تدمر.. مأساة وطن

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/8/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

لو رأيت بطاقة خالد الأسعد الحزبية لما صدّقت، ولأقسمت أنه سوري من المدرسة العروبية التي قضى عليها حافظ الأسد، العسكرتاري الطائفي الذي تظاهر بالانتماء إليها، وحين أخذ السلطة، عاملها جهة خائنة /منحرفة، وضعها خارج السياسة، وعلى الطرف النقيض من عالمه، وجعل من العروبي، إن كان بعثياً، "حماراً" يرفض انتهاز فرص اللصوصية والتشبيح الاجتماعي التي يتيحها نظامه "للرفاق"، ومريضاً بأوهام وقيم عفى عليها الزمن، بينما الحزبي عضو مدرسته التصحيحية "حربوق" لا يراعي مبدأً أو ديناً أو خلقاً، يستمتع بفساده ويتنعّم به، ويعتبر من ينافسه على مغنم ما عدواً له وللحزب وقائده، السيد الرئيس: حامي سفالاته الذي يشجعه على دوس ما يسمونه الشعب ومصالحه وقيمه، ويحضّه على ممارسة جميع أنواع "السلبطة" على الآخرين، ومد يده إلى جيوبهم وكراماتهم، اقتداءً بقائده الذي يستولي على أموال وممتلكات الدولة والمواطنين، ولسان حاله يقول: ما أخذته ملك لي، وجدته في حوزة غيري، فاسترددته منه. أليس من الطبيعي، في حال كهذه، أن يسأل مدير إحدى ثانويات اللاذقية تلامذتها في اجتماع حزبي: أنتم حزبيون أم بعثيون؟. وحق ربي كلكن حزبيون، وما فيكن ولا بعثي. 
لم يكن الأستاذ خالد الأسعد حزبياً. كان بعثياً من النمط الذي اتهمه الزمن الأسدي بالغباء السياسي والمبدئية الوهمية. وقد جعلته هذه المبدئية "الوهمية" يرى في أهل مدينته تدمر إخوة وأنداداً عليه صون حقوقهم، ودفع الظلم عنهم، قدر ما تسمح به مكانته ويجيزه الاستبداد، ولم ير في نفسه أميراً سلطويا يتربص بهم بقوة موقعه في الجهة المقابلة، والمعادية، لهم. لذلك، صار محاميهم عند المسؤولين، وشفيعهم لدى مخابراتهم، واستغل بعثيته لكي يفرد حمايته على آثار بلدته، وينقذها من لصوص "الأمن" وزبانيتهم، ويحافظ عليها كما ورثها عن أجداده، لاعتقاده أن ماضيها الباهر صنعه مواطنوه، وتركوا بصمات إبداعهم على أوابدها شاهداً حياً على ما يستطيعونه. يعرف كل من احتك بالرجل أنه كان له بيتان: مسكنه الأسري الصغير، ومسكن كبير هو المدينة التاريخية في سوق الأعمدة، والمسرح الدائري، ومعبد بيل والقلعة والمدافن والتماثيل المنتشرة في كل شبر من المكان، واعتبرها وحوش داعش "أصناما"، واعتبروا الأسعد يستحق القتل، لأنه حافظ عليها. 

بموته، صار خالد الأسعد رمزاً للصراع بين المدنية والهمجية، وبين التحضر والوحشية، والنزعة الإنسية والنزعات البهيمية، وبين بناة الحياة وتجار الموت، واكتسب، بهذا المعنى، دلالات تتخطاه كرجل، وتندرج في الصراع الذي يخوضه شعبنا للخروج من الهمجية، همجية النظام العلمانية وتنظيمات الإرهاب المذهبية. 

لا أكتب كي أدافع عن رجل تضعه مؤلفاته وخدماته لمدينته فوق الشبهات. لئن كنت أكتب عنه، فلكي أدين قتلته، رجل علم وحياة، قتله "داعش" بتهم مقتبسة من قاموس أسدي، ينكر حق الإنسان في الحياة، لمجرد أن رأيه قد يكون مغايراً لرأي حملة سياط متعصبي العقائد الشمولية الاستبداديين والإرهابيين وسكاكينهم. وأكتب لأعبر عن حزني على إنسانٍ، قتله مجرمون يخططون لقتل جميع السوريين. خسره وطننا بين من يخسرهم يوميا من أبنائه، المقتولين بسكاكين ظلمة لا يوفرون أحداً، ربما اختلف ما يمارسونه من قتل بتسمياته، لكن جوهره يبقى واحداً: العداء للإنسان، الذي برر "داعش" قتله بذريعة "بعثيته"، ويبرره النظام بـ"أصولية الشعب السوري وإرهابه"!. 
كانت تدمر مفخرتنا، وصارت اليوم جزءاً جوهرياً من مأساتنا. فليرحمنا الله، وليتلطّف بنا. 

تعليقات