تركيا في مواجهة الثالوث أمريكا وداعش وإيران

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/6/2015
السورية نت

في أعقاب سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وقواته العسكرية وحدات حماية الشعب الكردية على مدينة تل أبيض، كان من المتوقع أن تتحرك داعش باتجاه معركة أخرى، دون أن يكون المتوقع نحو مدينة عين العرب كوباني، وسبب هذا التوقع هو أن داعش تخسر أو تنسحب من موقع لتفتح جبهة أخرى، فلما كانت مدينة عين العرب كوباني هي المعركة الأخرى وقعت المفاجأة لأن خسارة داعش لعين العرب كوباني كانت بعد معارك ضارية وحملة إعلامية كبيرة على المستوى الدولي قبل خمسة أشهر، فقد حشد الإعلام العالمي لمعركة كوباني حملة اعلامية دولية كبيرة حتى تم تحريرها بمساعدة تركية، بداية بإيواء كل سكانها الفارين إلى تركيا وكانوا نحو 180 ألفاً دخلوا تركيا خلال ثلاثة أيام، وثانياً بتقديم التسهيلات العسكرية بعد أن سمحت السلطات التركية لقوات البشمركة الكردية العراقية المسلحة من دخول مدينة عين العرب عبر الأراضي التركي وهي تحمل أسلحتها ومعداتها العسكرية، حتى تم دحر داعش في يناير/كانون الثاني الماضي، وفي ذلك الوقت انسحبت داعش من عين العرب بعد أن سيطرت على أجزاء واسعة منها بعد معارك استمرت أربعة أشهر.

وقد اضطرت الحكومة التركية إلى هذه الخطوة كبديل عن الضغوط الدولية والأمريكية التي تطالبها بإدخال الجيش التركي في هذه المعارك المشبوهة والتي لن تخدم احداً من سكان المنطقة، ولن ينتصر بها أحد في الاستراتيجية الأمريكية، فأمريكا لا تسعى لحسم الوضع العسكري ولا السياسي في سوريا، وقد ثبت ذلك بما لا يدع مجالاً للشك بعد أربعة سنوات وأربعة أشهر من التهديدات الأمريكية الفارغة لنظام الأسد بعدم استعمال الجيش وإلا تعرض للمحاسبة دون أن تنفذ تهديدها، ومن ثم هددته بعدم استعمال الأسلحة الكيماوية دون ان تنفذ شيئاً من تهديداتها، بالرغم من اختراقها مئات المرات، فكان ذلك دليل على أن الموقف الأمريكي يستثمر أو يستغل الصراع في سوريا في استراتيجية طويلة الأمد، لا بد أن يكون من أسسها إرهاق المنطقة وشعوبها لدرجة الاستسلام للمخططات القادمة، فضلا عما تستهلكه من أسلحة وذخائر أمريكية.

بدأ تنظيم داعش هجومه الجديد على عين العرب فجر الخميس بتنفيذ ثلاثة تفجيرات انتحارية في منطقة معبر مرشد بينار الحدودي مع تركيا، ثم تقدم مقاتلوه من الجهتين الجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية للمدينة، واستمرت المعارك حتى ظهر يوم السبت، أي بعد ثلاثة أيام على أقل تقدير قتل فيها المئات من الطرفين، مدنيين وعسكريين، وهذه المعركة في عين العرب كوباني لن تكون الأخيرة، طالما لم يتنبه أهل سوريا بكافة قومياتهم العربية والكردية والتركمانية وغيرها، ومن كافة مذاهبهم وطوائفهم الدينية، أنهم مطالبون بوضع استراتيجية ذاتية تعالج مشاكلهم بعيدة عن الاستراتيجية الأمريكية التي لا تعمل شيئاً لوقف الحرب في سوريا، فأمريكا لا تؤمن بأن في سوريا ثورة شعب، وإنما معركة قضاء على شعب يمثل قلب الوطن العربي ومحور قوته وصموده، وجاءت الفرصة الذهبية للمشاريع الغربية والصهيونية لتجعل من سوريا مذبحاً تشرب فيه الدماء.

وكالعادة فإن أول المتهمين بمساعدة داعش بحسب الإعلام المعادي لتركيا هي السلطات التركية، ولذلك فإن الناطق باسم وزارة الخارجية التركية "تانجو بيلغيتش" بعد أن أعلن أن 83 من الجرحى أدخلوا مستشفيات تركيا، نفى بيلغيتش ما أوردته بعض وسائل الإعلام بأن مسلحي تنظيم الدولة دخلوا عين العرب عبر الأراضي التركية، بدليل أن صور الكاميرات الأمنية التي التقطت في معبر مرشد بينار لحظة التفجير تبين أن الشاحنة كانت قادمة من جهة الجنوب بعين العرب، قبل أن تصل إلى الأبنية في ساحة الجمارك عند معبر تل شعير الحدودي مع تركيا، ثم يقع الانفجار ، أي أن المزاعم بدخول داعش من تركيا هي كاذبة.

وتأكد الموقف الرسمي التركي بتنديد رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان بالهجمات التي يقوم بها تنظيم داعش الإرهابي مستهدفاً المدنيين في عين العرب، وقال أردوغان: "نلعن هذا الهجوم الذي استهدف المدنيين"، وأعرب أردوغان عن ردة فعله عن الدعاءات الواردة عقب الهجوم الذي استهدف عين العرب وقال:" بأنه لا يحق لأحد أن يضع تركيا في صف واحد مع الإرهاب"، والأهم من ذلك أن رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان دعا الجميع للالتزام بالعقل السليم، وقال: "إن تركيا لن تبقى صامتة على ما يجري حولها"، وقال إن هناك من يحاول احياء مشاريع أجنبية تمس الهيكل الاجتماعي والتاريخ والبنية للمنطقة الجنوبية، وقال:" لا يمكن أن نهمل هذا الخيال وأن نتصرف وكأنه ليس موجود".

إن كافة التصريحات التركية تؤكد أن داعش دخلت إلى عين العرب كوباني من سوريا ومن منطقة جرابلس السورية، وإذا كان الهدف من عملية تكرار مهاجمة عين العرب من داعش هو مواصلة إثارة الحرب فيها وفي كل سوريا، فإن تكرار اتهام تركيا يهدف مرة أخرى إلى توريط تركيا بهذه الحروب المشبوهة على الأرض السورية، وهذا المخطط في توريط تركيا لا يتوقف على تهم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، وإنما بما يقوم به حزب ديمقراطية الشعوب الكردي التركي، باتهام شخصية بارزة في حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في تركيا HDP هي "فيجين يوكسيكداغ" للحكومة التركية بذلك، فقالت:" بأن حزبها لديه معلومات مؤكدة حول عبور العناصر المسلحة التابعة لتنظيم داعش الإرهابي المشاركة في الهجوم الذي تعرضت له بلدة عين العرب (كوباني) صباح أمس الخميس عبر الأراضي التركية"، هذا الاتهام من حزب تركي رسمي وله نوابه في البرلمان التركي خطير جداً، فهو يقف ضد الموقف الرسمي للدولة التركية باسم رئيس الجمهورية، وضد تصريحات الحكومة التي اعلنها نائب رئيس الوزراء نعمان كورتلموش بنفي دخول داعش من الأراضي التركية، وهذا يؤكد أن الهدف مرة أخرى هو توريط تركيا في هذه الحروب داخل سوريا أولاً، فإذا ما تورطت تركيا بهذه الحروب داخل سوريا أمكن إيجاد المبررات لإدخالها إلى الأراضي التركية ثانياً.

إن الهدف الأكبر من تكرار احتلال عين العرب كوباني هو خلق التوتر على الحدود التركية السورية، وهذه المنطقة أصبحت بواسطة التحالف الكردي الأمريكي المشبوه نقطة توتر وقلق وتخويف لتركيا، فإذا حاولت منع إقامة كيان سياسي كردي شمال سوريا، فإن التهديد سوف يطال حدودها الداخلية، والحجة هي أكاذب الاعلام الكردي والعلوي والبعثي والطائفي والإيراني والأمريكي والغربي واتباعه من فضائيات تبث الأكاذيب دون أن تعرف أهدافها، فأمريكا وبحسب التهم الإيرانية لها تقدم الدعم لداعش، وداعش تقوم بقتل الأكراد واحتلال الأراضي السورية والعراقية وإثارة الحروب القومية والطائفية، وبعد مرور العام الأول لم تنتهي معارك داعش مع الأكراد، ولن تنتهي ما دامت الأحزاب الكردية في سوريا والعراق تفرح للوعود الأمريكية وأطماعها في مواصلة الحروب في سوريا والعراق على حساب الدماء الكردية، بأوهام إقامة الكيان الكردي، والعقل السليم يقول بأن التفكير والتآمر هو على الشعب الكردي أولاً، ومواصلة الاقتتال فيها ثانياً، ولم يعد يهم أمريكا إلا توريط تركيا فيها ثالثاً، بعد أن تورط الأكراد فيها وأصبحوا من أكبر ضحاياها، وعلى أمل نقل هذه المكائد إلى تركيا، ولذلك تدين تركيا هجمات داعش على الأكراد وتعتبرها جريمة بحد ذاتها، فعلى أمريكا وداعش أن تلعب مؤامراتها أو تحالفاتها خارج تركيا وعلى حساب ضحايا آخرين غير الأتراك، طالما هم ارتضوا أن يكونوا ادوات منفذة في الاستراتيجيات الغربية.

إن تحركات داعش في سوريا والعراق بقدر ما هي مشبوهة بسبب الموقف الأمريكي منها ومعها، فإنها كذلك مشبوهة مع محور إيران والعراق والأسد، فعندما تتحرك داعش بقواتها العسكرية واعدادها الكبيرة وتحتل أراض واسعة في العراق مثل الأنبار، وفي سوريا مثل تدمر دون تدخل من أمريكا أو إيران وحلفائها، ينبغي أن يجعل ذلك الشعب الكردي أكثر وعياً وحكمة وعقلاً، فهذه التحركات واضحة بأنها أكثر ريبة مما جرى في عين العرب كوباني، وتكشف عن تحالف إيراني أمريكي ضد هذه المنطقة، والجهات المستهدفة هي تركيا والأكراد معاً، وبالأخص أن الحكومة التركية تسعى لإنهاء خلافها مع الأكراد داخل تركيا وخارجها، بدليل أن ايران تسعى لإفساد المصالحة التركية الكردية داخل تركيا، وتعمل على تخريب العلاقة بين الأكراد والأتراك، فإذا وجدت بعض الأحزاب الكردية التائهة ضالتها في المطامع الأمريكية، وصدقت من يدعي مساعدتها في المكائد الإيرانية أو العلوية الطائفية الحاقدة، فإن أبناء الشعب الكردي أمام مسؤولية حماية أبنائهم وشبابهم أن يكونوا ضحايا المخططات الغربية والإيرانية، فلا مصلحة للشعب الكردي في كل المنطقة أن يكونوا ضحايا هذه المشاريع المشبوهة، حتى لو كانت بعض احزابهم السياسية والعسكرية متورطة فيها، فالأولوية هي للمصالحة والسلام مع الذين يمدون إليهم ايديهم بالمصالحة والسلام داخل تركيا وخارجها. 

تعليقات