تركيا.. عام بعد محاولة الانقلاب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/7/2017
العربي الجديد
المؤلف: 

لا يمكن أن يحكم على ما عاشته تركيا ليلة الخامس عشر من يوليو/ تموز العام الماضي إلا من تابع مجريات الأسبوع الأول لمحاولة الانقلاب عن كثب، وراقب من قريب الآثار النفسية التي تركها في الشارع التركي الذي بقي مستنفراً حوالى أسبوعين، وسط تياراتٍ جارفةٍ من الحرب الإعلامية المضادة، والقلق الذي مردّه ضخامة المحاولة الانقلابية. وعلى الرغم من أن الانقلاب تلقى الضربة الكبرى في الليلة نفسها، وفشل في أن يبلغ هدفه المباشر، بقيت المخاوف قائمة من أن تتحرّك جيوب داخل المؤسسة العسكرية، وتعلن عن تمرّد قد يؤدي إلى هز الاستقرار العام، بالنظر إلى أن المحرّكين للانقلاب والمشاركين فيه هم رتب عسكرية عالية من كافة فروع القوات المسلحة، وأصحاب تاريخ داخل مؤسستي الجيش والأمن.
كانت تركيا، طوال أسبوعين، منتشرة في الشارع ليلاً ونهاراً، وهيمنت حالة من الاستنفار العام، تحسّباً لتفاعلاتٍ قد تترتب على الانقلاب، وتحوّل الشارع إلى ملتقىً عام اختلط فيه الناس في مظاهرةٍ مفتوحةٍ، لم يرفع فيها سوى العلم التركي، ولم يرتفع غير شعار واحد "الحكم للشعب".

الدرس المباشر والأساسي الذي تلقيناه من تلك الليلة الطويلة والصعبة أن من أسقط الانقلاب هو الشعب التركي الذي نزل إلى الشوارع بالملايين، ووقف في وجه الدبابات والرصاص والقذائف، وقدم أكثر من 200 شهيد في سبيل منع الانقلابيين من تحقيق هدفهم، ومن تابع رد فعل الشعب التركي، خلال تلك الليلة، لمس مسألةً غاية في الأهمية، هي أن الشعب كان يدافع عن نفسه، وليس عن الحكم أو حزب العدالة والتنمية (الحاكم)، وهذا ما يفسّر وقوف أحزاب المعارضة كاملةً ضد الانقلاب، على الرغم من خلافاتها الكبيرة مع الحزب الحاكم.

الديموقراطية ملكية خاصة للشعب التركي، وقد تحقّقت عبر مسيرة نضال طويل، قطعها هذا الشعب الذي أعطى الكثير، كي يعيش من دون خوفٍ وجوع، وهي ليست هديةً من حزب العدالة والتنمية الذي وصل إلى الحكم قبل 15 عاماً فقط، ومن دون شكٍّ، حين نزل الشعب إلى الشوارع فإنه يتذكّر جيداً سنوات الانقلابات العسكرية والكوارث التي جرّتها على تركيا التي لم تتنفس هواء الحرية، وتبدأ مسيرة البناء الاقتصادي الكبير، إلا حين أخذت تحتكم إلى صناديق الاقتراع، وعندما نجحت في إعادة العسكر إلى الثكنات.
لا تعني الديموقراطية للأتراك فقط الحريات والتداول السلمي للسلطة، بل الاستقرار الاقتصادي والسياسي، الذي تنعم به البلاد، وبفضله صارت في مرتبة عاشر اقتصاد في العالم، ومعدل نمو هو الأفضل في أوروبا، حيث بلغ العام الماضي 5%، على الرغم من التداعيات السلبية لمحاولة الانقلاب.

يعرف الأتراك أن ديموقراطيتهم تحتاج إلى تعزيزٍ أكبر. ولذلك، نزلوا إلى الشوارع كي يحرسوها، ويقفوا في وجه مشاريع الثورة المضادة التي أرادت أن تتسلل إلى هذا البلد في جنح الظلام.
كان واضحاً في الشارع أن الانقلاب لم يلق أي تعاطفٍ من المواطن التركي العادي، على الرغم من أن حملة الاعتقالات شملت آلافاً من العسكريين والمدنيين، ومع أن الاعتقالات كانت حديث البلد، بسبب سعة دائرة المشاركين في الانقلاب والمحسوبين عليه، إلا أن ذلك لم يولد حالة خوف بين الناس، ويبدو أن مشاهد التلفزيون التي صوّرت مواطنين عاديين منعوا الدبابات من التقدّم قد ألهمت الناس، وأمدّتهم بقدر إضافي من الشجاعة، الأمر الذي لم يكن في حسابات الانقلابيين.

لم تتجاوز تركيا بعد عام من الانقلاب الحدث في صورة نهائية، ولا تزال تعيش تفاعلاته وذيوله، ولكن اللافت أن الديموقراطية لم تتراجع إلى الوراء، وتبدو في صحة جيدة، على الرغم من المخاوف التي سرت من حصول تشدّد من طرف الحكم، واستثمار الحدث لإقصاء الخصوم السياسيين.

تعليقات