تحليل لـ"السورية.نت": الحرب على خلايا "تنظيم الدولة" أخمدت احتجاجات دير الزور.. مواجهة بين "قسد" والقبائل الكبرى؟

كانت عشرات القرى شهدت مظاهر احتجاجٍ كبيرة ضد "قسد" في أرياف دير الزور في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2019
الخميس 13 يونيو / حزيران 2019

تحولت قوات "قسد"، المدعومة من التحالف الدولي، خلال الأسبوعين الماضيين من تنفيذ عمليات إنزال ومداهمة متفرقة، إلى تنفيذ حملات دهم وتفتيش شاملة في دير الزور والحسكة، أسفرت عن اعتقال أكثر من 100 شخص بتهمة الارتباط بتنظيم "الدولة الإسلامية".

وجاء تغيير أسلوب الانزالات الجوية المتفرقة، إلى المداهمات الشاملة، بعد موجة احتجاجات شعبية، بشأن تردي الوضع الأمني والمعيشي، واندلعت ضد "قسد" نهاية أبريل/نيسان الماضي، من بلدات الريف الغربي في دير الزور، قبل أن تتوسع إلى مدينة "البصيرة" ومنطقتي "معيزيلة" و"الخابور"، بعد مقتل 4 أشخاص من عائلة "المظهور" بقرية "الضمان"، في الخامس والعشرين من الشهر ذاته؛ ثم وصلت ذروتها بعد مقتل 7 أشخاص معظمهم من عائلة واحدة (العصمان) خلال مداهمة "قسد" يوم 11 مايو/أيار المنصرم حي "الكتف" بمدينة "الشحيل".
وهكذا انطلقت حملات المداهمات الشاملة من مدينة "الشحيل"، شرق دير الزور منتصف الشهر الماضي، باعتقال "قسد" لأكثر من 20 شخصاً، بعضهم شارك باحتجاجاتٍ واسعة ضدها، وضد التحالف الدولي؛ واندلعت هذه الاحتجاجات في الشحيل، على خلفية الهجوم قبل أن يجتمع وجهاء عشائر قبيلة العكيدات في منزل الضحايا، لتحذير "قسد" من هذه ممارسات والتأكيد على عدم انتماء الضحايا لخلايا تابعة إلى أي تنظيم كان، مطالبين بمحاسبة المسؤولين وتسليم المنطقة للقيادات العربية.

وفي تصريح لـ "السورية نت" قال مدير السياسات في مركز برق الاستشاري محمود إبراهيم، إن "التنظيم غير موجود في البيئات السكانيّة المأهولة في مناطق سيطرته السابقة، بل يتواجد في مناطق منعزلة تؤمّن له عمق وتماسك في نواته الصلبة الباقيّة."
وتابع قائلاً: "هناك محاولات مِـن مجلس سوريّة الديمقراطية وتشكيلاته العسكريّة، لإلباس حركات التمرد التي تظهر ببعد عشائري لباس التطرف، كي تُبررَ عمليات التطهير السكاني والمكاني للبيئات الاجتماعيّة التي تعارض المجلس المذكور وسياساته".
وتهاجم خلايا "تنظيم الدولة" القوات المدعومة أمريكياً، على الطرق القريبة من البوادي، الخالية من انتشار حقيقي لعناصر "قسد"، في محاولة لاستنساخ تجربته الطويلة في العراق المجاور، مع فارق مهم هو عدم وجود جذور حقيقية للتنظيم في الجزيرة عموماً، كون الانتماء إلى صفوفه وإلى صفوف "قسد" من بعده، كان ومازال بمعظمه نتيجة الحصار الإقتصادي والعوز بسبب عدم وجود فرص عمل.

وتسببت هجمات عناصر التنظيم وهجمات أخرى يشنها مجهولون، مغادرة عشرات العناصر من الفرقة 16 لصفوف "قسد"، بعد مقتل أكثر من 20 من زملائهم في بلدات ذيبان والطيانة والجرذي وسويدان والشعيطات، ما دفع قيادة هذه القوات لإرسال 1000 عنصر من "فوج قامشلو" إلى هناك في محاولة لإحكام قبضتها الأمنية عليها.
وبناءً على ذلك، فإن "قسد" استخدمت عمليات الحرب على "الخلايا النائمة" لإخماد الاحتجاجات، بعد أن كادت تتحول إلى انتفاضة شعبية ضد وجود هذه القوات في المنطقة؛ وهذا قد يفسره تركز حملات الدهم والتفتيش بالمناطق التي شهدت احتجاجات شمال وشرق دير الزور وغربها، إلى جانب ريف الحسكة الجنوبي المتصل بالمنطقة جغرافياً واجتماعياً.

وهكذا توسعت الحملة  الأمنية على مدى 3 أيام، في بلدات وقرى الريف الشرقي وكامل مناطق شرق نهر "الخابور"  وبادية "الروضة"، وهي مناطق مشتركة مع محافظة الحسكة؛  حتى أن "قسد" أعلنت في مؤتمر صحفي بمدينة الشدادي أنها اعتقلت أكثر من 42 شخصاً من خلايا "تنظيم الدولة"، وأنها استولت على أسلحة معظمها من منطقة "الدشيشة" الحدودية جنوب شرق مدينة الشدادي.
وحشدت "قسد" لعمليات شرق "الخابور" 5 آلاف عنصر، ما يعكس أهمية المنطقة واعتبارها خطرة  بالنسبة لقوات التحالف وشركائهم على الأرض، خاصة أنها تمتد بمنطقة شبه صحراوية متاخمة للحدود العراقية، ويسهل تسلل عناصر التنظيم من العراق إليها.
وفي نهاية مايو/أيار الماضي، قالت وسائل إعلام كردية تابعة لحزب "الاتحاد الديمقراطي"  إن "قسد" اعتقلت 15 شخصاً ينتمون لخلايا تابعة للتنظيم، في عمليات إنزال ومداهمات مشتركة مع قوات التحالف الدولي، جنوبي الحسكة، و استهدفت مواقع عدة في الشدادي والعريشة والسبعة وأربعين، واستولت على كميات من بنادق الصيد.

أمّا الحملة الأخيرة بقرى مناطق غرب نهر "الخابور" التابعة لبلدات "الكسرة" و "الصور" و"مركدة" و"الشدادي" و"السبعة وأربعين"، تعتبر أقل أهمية من مناطق شرق النهر، لبعدها عن الحدود مع العراق،  وهذا يؤكده قول القيادي في "قسد" صايل الزوبع في مؤتمر صحفي بمدينة الشدادي قبل أسبوعين،  إن 2200 عنصراً من "قسد"، مع 300 عنصر من قوات "آسايش" (الأمن الداخلي) حُشدوا، لتنفيذ حملة دهم وتفتيش في 72 قرية بمنطقتي "الشدادي" جنوب الحسكة و"الكسرة" غرب دير الزور واعتقلوا 51 شخصاً، بتهمة الارتباط بخلايا "تنظيم الدولة".

وضمن هذه العملية الأمنية الأخيرة، استهدفت "قسد" وقوات أمنية خاصة من "آسايش"، مجموعة من بيوت الشعر للبدو في منطقة "بئر جويف" بين محطتي  قطار "أبو فاس" و"رويشد" على الحدود الإدارية بين دير الزور والحسكة، ما أسفر عن سقوط 4 أشخاص قتلى، واعتقال آخرين قاوموا الهجوم.

وتدرك  "قسد"  ومن ورائها قوات التحالف الدولي، أهمية وخطورة تحرك أبناء القبائل الكبيرة، التي تتركز على جانبي نهر الخابور في الجزء الواقع بين مدينتي "الحسكة" و"البصيرة"على نهر الفرات، فاستلهمت اسلوب فرنسا خلال عهد الانتداب على سورية، في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حين جمعت رجال العشائر الصغيرة بمنطقة رأس العين في أعالي "الخابور" تحت قيادة "الباشات" الأكراد، مستفيدة من تجربة "العشائر الملية" في تركيا العثمانية، في محاولة لإخضاع القبائل، لكنها واجهت مقاومة شرسة عند وصولها أدنى "الخابور" على ضفاف الفرات نظرا لوجود قبيلتين رئيسيتين في دير الزور هما "العكيدات" في الشرق و"البكارة" في الغرب، التي لن تقبل أن يحكمها "غرباء" لا يحترمون عاداتها وتقاليدها، وهذا بالضبط ما دفع وجهاء عشائر العكيدات للاجتماع  بعد مجزرة الشحيل، مطالبين بتسليم المتسببين بقتل رجالهم، ورافضين اقصاء دور القيادات المحلية، وذلك رغم وجود تفاهمات سابقة مع "قسد" وانخراط بعض أبنائهم في صفوفها.

والأمر عينه حصل مع قبيلة البكارة (البقارة)، حين اعتقلت دورية من "قسد" رجلاً أجاره الشيخ حاكم البشير، أثناء وجوده بقرية "أم مدفع" بريف الحسكة، ما أدى إلى استنفار الآلاف من أبناء القبيلة، وتظاهر أهالي قرى الريف الغربي وقطع الطرق بالإطارات المشتعلة، احتجاجاً لما اعتبروه إهانة، رغم أن منزل البشير في قرية "حوايج ذياب" قرب مدينة دير الزور.

قصارى القول: إن العلاقة مع القبائل الكبيرة، تسير مع القوات العسكرية دائماً في حقل ألغام لا يمكن التنبؤ متى ينفجر أحدها، ويبدل التناغم إلى تنافر والود إلى خصام، هذا عدا عن دعم بعض قادة "قسد" العسكريين المحليين لوجهة نظر القبائل التي ينحدرون منها، مطالبين بتوسيع صلاحياتهم، وتقليص دور القادة الأكراد، وخاصة الأجانب منهم، سواء من الجنسية الإيرانية أو التركية.

المصدر: 
خاص السورية.نت