تركيا منفردة على طريق إنشاء "المنطقة الآمنة" شرق الفرات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6 أكتوبر/تشرين الأول 2019
عربي 21
المؤلف: 

 

يبدو أن تركيا في طريقها لإنشاء"المنطقة الآمنة" شرق الفرات منفردة، بعد أن نفد صبرها من مماطلة الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون والمشاركة بتأسيس تلك المنطقة الآمنة. فعلى مدى سنوات تكشفت خلافات عميقة حد التناقض حول أولويات أنقرة وواشنطن في سوريا عموما، وشرق الفرات خصوصا. ذلك أن أولويات واشنطن تقوم على حرب تنظيم "الدولة الإسلامية" بالتحالف مع المنظمات "الكردية" باعتبارها شريكا موثوقا في الحرب على الإرهاب، بينما تقوم أولويات أنقرة على الحيلولة دون تأسيس كيان كردي يدشن "ممرا إرهابيا" تسيطر عليه سلالات حزب "العمال الكردستاني". وبذلك أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة لتركيا تشكل معضلة في طريق التوصل إلى حلول ممكنة شمال شرق سوريا، وغدت تعمل كقوة عدم استقرار تهدد الأمن القومي التركي.

في هذا السياق، تعاني تركيا في سوريا من حلفائها المفترضين، فأمريكا تدعم أعداءها الأكراد، وروسيا تهاجم أصدقاءها من المعارضة، وتحسن العلاقات التركية الأمريكية يجلب سخط روسيا، وتطور العلاقات التركية الروسية يستدعي غضب أمريكا. فبعد أن ظهرت بوادر تعاون أمريكي تركي حول إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا مع مطلع العام الحالي، سارعت روسيا إلى شن حملة عسكرية عنيفة على المنطقة المنزوعة السلاح في أرياف إدلب وحماة وحلب واللاذقية، وذلك في 26 نيسان/ إبريل الماضي. وقد كثفت القوات الروسية مصحوبة بعناصر قوات النظام ومليشياته من حملتها مؤخرا، وتمكنت من فرض سيطرتها على مدن وبلدات في ريف حماة الشمالي، وعلى مدينة خان شيخون وعدد من القرى في محيط المدينة بريف إدلب الجنوبي، تزامناً مع اشتداد وتيرة القصف الجوي والبري الذي يتعرض له ريف إدلب الجنوبي.

لا جدال في أن الحملة الروسية جاءت عقب التفاهمات الهشة بين أنقرة وواشنطن التي أفضت، في السابع من آب/ أغسطس الماضي، إلى "إقامة مركز عمليات مشتركة في تركيا من أجل تنسيق إنشاء منطقة آمنة وإدارتها" في سوريا. وقد تم تفعيل العمل بمركز العمليات المشتركة بالتزامن مع سيطرة روسيا على خان شيخون، لكن سرعان ما أدركت تركيا عمق الخلافات مع واشنطن حول تعريف وحجم ووظيفة المنطقة الآمنة، وتبددت الثقة بين الطرفين مرة أخرى في ظل المماطلة الأمريكية.

كان من المفترض أن تساعد التفاهمات الأمريكية التركية بخصوص المنطقة الآمنة على حلّ مشكلة كبيرة في العلاقات الأمريكية- التركية، بدأت منذ عام 2014، حين اعتمدت واشنطن على "وحدات حماية الشعب" لمحاربة وجود تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا، مما عزز بشكل كبير من قوة الجماعة الكردية وقبضتها الإقليمية خلال العملية. لكن هذه السياسة، حسب سونر چاغاپتا، يصطدم مع أولوية أمريكية أخرى، وهي: استئناف محادثات السلام المنهارة بين تركيا الحليفة في "الناتو" و"حزب العمال الكردستاني"، وهي جماعة تعتبرها أنقرة التهديد المحلي الرئيسي لها. غير أنه من المستبعد أن يوقف "حزب العمال الكردستاني" استفزازاته في تركيا أو أن يعود إلى طاولة المفاوضات طالما أن فرعه في سوريا متفوّق. لحسن الحظ، تنطوي ترتيبات المنطقة الآمنة المقترحة حتى الآن على تقليص وجود "وحدات حماية الشعب" على طول الحدود، مما يشكّل نقطة انطلاق جيدة لكبح جماح "حزب العمال الكردستاني"، وتحسين العلاقات الأمريكية مع أنقرة، وتجنب التدخل التركي المدمر المحتمل في سوريا.

رغم الاحتفاء والترحيب بالإعلان عن بوادر تفاهم أمريكي تركي شرق الفرات، ومسألة المنطقة الآمنة وإنشاء مركز عمليات مشتركة في مدينة أورفا على الحدود مع سوريا، لكن ذلك لم يكن سوى حلقة أمريكية في إطار سلسلة من عمليات التسويف والمماطلة والخداع. ذلك أن التفاهمات المشتركة انطوت على تصورات عامة وغامضة تفتقر إلى الوضوح والتفاصيل والآليات والأدوات، فالتفاهمات لم تتضمن الحديث عن تفاصيل كيفية إنشاء المنطقة الآمنة شمال شرق سوريا، وترك البحث في تفاصيل المشروع إلى مركز العمليات المشتركة. ففي حين أنَّ تركيا تريد أن يصل عمق المنطقة إلى 35 كم، فإن واشنطن تعرض عمقاً يتراوح بين 5 و15 كم، حسب ما صرح به المبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري قبل توقيع الاتفاق بأسبوع. وبينما تتحدث تركيا عن تجهيز المنطقة الآمة لاستقبال أكثر من مليوني لاجئ سوري، تعتبر أمريكا المشروع خطوة لتغيير ديمغرافي واسع.

لا جدال في أن أنقرة باتت أكثر قناعة بعدم جدية واشنطن حول التعاون بتأسيس المنطقة الآمنة والتخلي عن دعم الوحدات الكردية. فبحسب أنقرة، أرسلت واشنطن، خلال الأيام الماضية، 300 شاحنة عسكرية تحمل مساعدات تُستخدم لأغراض لوجيستية وعسكرية، إلى مناطق سيطرة الوحدات الكردية التي تصنفها أنقرة على لوائح الإرهاب شمال شرقي سوريا. وذكرت وكالة الأناضول التركية، أن القافلة التي دخلت من معبر "سيمالكا" الحدودي مع العراق، ضمت قوالب إسمنتية تُستخدم في إنشاء قواعد عسكرية، وعربات رباعية الدفع، ومولدات كهرباء، وخزانات وقود، إضافة إلى حاويات مغلقة. وفي 21 أيلول/ سبتمبر 2019، أرسلت الولايات المتحدة نحو 200 شاحنة إلى المنطقة، ضمت مواد بناء، وبيوتاً مسبقة الصنع، وخزانات وقود.

في هذا السياق، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السبت (5 تشرين الأول/ أكتوبر 2019) أنه "أصدر توجيهات لإطلاق عملية عسكرية وشيكة ضد الإرهابيين في شرق الفرات، شمال سوريا". وقال أردوغان: "أجرينا ترتيباتنا.. أعددنا خططنا للعملية، وأعطينا التعليمات الضرورية"، مضيفا أن تركيا ستنفذ عمليات جوية وبرية وأن هذه العمليات قد تبدأ "اليوم أو غدا". وتابع: "سنقوم بتنفيذ العملية من البر والجو". وفي معرض حديثه حول "قوات سوريا الديمقراطية"، قال أردوغان: "وجهنا كل التحذيرات إلى محاورينا حول شرق الفرات، لقد كنا صبورين بما فيه الكفاية، ورأينا أن الدوريات البرية والجوية المشتركة مجرد كلام". وتابع: "سؤالنا واضح جداً لحلفائنا: افصحوا لنا.. هل تعتبرون تنظيم "بي كا كا/ ي ب د" الذي تحاولون التستر عليه تحت اسم "قوات سوريا الديمقراطية"، تنظيم إرهابي أم لا؟". وأكد أردوغان أن الهدف من العملية المحتملة هو إرساء السلام في شرق الفرات أيضا، إلى جانب دحر خطر الإرهاب من الحدود الجنوبية للبلاد.

إن إعلان أردوغان عن قرب انطلاق عملية تركية شرق الفرات، يتزامن مع خطوات تركية عملية وعسكرية. فحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، فإن مسؤولين أمريكيين أعربوا عن تخوُّفهم من "توغُّل تركي كبير في شمالي سوريا، وهو إجراء من شأنه أن يدفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى سحب القوات الأمريكية من المنطقة". وقال المسؤولون إنهم "لاحظوا هذا الأسبوع أدلة متزايدة على أن تركيا تستعد لإدخال قوات إلى شرقي الفرات، وهي خطوة قد تُعرّض القوة الأمريكية المتبقية هناك للخطر". وحسب مصادر المعارضة السورية المسلحة، فإن أرتال من الجيش التركي وصلت الى بلدة أقجة قلعة التركية المقابلة لمدينة تل أبيض بريف الرقة الشمالي، فيما نصب الجيش التركي المدافع الميدانية في البلدة، بهدف شن عملية عسكرية على المنطقة، وأشارت "المصادر" الى أن الجيش التركي أطلق اسم "نبع السلام" على العملية المرتقبة له شرق الفرات، وأن المرحلة الأولى من العملية سوف تكون بعمق 5 كم من الأراضي السورية، وستشمل مدينة تل أبيض ومدينة راس العين بريف الحسكة الشمالي الغربي. ويبدو أن هذه المرحلة ستشكل اختبارا للموقف الأمريكي، وسوف تترتب عليها بقية المراحل.

تشير كافة المعطيات إلى أن تركيا جادة هذه المرة في فرض رؤيتها حول المنطقة الآمنة. فقد أُعلن الجمعة (4 تشرين الأول/ أكتوبر 2019) عن أكبر عملية اندماج "فصائل معتدلة" عاملة في الشمال السوري تحت مظلة الجيش الوطني برعاية تركية، حيث أعلن رئيس الحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة، عبد الرحمن مصطفى، عن اندماج "الجبهة الوطنية للتحرير" و"الجيش الوطني السوري" ضمن جيش واحد تابع لوزارة الدفاع في "الحكومة المؤقتة". وحسب الائتلاف السوري المعارض في حسابه على تويتر، فقد تم "توسيع الجيش الوطني التابع لوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة ليصير مؤلفاً من سبعة فيالق تضم نحو 80 ألف مقاتل"، وهي خطوة عملية تؤسس لحل في شمال شرق سوريا وغربها. فإذا كانت في شمال شرق سوريا تضع حدا لتضخم وحدات حماية الشعب الكردية، فإنها في شمال غرب سوريا للتخلص من "هيئة تحرير الشام"(النصرة سابقاً)، وتفسح المجال لتطبيق اتفاق سوتشي بين تركيا روسيا.

خلاصة القول أن صبر تركيا قد نفد من المماطلات الأمريكية بالتعاون شرق الفرات، وهي في طريقها لتنفيذ مشروع "المنطقة الآمنة" منفردة، وسوف تشرع في البدء بالمرحلة الأولى قريبا. فقد كشفت السنوات الثلاث الماضية عن اختلافات كبيرة في تصورات البلدين لمصادر التهديد والمخاطر، وأبرزت رؤى متضاربة حول تعريفات "الإرهاب" و"الإهابيين". ولا يبدو أن أمريكا مستعدة، رغم الاختلافات، للوقوف في وجه تركيا، وسوف تضطر للتخلي عن القوات الكردية، وقد تجد نفسها مكرهة على الانسحاب من سوريا، لكن ذلك رهن بمدى جدية تركيا واستعدادها لتحمل غضب الولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو أن تركيا باتت على قناعة بضرورة المضي في خيار تأسيس "المنطقة الآمنة" مهما كانت العواقب.