ترامب داعية حرب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/6/2017
العربي الجديد
المؤلف: 

امتلاك واشنطن القدرة على حل الأزمة الناشبة في الخليج ليس محل نقاش، إلا أن المشكلة ليست في القدرة، وإنما في الرغبة والإرادة، فالولايات المتحدة لم تكن يوماً راعية سلام أو ضامنة لاستقرار، لا في الشرق الأوسط ولا في غيره. وكما ورثت واشنطن عن بريطانيا موقع القوة العظمى، فقد اتبعت أيضاً نهجها في إشعال الفتن وزرع الألغام في طريق أي تنسيق أو تكامل، أو حتى مجرى توافق في المصالح بين دول أي إقليم في العالم. 

وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اعترف بأن التحضير للأزمة الخليجية بدأ في قمة الرياض، إلا أن تضارب التصريحات والمواقف الأميركية لاحقاً كشف عن أن واشنطن لم تتفق على موقفٍ واحد تجاه الأزمة. أو بالأحرى لم تخطط مسبقاً لإدارتها، على الأقل في المواقف المعلنة ظاهرياً. وإلا لما حدث التضارب، بل التناقض بين تصريحات ترامب نفسه، والبيت الأبيض، ووزارة الخارجية، ووزارة الدفاع. فتلك الأخيرة أعلنت أن واشنطن "ممتنّة لقطر لدعمها الراسخ منذ فترة طويلة للوجود العسكري للولايات المتحدة، والتزامها المستمر إزاء الأمن الإقليمي في المنطقة". وفي وزارة الخارجية، قال القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، ستيوارت جونز، إن واشنطن "تنظر إلى الدوحة باعتبارها شريكا في جهود محاربة الإرهاب"، بينما نقلت "رويترز" أن دوائر رسمية أميركية أصيبت بالصدمة لقرار السعودية قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بالاشتراك مع مصر والبحرين والإمارات. ونقلت الوكالة عن مسؤولين أميركيين أنه لا يمكن عزل الدولة الخليجية الصغيرة، في ضوء أهميتها للمصالح العسكرية والدبلوماسية الأميركية.

أما البيت الأبيض، فأكد، فور صدور القرار الرباعي بقطع العلاقات، أن الرئيس ترامب "ملتزم بمواصلة التباحث مع جميع الأطراف المعنية، من أجل خفض التوتر بين دول الخليج". وذلك قبل أن يخرج ترامب بنفسه، ليتبنى موقفاً مغايراً ومندفعاً، هاجم الدوحة، ووصفها بأن لها تاريخاً طويلاً في دعم الإرهاب، غير أنه، في الوقت نفسه، كشف عن أن قمة الرياض التي ناقشت التعاون في مكافحة الإرهاب شهدت توجيه عدة دول عربية أصابع الاتهام إلى قطر.

يؤكد ذلك التناقض ما سبق أن أعلنه ترامب، فور دخوله البيت الأبيض، أنه يعارض طريقة عمل "المؤسسات" الأميركية. وبالفعل، صار يمارس السياسة بطريقة رجل تجارة وصاحب مال. صحيح أنه أحياناً يتراجع عن تلك الانفرادية، ويصحّح قراراته أو يخففها، بعد أن تتحرك ضده المؤسسات الأميركية، إلا أن بعض تحركاته تصعب السيطرة على نتائجها. وهو ما جرى في الأزمة التي فجرها ترامب، أخيرا، باندفاعه وراء سعي دول في المنطقة إلى معاقبة قطر على مواقفها وسياساتها. وليس أدل على رعونة ترامب وتناقضاته، مبالغته الشديدة في مديح السعودية خلال زيارته الرياض وبعدها، بعد أن هاجمها مراتٍ، خلال العامين الماضيين، وكانت أكثرها فظاظةً وسوء أدب، عندما وصفها بالبقرة التي ينبغي ذبحها متى جفّ لبنها. قبل أن ينقلب موقفه تماماً في الرياض، حيث أبرم مع المملكة صفقات مدنية وعسكرية بأكثر من 380 مليار دولار.

وفي ضوء ما أعلنته واشنطن، قبل أيام، عن قرب إتمام صفقة توريد 72 طائرة F-15 (قيمتها حوالى 21 مليار دولار)، يصبح مشروعاً التساؤل عن احتمالات تراجع ترامب عن انتقاده قطر، ليس فقط خضوعاً لدولة "المؤسسات" الأميركية، ولكن إعمالاً لنهجه الابتزازي، وتطبيقاً لسياسة واشنطن التقليدية بدعم وتسليح ليس الخصوم وحسب، لكن أيضاً الأصدقاء، ضد بعضهم، وليس بالطبع ضد إسرائيل، مثلاً. 
يبتز ترامب العالم بلافتة الحرب على الإرهاب، فيما هو يسوّق منتجات مجمعات صناعة السلاح الأميركية لكل من يملك القدرة على الدفع. والنتيجة أنه لا حرب حقيقية على إرهابٍ هو أصلاً مزعوم وهلامي، بينما توشك الحروب الحقيقية أن تقع بين عربٍ كلهم مقرّبون، أو هكذا يظنون، من واشنطن، بعد أن كانوا يوماً إلى بعضهم أقرب.

تعليقات