تركيا والأقليات في الشرق الأوسط

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/ 08/ 2014
السورية

"تركيا لم تعد تركيا القديمة، لأنها تتجدد". كلمة يرددها دائماً رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي للدلالة على التحولات الجذرية التي شهدتها تركيا خلال حكم حزب العدالة والتنمية.
السياسات الجديدة لتركيا أخذت في الحسبان استخلاص العبر من التاريخ ومحاولة قراءة واقع تركيا والمنطقة بعيداً عن السياسات النمطية التي اتبعتها الحكومات التركية المتعاقبة. سنتطرق في هذه الورقة إلى سياسة تركيا الخارجية ونظرتها للأقليات في الشرق الأوسط.

في الماضي كانت سياسة تركيا مبنية على نقطتين جوهريتين هما؛ تفعيل وتقوية العلاقات مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، والاهتمام بالدول الناطقة بالتركية أو ما تسمى "السياسة الطورانية".
ساد الاعتقاد لدى معظم المراقبين أن السياسة الخارجية التركية تُرسم في واشنطن أكثر ما ترسم في أنقرة، نتيجة لضعف تركيا وقوة نفوذ الولايات المتحدة الأميركية داخل الأجهزة الأمنية والجيش وفي بعض المراكز الحساسة في الدولة التركية، ولم تشهد حقيقة السياسة الخارجية التركية خارج هذين النقطتين أي نشاط فعلي حقيقي واستراتيجي إلا في بعض الأحداث كما هي الحال في عام 1974م عندما حركت قواتها لتحرير قبرص الشمالية من احتلال الروم اليونانيين.
كانت تركيا وقتئذ محاصرة من جيران يكنون لها العداء، وكانت علاقاتها متوترة مع معظمهم (إيران – العراق – أرمينيا – سوريا – اليونان). أُريد من كل ذلك أن تبقى تركيا دائماً في جو مضطرب كي تبقى خاضعة للسياسة الغربية ونفوذ الولايات المتحدة خاصة.

يمكننا القول إن السياسة الخارجية التركية شهدت بداية حركتها تجاه الشرق العربي مع القضية الكردية وخاصة مع حزب العمال الكردستاني التي كانت تشن هجمات ضد القوات المسلحة التركية في داخل تركيا، وكانت الخارجية التركية تنشط بين الدول العربية المعنية بهذه القضية لتنسيق المواقف بين هذه البلدان قبل أي اجتياح لشمال العراق لوقف تمدد عناصر البي كي كي في أراضيها، واستهداف مراكز القيادة والتجمع والمعسكرات فيها. ونتيجة شعورها بالخطر المحدق بأمنها القومي واستهداف وحدة أراضيها، تبنت تركيا في نهاية التسعينات سياسة القضاء على هذا التهديد عبر القضاء على بنية هذا التنظيم في الدول المجاورة لتركيا، ومنها النظام السوري الذي كان يدعم هذا التنظيم الكردي المسلح بغية إقلاق راحة جارتها الشمالية وخلق عنصر ضاغط لها لكسب بعض الأوراق منها كإظهار نفسه وكأنه قوة إقليمية مهمة في المنطقة والحصول على أكبر حصة ممكنة من مياه الفرات رداً على التقارب التركي الإسرائيلي حسب زعم النظام في تلك الفترة. وبعد تهديد تركيا بإجتياح سوريا في عام 1998م إن لم توقف دمشق دعم حزب العمال الكردستاني، ونتيجة التوازنات السياسية التي كانت موجودة في تلك الفترة تم الاتفاق بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية على إبعاد عبد الله أوجلان من دمشق.
هذه الأحداث كانت نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في السياسة الخارجية التركية، التي بدأت فيما بعد بالتقرب من الدول العربية والتودد إليها محطمة حاجز الجمود الذي رافق كل تلك السنين.

 نستطيع القول بأنه لم يكن في تركيا سياسة خارجية واضحة وفاعلة تجاه الدول العربية، وكان معظم الديبلوماسيين الأتراك مشغولين بكيفية تعزيز العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة لإدخال تركيا كعضو في الاتحاد الأوروبي، وفي هذه الفترة في نهاية التسعينات وبداية الألفية كانت هناك قناعة مطلقة لدى الديبلوماسيين والمحللين الأتراك بأن بوابة دخول تركيا للاتحاد الأوروبي تمر عبر تل أبيب، وهذه القناعة في الحقيقة سرّ تطوير العلاقات الديبلوماسية وحتى العسكرية مع إسرائيل في تلك الفترة.
بعد أن ولجت السياسة الخارجية التركية إلى المنطقة العربية عبر البوابة السورية بعد وفاة حافظ الأسد الذي كان يتبنى سياسة عدائية تجاه تركيا بالتنسيق مع طهران، كان هذا الولوج بعد زيارة الرئيس التركي السابق نجدت سيزر لدمشق وتقديمه التعازي لعائلة الأسد. هذا الحدث كان بداية وطأة أقدام الديبلوماسيين الأتراك من جديد أرض المنطقة العربية وما يتضمن ذلك من الدخول في الملفات الشائكة في المنطقة العربية.

وبعد تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا كان هناك قناعة تامة عند الديبلوماسيين الأتراك بضرورة اتباع استراتيجية واضحة المعالم والأهداف في الشرق الأوسط، وهذه السياسة توضحت مع قدوم السيد أحمد داوود أوغلو إلى الخارجية وإعلان استراتيجية تصفير المشاكل مع جيران تركيا. كانت تركيا تحاول دائماً عدم الدخول في التفاصيل الدقيقة للمنطقة وعدم فتح قنوات اتصال مع القيادات الشعبية خارج إطار العلاقات الديبلوماسية الرسمية، مخافة فشل استراتيجيتها بالتقرب من جيرانها، ولأنها ثانياً تدعم المبدأ القائل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول التي عانت هي نفسها من هذا الأمر.

في مرحلة التقارب مع الجيران هذه كان هناك تفاهماً بين الأطراف على ضرورة تنسيق المواقف وحل المشاكل البينية ومساعدة كل الأطراف بعضها البعض، فمثلاً كانت سوريا تقدم المعلومات الإستخباراتية عن القيادات الكردية وتحركاتهم وخططهم في تركيا والعراق، وقام النظام السوري أيضاً بعدة زيارات لأرمينيا لترطيب الأجواء بينها وبين تركيا والتي مهدت فيما بعد لزيارة الرئيس التركي عبد الله غول لأرمينيا في عام 2008. في المقابل قامت تركيا بلعب دور الوسيط في مباحثات السلام السورية الإسرائيلية، وبتقريب سوريا من بعض الدول الأوروبية والآسيوية.

تطلعت تركيا لإخضاع مشروع الشرق الأوسط الأميركي وجعله تركياً مبنياً على مبدأ السلم العالمي القائم على التعاون والمحبة والتفاهم، ولكن العقبة الكبرى كانت بتردي بنية الأنظمة الحاكمة في المنطقة وسوء إدارتها للموارد وتفشي الفساد فيها، وهنا قدمت تركيا جلّ ما تستطيعه من خبرات في جميع المجالات لدول الجوار. كان المثال الأبرز لمدى تأثير تركيا ونموذجها في الحكم هي سوريا، حيث بدأت الوفود الرسمية بالتوافد إلى تركيا بكثرة للإستفادة من التجربة التركية، إلا أن النظام السوري أخضع هذه التجربة لمعطياته الذاتية واكتشف وأبدع أساليب جديدة تدعم بنية الفساد المالي لديه عبر إنشاء عشرات الشركات وفي المجالات كافة، تعمل لصالحه غيرعابئة بضرورة تقوية المجتمع ومؤسساته لمواجهة المخاطر والتحديات المحتملة التي يمكن أن تواجه المجتمع السوري وفق خطة مشروع الشرق الأوسط الكبير الجاهزة للتطبيق في أدرجة الديبلوماسية الأميركية وبعض الدول الأوروبية.

كانت تركيا تعي تماماً حجم المخاطر والمشاكل التي ستواجهها في المستقبل فكان ثقل سياستها يتجه لهذا السبب نحو تقوية اقتصادها بالدرجة الأولى التي هي الحل الوحيد للكثير من المشاكل التي تعاني منها داخلياً، إن دخول العالم في الألفية الثانية وتغير طبيعة العلاقات الدولية وغياب التوازن الدولي في العالم وغياب فعالية الهيئات الدولية وعجزها عن حل المشاكل والنزاعات الدولية، كل ذلك كان في حسبان تركيا وهي تخطو خطواتها باتجاه أن تصبح قوة فاعلة في المنطقة والعالم، وأن تخرج نفسها من لعبة الدول الرأسمالية عليها وعلى مستقبلها، وعليه كانت تركيا دوماً تريد حماية نفسها وأمنها القومي بتحسين علاقاتها مع الجيران وإنشاء مجموعتها الخاصة من الدول تكون هي القائد فيها. إلا أن طموحات إيران وتوغلها في بعض الدول كانت تمنع أحياناً كثيرة ذلك، ونكاد نستطيع أن نجزم القول الآن، أن إيران هي المسؤولة عن دخول المنطقة عصر الحروب والصراعات. عبر تبني سياسة طائفية ومخربة للعلاقات بين الطوائف والقوميات التي تتكون منها المنطقة، فمن ينتقد سياسة إيران الطائفية اليوم كيف يطالب تركيا باتباع السياسة نفسها تجاه أية أقلية إثنية أو عرقية؟

إن سياسة تركيا الخارجية تنظر لكل الأقليات نظرة واحدة ضمن مشروع الأمة الذي تؤمن به، وهي تتبع في ذلك السياسة العثمانية التي استطاعت أن تحتضن كل الأقليات في الحاضنة العثمانية، وأن تجعل من الدولة إمبراطورية مرهوبة الجانب. كما أن تركيا وقادتها، الذين يعتبرون أنفسهم بأنهم العثمانيون الجدد، يتبعون الاستراتيجية نفسها في النظر إلى الأقليات. فالسيد أردوغان يقول في مهرجان (التركمان اليوروك ينتخبون رئيسهم) في معرض رده على انتقادات المعارضة التركية بعدم دعم التركمان:
"نحن لا ننظر إلى دين، أو مذهب، أو عرق، أو لغة، أو لون المظلوم، نحن حكومة اهتمت بالتركمان مثلما اهتمت بغزة، وبالرغم من كل التطورات السلبية في منطقتنا فإن تركيا تحافظ على استقرارها وأمنها ومسيرتها المستقرة نحو المستقبل، وكما فعلت على مر العصور فإنها لن تكون طرفاً في الصراعات بين الأشقاء، وإنما تقف بجانب الحق والعدل".

هذا الاهتمام المتزايد من قبل تركيا في التحول إلى نوع من صانع السلام العالمي يعتبر جزئياً نتيجة لعملية الدمقرطة المستمرة في تركيا. فيما كانت النخبة القديمة في الأمة تتكون من الكماليين الانعزاليين، وهم أتباع مصطفى كمال أتاتورك، الذي أسس الجمهورية من دون ديموقراطية عام 1923 بهدف تحويل البلد إلى أمة غربية علمانية.
على مدى العقود التي تلت ذلك، ظل المجتمع منقسماً بين الكماليين الذين تدين لهم السيطرة في المركز، والمجتمع الأكثر محافظة على الأطراف والذي ظل تحت سيطرة الكماليين، لكن الأمور تغيرت جذرياً بعد الانتصارات الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان عامي 2002 و 2014.

خرجت "تركيا الأخرى" من منطقة الأطراف باتجاه السلطة، وبينما أثبتت أنها أكثر تديناً من النخبة القديمة، أثبتت أيضاً أنها أكثر تأييداً للغرب والتزاماً بمحاولة الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، مقارنة بخصومهم العلمانيين الذين يتزايدون تعصباً ولم يكن ذلك ببساطة مجرد تكتيك يتناسب مع الموقف، كما يجادل البعض. لقد كان المسلمون المحافظون يمرون بمرحلة إصلاح صامتة منذ ثمانينات القرن الماضي، كما يثبت تنامي "البرجوازية الإسلامية" في البلاد والتي ترى المستقبل في الأسواق العالمية وليس في محاكم الشريعة. وقد ازدهرت الأفكار التي تقول بالتوافق بين الإسلام والديموقراطية الليبرالية.

يلخص وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو رؤية السياسة الخارجية، حيث يقول: إن تركيا لم تتصرف بحكمة عندما أنكرت علاقاتها الثقافية بالشرق الأوسط على مدى عقود، لكن الوقت قد حان لتتحول تركيا إلى "قوة ناعمة" تصدر السلام والاستقرار والنمو لمنطقتها. ومن هنا جاء نهج التقارب في السنوات والشهور الأخيرة مع اليونان وكردستان العراقية ودول المنطقة. ويمقت الأتراك الكماليون نهج "العثمانيين الجدد" هذا، والذي ينطوي على علاقات أقوى بالأمم الإسلامية الأخرى. وعندما يحيي أردوغان نظرائه العرب "باسم الله"، يعتريهم الرعب ويحتجون بأن مبادئ البلاد العلمانية معرضة للخطر. ولكسب دعم الغربيين الخائفين من الإسلام السياسي، لأسباب مقنعة، فإنهم يحاولون أن يصوروا حزب العدالة والتنمية وكأنه حركة طالبان في ثياب خراف.

لكن الحقيقة أن تركيا الديموقراطية التي تحظى باحترام العواصم الإسلامية وتتحدث بلغتها ومستعدة لاستخدام هذه الميزة لتحقيق السلام والمصالحة هي بالضبط ما يريده الغرب ويخشى البعض في الغرب من هذا النهج كذلك، ويشيرون إلى مصالح حزب العدالة والتنمية في الإسلام واستفحال المشاعر المعادية لأمريكا في تركيا ويدمجون أحياناً بين الاثنين ويخلطون بينهما. ومع ذلك فإن موجة العداء لأمريكا هي رد فعل لحرب العراق وما حصل في أعقابها، وحرب غزة والدعم الأميركي لإسرائيل .
 وبدلاً من الخوف من تمكين الأكراد في الشمال، أطلقت الخارجية التركية سياسة فعالة للتقرب من الأكراد والتعاون معها في قضايا أمنية واقتصادية أتت أكلها وأثبتت جدواها وحولت مشاعر الحقد والكراهية والخوف بين الطرفين إلى مشاعر تعاون وتعاضد ومصالح مشتركة. بعد أحداث العراق الأخيرة ودخول ما يسمى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" لبعض المناطق الكردية والسيطرة عليها، لم يجد الأكراد حضناً ووطناً أرحم من تركيا.

 هذه النظرة الإنسانية الجامعة لكل الأقليات في المنطقة جعلت تركيا اليوم الدولة القوية والقادرة على لعب كل الأدوار في المنطقة لوجود أرضية وشعبية كبيرة لها بين شعوب المنطقة في ظل ضعف وتفكك الأنظمة الاستبدادية.
إن تركيا ليست بعيدة أبداً عن فهم طبيعة تكوين المجتمعات العربية القريبة من  تكوين نسيجها الاجتماعي الذي يضم قوميات وأعراق وأديان مختلفة (أكراد – عرب – تركمان – علويين – أرمن – مسلمين – مسيحيين – يهود – شركس ...إلخ)، هذا الغنى في التكوين أعطى لتركيا فرصة اللقاء والتفاهم مع كل الأقليات في المنطقة، وهي بشكل أو بآخر ليس لها خيار إلا التعاطي الإيجابي مع هذه المكونات ومحاولة الوقوف على مسافة واحدة مع الجميع، لأن تبني سياسة غير ذلك سيعرض المجتمع التركي إلى اضطرابات وهزات سيصيبها قبل أن يصيب أي مجتمع آخر.

تركيا تتغير نعم، ولكن وفق استراتيجية واضحة تجعل من تركيا دولة صانعة للسلام، وحاضنة لكل الشعوب، ونابذة لكل السياسات الطائفية والعرقية، لكي تحافظ على السلم الأهلي في مجتمعها وتجعلها أكثر قدرة وتأثيراً في ملفات المنطقة مستقبلاً، سياسة تواكب الأحداث المتسارعة وتحاول أن تجعل الأمور تتجه باتجاه الإستقرار والسلام دون أن تصطدم مع أية قوة في المنطقة، لأن تركيا القوية هي التي تفيد منطقتنا اليوم، وأن أي دور يُطلب من تركيا اليوم بعيداً عن هذه النظرة والسياسة تجاه الأقليات ودول المنطقة فإنه لا يراعي حقيقة فهم السياسة الخارجية لتركيا.