"تروما الحرب" تلازم أطفالاً سوريين وتهدد مستقبلهم.. الأسباب والآثار وكيفية التعامل معها

صدمات الحرب ترافق أطفالاً سوريين وآثارها طويلة الأمد - UNHCR
الاثنين 19 نوفمبر / تشرين الثاني 2018

صفاء صباغ - خاص السورية نت

مرّ أطفال سوريون طيلة الأعوام السبعة الماضية بتجربة حياتية قاسية، عاشوا فيها صدمات متعددة لا تنتهي آثارها السلبية بانتهاء الظروف المسببة لها، بل قد تستمر لسنوات مالم يجري علاجها خلال مرحلة مبكرة من العمر، وهؤلاء الأطفال يعيشون الآن ما يُسمى بـ"صدمة الحرب" (تروما الحرب).

ويُصاب الإنسان باضطراب ما بعد الصدمة إذا عاش وسط أجواء حرب، أو تعرض لصدمات قوية ومخيفة في حياته، وفقاً للمؤسسة الوطنية للصحة العقلية في الولايات المتحدة.

ويؤثر هذا الاضطراب على سلوك الشخص المُصاب وفي تفاعله مع المجتمع المحيط، ومع أن الأشخاص عادة يعانون من تفاعلات بعد تعرضهم لصدمة نفسية معينة إلا أن الأغلبية تتعافى، ولكن في حالة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة فإن الأعراض تستمر وقد تتفاقم.

ويعاني الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة من إحساس قوي بالخطر، مما يجعلهم يشعرون بالتوتر أو الخوف حتى في الحالات الآمنة، ومن الأمثلة التي تزيد من فرص الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة: وفاة شخص مقرب، أو التعرض للإغتصاب، أو التعرض للعنف، أو الحروب والكوارث الطبيعية، أو الطلاق.

والإصابة باضطراب ما بعد الصدمة يكون وقعها أكبر على الأطفال، فهم أكثر عرضة للإصابة بحكم مشاعرهم الحساسة والرقيقة، وعدم قدرتهم على تحمل الظروف القاسية، خصوصاً إذا ما كانوا قد تضرروا بشكل مباشر.

وفي مارس/ آذار 2018، قال المدير الإقليمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة في الشرق الأوسط (يونيسيف)، جيريت كابالاري، أن الأطفال يمثلون 40% من ضحايا الحرب في سوريا.

"تروما الحرب" وأطفال سوريا

وتتعدد الأسباب التي ولدت إصابة أطفال سوريين باضطراب ما بعد الصدمة، فالنسبة للذين عاشوا بمناطق النظام، فإن أخطر ما تعرضوا له:

- الخوف المتواصل جراء قصف النظام وحلفائه لمناطقهم.

- فقدان بعض الأطفال لعائلاتهم بالكامل أو لعدد من أفرادها.

- العيش في ظروف اقتصادية سيئة حرمتهم متطلباتهم الرئيسية، خصوصاً في المناطق التي تعرضت للحصار لسنوات.

- الإصابات بجروح خلفت إعاقات دائمة، وبحسب الأمم المتحدة، فإن من 1.5 مليون سوري، يعيشون مع إعاقات دائمة، بما في ذلك 86,000 شخص فقدوا أطرافهم في عموم سوريا.

- تجنيد بعض الأطفال للقتال مع الفصائل.

أما بالنسبة للأطفال الذين عاشوا في مناطق سيطرة نظام الأسد، فأسوأ ما تعرضوا له:

- رهبة من أصوات الطائرات الحربية والقذائف التي كانت تُقصف بها مناطق مجاورة.

- تجنيد النظام لبعض الأطفال في ميليشيات محلية.

- التسول، وامتهان السرقة، والتعرض لاغتصاب.

- التشرد وتعاطي المخدرات، واستغلالهم في أعمال غير مشروعة.

وفي بعض البلدان التي لجأ إليها أطفال سوريون، فإنهم حملوا معهم الصدمات التي عاشوها، وأُضيفت إليها صدمات أخرى تعرضوا لها في لجوئهم، كـ:

- فقدان العائلة أثناء رحلة اللجوء لا سيما إلى أوروبا.

- تعرض الأطفال للتمييز خلال محاولاتهم الاندماج في المجتمع الجديد.

- التعرض لعنصرية خلفت أذى جسدياً على الأطفال.

- العيش في مخيمات وسط ظروف اقتصادية سيئة للغاية.

- الحرمان من فرصة إكمال التعليم.

- استغلالهم في العمل.

آثار خطيرة

الدكتورة في التربية الخاصة "نسيبة جلال"، تحدثت في تصريح لـ"السورية نت" عن الآثار النفسية التي تصاحب الطفل المصاب باضطراب ما بعد الصدمة، وقالت إن "الحرب تؤثر بشكل سلبي على نفسية الأطفال، مما يؤدي إلى زيادة نسبة الاضطرابات السلوكية والانفعالية لديهم، وهذه المشكلات تأخذ أشكال متعددة، مثل القلق الشديد، والانعزالية، والتبول في الفراش، وأكبر مظهر لهم هو العدوان، سواء أكان متجهاً نحو الذات، أو العدوان ضد الآخرين".

وأشارت إلى أنه من الملاحظ كثرة المشاجرات بين الأطفال الناجمة عن تعرضهم لظروف قاسية خلال فترة الحرب، كذلك زيادة انتشار السلوك العدواني بين الأطفال، سواء لفظياً، أو جسمياً، أو حتى إيمائياً، "ومن خلال هذا العدوان يعبر الطفل عن مشاعر الصدمة التي مر بها أثناء الحرب".

والطفل المصاب بـ"تروما الحرب" يتعامل يتعامل بشكل غير صحيح مع زملائه، ويغضب لأتفه الأسباب، ويصعب عليه إقامة علاقات اجتماعية ناضجة، بحسب ما قالت الدكتورة النسيبة.  

معالجة الصدمات

وتترك الصدمات التي تصيب الأطفال خلال أجواء الحرب الباب مفتوحاً أمام جميع الاحتمالات والتأثيرات، ويتطلب التعامل مع الأطفال المصابين بالصدمات رعاية من نوع خاص.

وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة نسيبة في تصريحها لـ"السورية نت"، إلى أنه في مثل هذه الحالات، فإن احتواء الطفل يبقى أجدى من العقاب،

وقالت إنه في "حالات الحروب تنتشر ظاهرة التسول، والعنف، وتعاطي المخدرات بين الأطفال والمراهقين، ولابد بهذه الحالة احتوائهم ومحاولة إدخال الشعور بالأمان إليهم، وتفهّم الظروف الصعبة التي مروا بها، فهم فقدوا مطلب أساسي لنمو الإنسان بشكل سليم وهو الأمان".

ورأت أن هذا الاحتواء يكون من خلال مساعدتهم على التفريغ النفسي والانفعالي عن مشاعرهم المكبوتة التي مروا بها خلال ظروف الحرب، وأيضاً ينبغي توفير برامج مختلفة تحاول إعادة إدخال الأمان والسرور إلى قلوبهم، بالإضافة إلى مساعدة الطفل على ممارسة الأنشطة الترفيهية المختلفة.

كما تعد مساعدتهم على الانخراط في الجو التعليمي خطوة مهمة أيضاً، وقالت نسيبة إنه ينبغي أن "تكون طرق التعليم جذابة، فكلما تعلم الإنسان كلما استطاع التعبير عن مشاعره بطريقة صحيحة وأن يسلك الطريق الصحيح في المجتمع".

في المقابل لا يؤدي العقاب إلى تغيير سلوك الأطفال المصابين بـ"تروما الحرب"، فظاهرياً قد يتوقف السلوك بشكل مؤقت، لكنه لا يختفي، ويبقى الإرشاد والتوجيه والحوار من أهم الأساليب التي تؤدي الى تعديل السلوك على المدى الطويل.

وتحدثت الدكتورة نسيبة عن حلول أخرى للتعامل مع الأطفال المصابين بالصدمات، مثل إفساح المجال أمامهم للتحدث عن ذكرياتهم، والمواقف الصعبة التي مروا بها، ثم تقديم خدمات الدعم النفسي لهم من خلال مراكز طفولة متخصصة.

كذلك أشارت إلى ضرورة تماسك الوالدين مع بعضهما، ومعرفتهما لكيفية الدعم والإرشاد والتعامل الصحيح مع ولدهما، من خلال محاضرات توعوية وتعليمية لإرشادهما.

وختمت الدكتورة نسيبة تصريحها بالقول، إن "هذه حالات الإصابة بالصدمات تكثر لدى الأطفال الذين واجهوا الحروب، لذلك لابد من أن يكون هناك مختصين قادرين على التعامل مع الأطفال الذين يواجهون اضطرابات سلوكية وانفعالية بشكل صحيح، وأيضا الأجدى في حالة الطفل الذي يمارس أشكال مختلفة من الاضطرابات السلوكية والانفعالية أن يتعرض لمعلميين ومرشدين قادرين على فهم خصائصه النفسية والتعامل معها بشكل صحيح".

أرقام عن الأطفال السوريين

وتشير إحصاءات رسمية، وأخرى صادرة عن منظمات حقوقية، إلى تدهور كبير على صعيد المستوين النفسي والجسدي للأطفال السوريين، حيث أظهرت نتائج بحث أجراه مستشفى "بينديك" للأبحاث في إسطنبول، أن 6 من بين كل 10 أطفال من اللاجئين السوريين يعانون مرضاً نفسياً واحداً على الأقل، نتيجة الصدمة والقلق بعد قدومهم من سوريا.

وقال "ويسي تشيري" أحد الأطباء الذين عملوا على البحث، إن نحو 60 في المئة من الأطفال السوريين اللاجئين يعانون أمراضاً نفسية ناتجة عن الصدمات التي تعرضوا لها في بلدهم.

ويُعد الفقر حالة شائعة بين الأطفال السوريين اللاجئين، حيث قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" في فبراير/ شباط 2018، إن 85 بالمائة من أطفال اللاجئين السوريين في الأردن، يعيشون تحت خط الفقر.

وفي لبنان، قالت الأمم المتحدة مع نهاية العام 2017، إن "58 في المئة من الأسر السورية اللاجئة في لبنان تعيش في فقر مدقع" أي بأقل من 2,87 دولارا أميركياً للشخص الواحد في اليوم.

وفي مارس/ آذار 2018، قالت منظمة "يونيسف" إن ما نسبته 80٪ من إصابات اللاجئين السوريين في لبنان والأردن، هي نتيجة مباشرة للحرب، مشيرةً إلى أن عدم الحصول على الرعاية الطبية والنفسية المناسبة إلى إطالة أمد الإصابات وتفاقم وضعها بين الأطفال.

اقرأ أيضاً: اعتقال للاجئين.. سوريون يخشون الرجوع لمناطق الأسد بعد اختفاء آخرين عادوا لبلدهم

المصدر: 
خاص - السورية نت