تركيا وإيران ومواقف مصارحة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

شؤون خليجية

تعتبر الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية التركي ميلاد جاويش اغلو إلى طهران ولقائه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في طهران بتاريخ 17/12/2014 مهمة جداً ، ليس على صعيد العلاقات الثنائية بين تركيا وإيران والآخذة بالتقدم في المجالات الاقتصادية والسياحية وحتى السياسية، بل أهميتها لبحث قضايا المنطقة وأزماتها السياسية والأمنية الملتهبة، فأهميتها أولاً في تحسين العلاقات الثنائية بينهما لصالح الدولتين والشعبين معاً، ولكن ذلك التقارب ينبغي أن يستخدم في حل مشاكل المنطقة أيضاً، وهذا يتطلب مواقف مصارحة قاسية بين البلدين على صعيد أزمات المنطقة الملتهبة، وقد قدم منها جاويش اغلو في هذا اللقاء وفي المؤتمر الصحفي بعض المصارحات ومنها:

المصارحة الأولى التي قالها وزير الخارجية التركي لمستمعيه من الإيرانيين:" نتفق مع إيران على وحدة الأراضي السورية وضرورة ايجاد حل سياسي للأزمة، ولكن نظام بشار الأسد غير شرعي ولا يملك حق حكم سوريا بعد الآن"، وقال: "إن بلاده وإيران تمتلكان وجهات نظر مختلفة حيال الأزمة السورية، إلا أن عليهما العمل معاً لإيجاد تسوية".

 هذه مقدمة لا بد من تكرار قولها على مسامع الإيرانيين، أن تركيا لا توافق على السياسة الإيرانية في سوريا، بالرغم من حرص تركيا على ان تكون على علاقات جيدة مع إيران، وان من الواجب على الدولتين إيجاد حل لها، وان تركيا لا ترى أن من الممكن لبشار الأسد أن يكون جزءاً من الحل، فهو لا يمكن أن يكون من الحل ولا يملك حق حكم سوريا.

المصارحة الثانية التي قالها وزير الخارجية التركي للإيرانيين: "إن دعم المنظمات الارهابية هو بمثابة لعب بالنار، وان تلك النار ستحرق داعمي تلك المنظمات أيضاً".

هذه المصارحة تحمل تحذيراً إن لم يكن تهديداً بان المنظمات الإرهابية الطائفية في إيران والعراق ولبنان والتي تدعم الأعمال الإرهابية أو تمارسها في سوريا فإنها سوف تحترق بهذه النيران التي تشعلها في سوريا، سواء كانت مشاركة في الأعمال الإرهابية ضد الشعب السوري أو داعمة لها.

المصارحة الثالثة التي قاله جاويش أغلو للإيرانيين: "إن الأخبار التي تنشرها بعض وسائل الإعلام بما فيها الإيرانية والتي تتهم تركيا بدعم تنظيم داعش الارهابي، أخبار ملفقة تنشر عمداً ، وتهدف للقيام بعمليات توجيه للرأي العام، خاصة أن تركيا حذرت من داعش وادرجته على قائمة التنظيمات الإرهابية منذ تشرين أول/ أكتوير 2013".

هذه المصارحة فيها هجوم على الإعلام الإيراني وتوابعه سواء كانت قنوات فضائية تركية أو عربية أو عالمية، التي تقف وراء اتهام تركيا بدعم داعش، فهذه ليست مجرد اخبار لا تتحرى المصداقية وإنما هي سياسة إعلامية تتحمل مسؤوليتها الحكومة الإيرانية والحكومة العراقية والقنوات الفضائية التابعة لهما، بدليل أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي استنكر شخصياً اعتذار نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لتركيا عندما أخطأ في اتهامه لتركيا بدعم تنظيمات ارهابية، وهو يقصد أي بايدن تنظيمات معارضة لنظام بشار الأسد، بينما كان رئيس الوزراء العراقي العبادي يتهم تركيا صراحة بدعم داعش والتنظيمات الارهابية لأنه يشارك الإعلام الإيراني باتهام تركيا بهده الأكاذيب، وكذلك إعلام بشار الأسد وحزب الله اللبناني وأتباعهم الإعلامية، فهي لا تتوقف عن اتهام تركيا بدعم داعش، فهل تدرك الحكومة الإيرانية أن تركيا وعلى مستوى وزارة الخارجية التركية تستنكر هذه الحملات الإعلامية المغرضة، لأنها تخفي الحقيقة، وتتهم غيرها بشيء هي أقرب إليه من تركيا.

فإذا كانت الحكومة الإيرانية تقوم بعملية توجيه الرأي العام الإيراني وتوابعه الطائفية والإعلامية إلى إتهام تركيا بدعم داعش فإن الأدلة على دعم إيران وبشار الأسد وحكومة المالكي لتنظيم داعش أقوى واكبر ، وطبيعة الدور الذي تقوم به داعش في المنطقة الآن تستفيد منه الدولة الإيرانية وجيش بشار الأسد أكثر من غيرها، بينما الحكومة التركية أعلنت ومنذ 10تشرين أول/ أكتوبر عام 2013 بان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام هو تنظيم إرهابي، وتم معاملته ومعاملة كل عناصره على أساس انها عناصر تنظيم إرهابي، وما قصة مخطوفي القنصلية التركية في الموصل ببعيد، فقد كانت أول هدف لداعش بعد احتلالها أو استلامها للموصل من حكومة المالكي، وتعاون داعش مع جيش بشار الأسد لا يخفى على متابع، بل إن الاتصالات بين الضباط البعثين العراقيين وضباط بعثيين سوريين وتابعين للمخابرات السورية، كانت هي الخطوات والمخططات الأولى التي وضعت مشروع السيطرة على الحدود الجنوبية والشرقية لتركيا، أي ان تركيا تنظر بعين الحذر والريبة والخطر من قيام داعش على حدودها، وانها تشكل تهديدا حقيقياً للمن التركي.

والمصارحة الرابعة لوزير الخارجية التركي للإيرانيين: هي ان موقف الحكومة التركية من الاستراتيجية الأمريكية في محاربة داعش كانت واضحة وصريحة ومعلنة، وهي ان الغارات الجوية لن تؤتي اوكلها في القضاء على داعش، ولا بد من وضع استراتيجية تقضي على أسباب وجود داعش في العراق وسوريا معاً، تلك الأسباب القائمة على انتهاك كلا النظامين العراقي والسوري منذ سنوات لحقوق كافة مكونات الشعب العراقي والسوري، فالسلوك الطائفي العنصري، والاستئثار بالسلطة السياسية والثروة المالية كانت لطائفية واحدة فقط، هي الطائفة المدعومة من الدولة الإيرانية الخامنئية، فهذه السياسة الإقصائية في سياسات هذه الدول هي التي أوجدت الأرضية الشعبية والمشروعية السياسية لقيام الدولة الإسلامية في العراق والشام، فالإقصاء الطائفي والقتل على الهوية وعدم الاستجابة للمطالب التركية من كلا النظامين لتصحيح أوضاعهما القانونية في الوقت المناسب هو السبب الرئيسي لقيام داعش، وبذلك يكون دعم الدولة الإيرانية الخامنئية لقيام داعش هو بطريقة الفعل وردة الفعل أيضاً، لأنها كانت تهدف إلى خطة يمكن القول بأنها نجحت فيها، وهي إقناع امريكا بان المليشيات السنية الجهادية أو التنظيمات السنية السلفية هي التي تمثل الإرهاب العالمي فقط، وإن المليشيات الشيعية صديقة لأمريكا في المنطقة، وجاهزة للتعاون معها، مما جعل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يصرح أخيراً بان تنظيم داعش يحمل أيديولوجيا تدفعه للأعمال الارهابية الوحشية وأنه لا بد من مواجهة هذه الأيديولوجيا، أي ان السياسة الإيرانية الطائفية نجحت في جذب أمريكا إليها كما نجحت سابقا لجذب الموقف الروسي والصيني لجانبها لمصالح تخص كل دولة منها.

لذلك فإن تفنيد وزير الخارجية التركي جاويش اغلو للتهم الإيرانية بدعم تركيا لتنظيم داعش هدفه نفي ورفض التهم الإيرانية التي تريد ان تشمل تركيا بهذه التهم، بحجة ان تركيا دولة إسلامية سنية، فهذه الحيلة إذا انطلت على أصحاب المصالح الدولية مثل أمريكا وروسيا أو بعض الدول العربية، فإنها لا تنطلي على الحكومة التركية ولا على الشعب التركي، فتركيا دولة إسلامية ولكنها لا تتبنى مواقف مذهبية ولا طائفية، ولا تسمح لأحد ان يسحبها إلى معارك طائفية، ولذلك كشف جاويش اغلو مكاشفة ومصارحة خامسة.

المصارحة الخامسة تقول: بان الأسلحة التي تقاتل بها داعش هي أسلحة روسية مصدرها جيش بشار الأسد ، وأسلحة أمريكية مصدرها جيش نوري المالكي، أي ان مصدرها العسكري هو حلف إيران وليست من مصدر تركي، فالجيش التركي أسلحته ذاتية من تصنيع تركي، ولا يوجد مع داعش اسلحة تركية، وعلى الدولة الإيرانية أن تدرك مخاطر ان تكون دولة داعش مزودة بأسلحة روسية وامريكية، وبالتالي فهي إن بقيت ستكون أكبر مستورد للأسلحة الأمريكية والروسية، وبالتالي قد يكون من مصالح أمريكا وروسيا ان تستمر حروب داعش وحروب المنطقة لسنوات طويلة، تقدرها مصادر أمريكية بانها ثلاث سنوات على اقل تقدير ، والخاسر الأكبر من هذه الحرب المستدامة هي دول المنطقة وليست أمريكا ولا روسيا، واولها تركيا وإيران، وهذا يتطلب ان تعيد إيران سياستها في المنطقة. إن زيارة وزير الخارجية التركي إلى طهران تحمل رسالة مهمة لإيران بان الخطر الداهم لا يتعرض لتركيا فقط، وإنما إيران تحت الخطر ومهددة من هذه التنظيمات الارهابية، فلا بد التعاون في مكافحة التنظيمات الارهابية بغض النظر عن دينها أو لونها وانتمائها العرقي بحسب تعبير جاويش أغلو، وان هذا التعاون لا بد ان يشمل "تخليص البلدين الشقيقين، العراق وسوريا، من المنظمة الارهابية، التي تحتل أجزاء من ترابهما الوطني"، بحسب تصريح اغلو ، أي ان تركيا تدعو إيران ان تثبت مصادقيتها في مقاومة التنظيمات الارهابية، وأن تعمل بكل جدية لإنهاء الأسباب التي شرعت لوجود داعش في العراق وسوريا، فالحكومات الطائفية في العراق او في سوريا لن تستطيع ان تحل المشكلة، ولن تستطيع ان تساعد إيران من تهديد الارهاب، لأن من يشعل النار ظلما لا بد أن يناله شررها.