوا - لا يمكن أن تكون أقل من توصيفها بالخطوة السعودية الصائبة في قراءة وتحليل المخاطر المحدقة وضرورة توحيد الجهود وحشد الدعم للتعامل بواقعية وعملية ومصداقية مع التحديات التي تحيط بنا، كما قيل لنا في العاصمة التركية. وأن تركيا لا محالة ستكون جزءا من هذا التحرك الدولي بشكل أو بآخر، وإلا لما كان كبار القادة الأميركيين سرعوا من اللقاءات والمحادثات بهذا الشكل مع حكومة «العدالة والتنمية». وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل، يقول معلقا على مشاركة تركيا في العمليات العسكرية ضد «داعش»: «يريدون أن يلعبوا دورا محددا، وسيفعلون ذلك». أنقرة تعرف تماما صعوبة بقائها بعيدا عن المغامرة وضرورة قبول التحدي ووضع أصابعها تحت الحجر للمساهمة في إزاحته، ولن يكون بمقدورها الابتعاد كثيرا عن قرار تنفيذ ما يُتفَق عليه عندما يجري تقاسم الأدوار وتتضح الخطط. تركيا تعرف أن علاقاتها متوترة مع واشنطن بسبب أكثر من ملف إقليمي ودولي وثنائي، وأنها لا تريد التصعيد معها، لكنها تدرك أيضا أنها بين أهداف تنظيم «داعش» وعلى لائحة أعدائه، وهو لن يتردد في البحث عن فرص لاختراق أجهزة الأمن التركية والقيام بعمليات تفجير انتحارية تستهدف الداخل التركي.
بين الأسباب التي تدعو تركيا للحذر، ربما احتمال أن تكون هي الدولة المسلمة الوحيدة المشارِكة في العمليات القتالية، وأن يتخلى الغرب عن الضمانات والتعهدات بعدم المساس بالخرائط والتركيبات العرقية والدينية الحساسة في المنطقة، وأن تفتح هذه الحرب الباب أمام النظام السوري للخروج أقوى مما هو عليه بعد إضعاف ورقة «داعش» أو التلاعب مجددا باتفاقيات إشراك سنة العراق في المعادلات السياسية الداخلية. أوباما يريد أن يسجل انتصارا انتخابيا في الحرب على «داعش» ربما، وهو ليس بجديد على الولايات المتحدة ورؤسائها، أو يريد العودة بقوة إلى المنطقة التي أبعد عنها في السنوات الأخيرة، أو ربما يريد الدخول في مساومة إقليمية مع روسيا؛ قد تكون الحرب على «داعش» حلقة فيها بعدما تمترس التنظيم فوق خريطة الطاقة العراقية - السورية و«خربطت» روسيا حسابات الغرب في أوكرانيا. لهذا، تتردد أنقرة في ركوب الحافلة دون أن تعرف بأي اتجاه هي ذاهبة وما المخاطر التي تهددها في الطريق.

أنقرة تقاوم، عبر تسريبات صحافية نشرت في «يني شفق»، الإسلامية المقربة من حكومة «العدالة والتنمية»، حول تفاصيل الخطة الأميركية التي يجري الإعداد لها بالتنسيق مع التحالف الدولي والقوات المحلية في العراق وسوريا، بعد ساعات فقط من مغادرة وزير الخارجية الأميركي العاصمة التركية وقبل أن يتوجه الرئيس الأميركي إلى فلوريدا لمناقشة السيناريوهات العسكرية حتى. وها هي تتحدث عن خريطة التحركات على الجبهتين العراقية والسورية التي ستكون عبر توجيه ضربات جوية مكثفة للتنظيم وترك الوحدات البرية المقاتلة في البلدين تملأ تدريجيا الفراغ على الأرض الذي ستتركه قوات «داعش» بعد انسحابها، وتمسّك واشنطن بالدعم اللوجيستي التركي، وتسهيل انتقال السلاح والعتاد لهذه القوات عبر خط بطمان - أربيل في العراق أو خط نصيبين - القامشلي في سوريا.

دون إغفال مادة التحذير التركي من وقوع تصفيات جماعية في المناطق التي يجري الدخول إليها، قد ترتكب كعمليات انتقامية ضد المجموعات العرقية أو المذهبية التي قدمت الدعم لمجموعات تنظيم «داعش»، خصوصا أن إيران دخلت بقوة على الخط في الأسابيع الأخيرة.
وهي تقاوم أيضا، من خلال حديث أحمد داود أوغلو، عن أن السلاح الأميركي الذي سلم للقوات العراقية قبل سنوات وبلغت تكلفته مليارات الدولارات - هو الذي يستخدمه تنظيم «داعش» اليوم في القتال ضد حلفاء واشنطن هناك.

واستغراب داود أوغلو أصواتا سمعناها خلال اجتماعات قمة حلف الأطلسي وهي تدعو للتفاهم مع دمشق في الحرب على داعش - لو قبلت لكانت أدت إلى رمي السنة المعتدلين في أحضان «داعش». أنقرة التي يهمها التخلص من «داعش» لا تريد أن ترى «تنظيمات» إرهابية تعشش أمام حدودها على طريقة «من تحت الدلف إلى تحت المزراب».

لكن شريكها في شمال العراق، حتى الأمس القريب، وعلى لسان فؤاد حسين رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراق، يقول إن الشراكة بين أنقرة وأربيل التي مضى عليها أكثر من 4 سنوات تعرضت لامتحان حقيقي وصعب. فهي ولدت شعورا بخيبة الأمل والمرارة لدى الأكراد الذين طالبوا أنقرة بالوقوف إلى جانبهم في هذه المحنة، لكنها ترددت، على عكس ما فعلته طهران التي سارعت بإرسال قائد «فيلق بدر»، قاسم سليماني، الذي أشرف مباشرة على نقل المساعدات العسكرية وشارك في المعارك الدائرة للدفاع عن مدينة آمرلي التركمانية.