تطور العلاقات الأمريكية-الإيرانية (2002-2015) وتأثيرها في أمن دول الخليج

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/7/2015
العصر

مثلت أحداث سبتمبر 2001 نقطة تحول في العلاقات الأمريكية تجاه المنطقة العربية، وخاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية التي عبرت عن عدم ارتياحها من الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها في شهر يناير 2002، مما دفع بالقوات الأمريكية لبحث بدائلها في المنطقة.[1]

ومنذ ذلك الحين أخذت مراكز البحث الأمريكية تدعو إلى تبني إستراتيجية جديدة تتعامل مع المنطقة العربية من منظور الأمن القومي الأمريكي وتوظيف التعددية الإثنية والدينية والمذهبية في المنطقة لخدمة مصالحها، حيث صرحت إحدى الدراسات أن 61 بالمائة من سكان منطقة الخليج العربي البالغ عددهم 81,3 مليون نسمة هم من الشيعة (وهو مجموع سكان كل من: إيران والعراق ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية)، واستنتجت الدراسة أن التعاون مع شيعة الخليج العربي وتمكينهم من تولي نظم الحكم والإدارة يصب في المصلحة الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.[2]

وفي غضون العقد الماضي؛ تأسست الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي على مجموعة من المعطيات الخاطئة، ومن أبرزها:

1-  يمثل الشيعة أغلبية سكانية في منطقة الخليج العربي.

2-  يشكل التعاون بين المنظمات الشيعية وأمريكا في حكم العراق قاعدة لبناء تعاون أكبر يهدف إلى تنسيق المواقف وتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي.

3-  على الرغم من وجود خلافات أساسية مع إيران حول برنامجها النووي؛ إلا أنه من الممكن التعاون معها في حماية مصالح الطرفين في الخليج العربي على نفس النسق الذي تعاونت فيه الدولتان في كل من العراق وأفغانستان.

4-  يتمثل الخطر على المصالح الأمريكية بمنطقة الخليج العربي في ثلاثة عناصر هي: الجماعات "السنية" المتطرفة، والفكر الوهابي المتشدد، وأنظمة الحكم الملكي ذات الطابع الشمولي.

وفي سعيهم للتماهي مع توجهات الإدارة الأمريكية؛ طرح الباحثون المقربون من دوائر اتخاذ القرار السياسي في واشنطن عدة مشاريع للمحافظة على مصالحهم في المنطقة من خلال تمكين المنظمات "الشيعية" من مؤسسات الإدارة والحكم، وذلك عبر محاولة فرض مشروع إصلاحي يعزز مبادئ:"تداول السلطة"، وضمان "الحريات العامة"، وتقليص صلاحيات الأسر الحاكمة في المنطقة.

وتستعرض هذه الدراسة أبرز مراحل تطور الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران والجماعات المرتبطة بها في المنطقة إبان الفترة: 2002-2015، ومن ثم تقدم بعض التوصيات للتعامل مع مخاطر هذه السياسة.

·        تطور العلاقة بين الإدارة الأمريكية والمنظمات الشيعية المرتبطة بإيران (2002-2009)

مثّل مؤتمر لندن الذي نظمه زلماي خليل زاد في ديسمبر 2002 نقطة فارقة في التعاون الأمني والسياسي بين الإدارة الأمريكية والمعارضة العراقية المرتبطة بإيران متمثلة في: "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية"، و"حزب الدعوة"؛ ففي أعقاب ذلك المؤتمر عقد أقطاب المعارضة العراقية لقاءات عدة مع مسؤولين بالخارجية الأمريكية في شيكاغو، ومنذ ذلك الحين بدأت تترسخ العلاقة بين الزعامات الشيعة المرتبطة بإيران وأجهزة الاستخبارات الغربية في المراحل التمهيدية للإطاحة بنظام صدام حسين ومن ثم تمكينهم من تولي مؤسسات الحكم في العراق.[3]

وشكل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول في المنطقة العربية، حيث تم اعتماد نظام سياسي يقوم على تقسيم الحكم بين الأكراد والشيعة والسنة، وأصبح الانقسام العرقي والطائفي في المحافظات العراقية أمراً لا يمكن تجاهله على أرض الواقع.

ومنذ ذلك الحين ارتبط المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط بترجيح كفة المنظمات الشيعية المرتبطة بإيران، والدعوة إلى زيادة تمثيلها في أنظمة الإدارة والحكم، وذلك بعد أن قام الأمريكان بالدور الأكبر في تدمير القدرات العسكرية العراقية والتي كانت تمثل آلة الردع في وجه إيران ومشروعها التوسعي.

وفي المرحلة الممتدة ما بين عامي 2003 و2007 تبنت الإدارة الأمريكية سياسة "دعم الديمقراطية" في الشرق الأوسط باعتبارها أحد أهم ركائز أمنها القومي، وبادرت إلى تنفيذ دورات تدريبية ومحاضرات تثقيفية وجلسات حوارية تستهدف المعارضة الشيعية المرتبطة بإيران في دول الخليج العربية.

وبعد خمس سنوات من النشاط المكثف لبرامج دعم الديمقراطية، لاحظ الباحث الأمريكي ماكسميلان أن الأحزاب السنية التي تعاملت بحذر وريبة مع هذه البرامج قد ضعف دورها، بينما انتعش نشاط المنظمات الشيعية التي تجاوبت مع برامج دعم الديمقراطية وكانت المستفيد الأكبر منها، حيث نظمتزيارات رسمية لزعماء الجماعات المتطرفة مع مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس، وتم ربطهم بالصحافة الغربية والمنظمات الحقوقية الرسمية والأهلية.[4]

وبحلول عام 2007 تحدثت مجلة "ميدل إيست بوليسي" عن انتشار مشاعر القلق في البلدان العربية من تنامي الجماعات المتطرفة المتعاطفة مع إيران، وتردد الحديث عن خطورة المد الإيراني على لسان قادة كل من: الأردن، ومصر، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تأخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، بل ادعت أن حكام الخليج "السنة" يبالغون في الحديث عن الخطر الإيراني دون وجود أي دليل على وجود خلايا إيرانية نشطة في بلادهم منذ منتصف التسعينيات![5]

وفي الفترة التي كانت تواجه دول الخليج العربي تصعيداً من قبل إيران والمنظمات الشيعية المحلية، كانت العلاقات الأمريكية-الإيرانية تشهد تحسناً ملحوظاً؛ ففي الأشهر الأخيرة من رئاسته رفع جورج بوش مستوى العلاقة مع إيران عن طريق إجراء حوارات غير مباشرة، وعبّر أحمدي نجاد عن ترحيبه بالحوار مع الإدارة الأمريكية في شهر يوليو 2008.[6]

وما لبثت صحيفة لوتون السويسرية أن كشفت عن تفاصيل اجتماعات سرية كان يقوم بها ممثلون عن حكومتي واشنطن وطهران في العاصمة السويسرية جنيف خلال الفترة 2003-2009، وذلك بهدف: "مد جسور غير رسمية للحوار بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية،ضمن مبادرة يطلق عليها "تراك2" والتي تستلهم فكرها من اتفاقيات أوسلو".

وأشارت الصحيفة إلى أن الجلسة الأخيرة من هذه المبادرة قد تم عقدها في الفترة الممتدة ما بين 6 و8 مارس 2009، وذلك في سرية تامة بسبب طابعها غير المعلن، وشارك فيها عضو من الحكومة الإيرانية ودبلوماسيون مرموقون، وجاء خبر التسريب هذا ليؤكد انتقال العلاقات الأمريكية-الإيرانية إلى مرحلة جديدة من التنسيق والتعاون في ظل إدارة باراك أوباما الجديدة.

·        الفترة الأولى لإدارة أوباما وسياسة التقارب مع إيران (2009-2012)

أخذت وتيرة التقارب بين واشنطن وطهران تتطور بسرعة أكبر في ظل إدارة باراك أوباما وذلك نتيجة لتبني الحزب الديمقراطي إستراتيجية جديدة تجاه إيران؛حيث صرح روبيرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي السابق في شهر مايو 2009 بأنه يمكن التفاوض المباشر مع إيران بهدف تحسين الأوضاع الأمنية في المنطقة، وأدى ذلك التصريح إلى استياء واسع في العالم العربي حيث شعرت الدول العربية بامتعاض شديد من استبعادها عن تلك المبادرة.

وما لبثت مراكز الفكر الأمريكي أن التقطت توجهات الإدارة الجديدة، فأخذت تنتج مادة مكثفة حول مميزات التقارب مع إيران مستعينة باللوبي الإيراني النشط في واشنطن، ومن أبرز أقطابه ولي نصر،[7] الذي نشر دراسات عدة أشار فيها إلى أن الولايات المتحدة هي التي تقف خلف سياسة تمكين الشيعة في العالم العربي، إذ كان لها الفضل في تأسيس: "أول كيان عربي شيعي في العراق"، وقد فرض ذلك عليها وضع سياسة جديدة للتعامل مع الشيعة في المنطقة الممتدة ما بين لبنان وباكستان.

ورأى نصر أن مصالح الولايات المتحدة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتمكين الشيعة في هذه المنطقة، فالشيعة لم يشكلوا أي خطر إستراتيجي على الولايات المتحدة الأمريكية، بل الجماعات السنية كالقاعدة وطالبان والفكر الوهابي يمثلون الخطر الحقيقي على المصالح الأمريكية، مما يحتم على الإدارة الأمريكية أن تعمل على تمكين الشيعة وحمايتهم، خاصة وأن السيستاني يعتبر من أكبر الداعمين للمشروع الديمقراطي الأمريكي في العراق التي أصبحت أول دولة عربية يعين فيها رئيس وزراء شيعي بصفة رسمية، مؤكداً على أهمية دور المنظمات الشيعية في تحجيم خطر التطرف السني الذي:"ينبع من السعودية والفكر الوهابي"، ونبه نصر إلى أن الدول التي تخضع للحكم الشيعي تتمتع بقدر أعلى من التعددية والتداول السلمي للسلطة.

وفي الفترة نفسها نشرت مجلة الطاقة دراسة رديفة للباحث الإستراتيجي "جيمس لي" بعنوان: "الإسلام الشيعي والنفط كعامل جيوسياسي"،[8] توقع فيها زيادة التأثير الشيعي على الشؤون السياسية والاقتصادية في الخليج العربي، خاصة وأن إيران "الشيعية" هي الدولة الأكبر في المنطقة وتمارس نفوذاً على الأقليات الشيعية في دول الخليج العربي، مؤكداً على ضرورة التعامل مع التشيع كمكون أساسي في المنطقة العربية.

ووافقه في هذه التوصيات الباحث أ. بينات الذي نشر دراسة في مجلة "فورين بوليسي"[9] دعا فيها إلى إعادة النظر في سياسة واشنطن تجاه طهران، إذ إن مصلحتها القومية تقتضي التعاون مع إيران لترتيب الأوضاع الأمنية في الخليج العربي وذلك بالاستناد إلى علاقة التعاون التي قامت بين الطرفين منذ القضاء على حكم طالبان عام 2001، وعلى حكم صدام حسين في العراق عام 2003، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإيران لا تزالان قادرتين على تنسيق مواقفهما الخارجية واعتراف كل منهما بمصالح الآخر في العراق وأفغانستان، ويمكن تعزيز علاقة التعاون هذه للتوصل إلى إستراتيجية أمنية مناسبة للطرفين في الخليج العربي من خلال "الدبلوماسية الهادئة".

كما نشرتمؤسسة "راند"دراسة،[10] دعت فيها إلى الاعتراف بفشل العقوبات الاقتصادية في إيقاف البرنامج النووي الإيراني، وحثت الإدارة الأمريكية على تبني سياسة جديدة تتلخص في: "تقديم حوافز لطهران لإقناعها بعدم إنتاج سلاح نووي، وذلك من خلال التقليل من التهديد العسكري وتخفيف قبضة العقوبات الاقتصادية على طهران".

وفي مقابل أطروحات التعاون والتهدئة مع طهران؛ دعا عدد من المسؤولين في واشنطن إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه الرياض، ونشرتصحيفة "وول ستريت جورنال" مقالاً عبرت فيه عن قلق الإدارة الأمريكية من التحركات العسكرية والدبلوماسية السعودية ضد طهران لأنها تؤثر بصورة سلبية على سياسة واشنطن في التنسيق مع إيران دبلوماسياً والتعاون معها في المحافظة على أمن الخليج.[11]

ولدى اندلاع الاحتجاجات الشعبية في بعض الدول العربية عام 2011؛ تكشفت ملامح التعاون الأمريكي الإيراني في دعم المعارضة الشيعية في الخليج العربي؛ حيث نظمت مؤسسات دعم الديمقراطية الأمريكية دورات متقدمة للمعارضة الطائفية المرتبطة بإيران في مجال استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لتأليب الرأي العام ضد أنظمة الحكم الخليجي، كما انخرط زعماء هذه الجماعات الراديكالية في برنامج "قادة الديمقراطية" الذي رعته وزارة الخارجية الأمريكية، وشارك فيه معارضون مرتبطون بإيران.[12]

ويمكن تتبع علاقات التنسيق والتعاون بين واشنطن وطهران من خلال الدعم الذي تلقته شبكات المعارضة الراديكالية في الخليج العربي عبر مؤسسات دعم الديمقراطية الأمريكية كمبادرة سياسات الشرق الأوسط (MEPI) والمعهد الوطني الديمقراطي (NDI) الذي نظم -بالتعاون مع المنظمة الأمريكية للسلام (USIP)- حملة عدائية ضد دول الخليج العربي عام 2011.

وفي تعليق على النشاط الذي قامت به مؤسسات دعم الديمقراطية الأمريكية ضد أنظمة الحكم في الخليج العربي وعلى رأسها: (MEPI) و(NDI) و(IRI)؛ كتب رون نيكسون مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز أشار فيه إلى حصول هذه المجموعات على مبالغ وتدريب من قبل الإدارة الأمريكية لتمكين الأقليات في هذه الدول.[13]

* الإدارة الثانية لأوباما وانتقال المفاوضات إلى مرحلة العلن (2013-2015):

تميزت الإدارة الثانية لأوباما بالانتقال من مرحلة "الدبلوماسية الهادئة" إلى مرحلة التعاون المعلن مع نظام طهران وخاصة فيما يتعلق بالشأنين: السوري والعراقي، واستبعاد سياسة التهديد العسكري في معالجة الملف النووي الإيراني، حيث نشرت مؤسسة "راند" تقريراً لحساب سلاح الجو الأمريكي تحت عنوان: "مستقبل إيران النووي: الاختيارات الحرجة للإدارة الأمريكية".

ومثلت هذه الدراسة تغيراً في الرؤية الأمريكية إزاء احتواء إيران؛ حيث تضمن اعترافاً ضمنياً بفشل العقوبات الاقتصادية في إيقاف البرنامج النووي الإيراني وضرورة تبني سياسة جديدة تجاه إيران عبر: "تقديم الحوافز لإقناع طهران بالتخلي عن فكرة إنتاج سلاح نووي، والتخفيف من العقوبات الاقتصادية والتخلي عن مفهوم التهديد العسكري"!

وتلقت العلاقات الأمريكية-الإيرانية دفعة قوية لدى تولي حسن روحاني الرئاسة في الثالث من أغسطس 2013 حيث دشن عهده بمبادرة للتقارب مع واشنطن.

ورد الرئيس الأمريكي باراك أوباما على هذه المبادرة بإرسال رسالة ودية إلى نظيره الإيراني، ثم أتبعها بخطاب آخر إلى روحاني يطالبه فيها بكتابه تعهد نصي يعلن فيه أن بلاده لا ترغب في إنتاج أسلحة نووية تمهيداً للتفاوض المباشر وتحقيق انفراجة في العلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي هذه الأثناء مارس وزير الخارجية محمد جواد ظريف دوراً محورياً في تعزيز التقارب بين واشنطن وطهران، مستنداً إلى رصيد علاقاته القوية مع المسؤولين الأمريكيين أثناء عمله مندوباً لبلاده في الأمم المتحدة منذ عام 1982، وشغله منصب نائب وزير الخارجية الإيراني في الفترة 1992-2002، وقد وصفه رئيس المجلس الإيراني-الأميركي تريتا بارسي بأنه أحد المهندسين الأساسيين لخطة حل الملفات العالقة بين أمريكا وإيران عام 2003، والتي أطلق عليها اسم: "الصفقة الكبرى".

وعلى إثر هذه المراسلات تحدثت دراسة لمعهد واشنطن (20 أبريل 2014) عن وجود تحول في المواقف الأمريكية تجاه تقييم الدور الإيراني في المنطقة، أشارت الدراسة إلى وجود توجهات جديدة لدى البيت الأبيض نحو صياغة إستراتيجية أمنية شاملة للمنطقة بالتفاهم مع إيران، وظهرت نبرة التحول الأمريكي في تصريح وزير الخارجية الأمريكي لدى زيارته بيروت مطلع شهر يونيو 2014 عندما دعا إيران و"حزب الله" اللبناني للمساعدة على وضع حد للنزاع في سوريا.

وسرب موقع أمني غربي معلومات مفصلة (29 أبريل 2014) حول جولة مفاوضات أجرتها الإدارة الأمريكية مع "حزب الله"، بهدف التعاون في محاربة: "قوى التطرف السني"، وأشار التقرير إلى أن جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية بات مقتنعاً بأن الحزب قد يكون مفيداً في صياغة معادلة أمنية تقتضي محاربة الجماعات الجهادية باعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدد أمن واشنطن وطهران على حد سواء.

وأكد التقرير أن أول جلستين من المفاوضات عُقدتا بين ممثلين عن الاستخبارات المركزية الأمريكية ومندوبين عن "حزب الله" في قبرص، وتم الاتفاق بين الفريقين على خطوط عريضة لمواجهة الجماعات المتطرفة، وأُسندت إلى السفير الأمريكي في بيروت "ديفيد هيل" مهمة تنسيق الاجتماعات وصياغة نقاط الاتفاق بين الطرفين.

في هذه الأثناء بدا من الواضح أن رؤية الإدارة الأمريكية تنسجم مع الطرح الإيراني في مجال تمكين الأقليات؛ حيث حثت دراسة لمركز "راند" وزارة الدفاع الأمريكية على إعداد خطط فورية لتقسيم المنطقة ووضع ترتيبات نهائية لجغرافيتها السياسية على نسق اتفاقية دايتون (14 ديسمبر 1995)، وذلك بالتزامن مع وجود القوات الأمريكية والإيرانية جنباً إلى جنب في المعارك الدائرة بآمرلي وسنجار شمال العراق.

* ملامح التعاون الأمريكي-الإيراني في طوره الجديد:

في عام 2014 بدأ التعاون الأمريكي-الإيراني يأخذ أبعاداً أمنية وعسكرية، وأخرى سياسية يمكن تفصيلها فيما يأتي:

1-التعاون السياسي

تظهر ملامح التعاون السياسي بين واشنطن وطهران في الدعم الذي تتلقاه الجماعات الطائفية المتطرفة المرتبطة بالنظام الإيراني، حيث يمثل "المركز الإسلامي" بمسجد ديترويت في ولاية ميتشيغن نواة لنشاط "حزب الله" اللبنانيو"حزب الله العراقي" وغيرها من الجماعات التي تتخذ من مدينة ديترويت قاعدة لنشاطها في أمريكا الشمالية، وقد أعيد بناء المسجد عام 2005 ليصبح أكبر مسجد في الولايات المتحدة بتكلفة قدرها 15 مليون دولار.

ويرعى بعض المنسوبين لهذا المركز نشاطاً سياسياً واسعاً بالتعاون مع مؤسسات حقوقية مرموقة مثل برنامج (Equitas) الكندي لتعليم حقوق الإنسان ومنظمة (Frontline) لحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، وهيومنرايتسووتش، ومنظمة أطباء بلا حدود، والبرلمان الأوروبي، ومنظمة صحفيين بلا حدود، ويتمتع الناشطون الشيعة في هذا المركز بتمويل السخي من الوقف القومي الأمريكي للديمقراطية (National Endowment for Democracy) ولجنة حقوق الإنسان في الكونغرس الأمريكي (Congressional Human Rights Commission)، ولديهم علاقة وثيقة بلجنة حقوق الإنسان في البرلمان البريطاني، حيث عقدوا فعاليات مشتركة بين أعضاء الكونغرس الأمريكي ومجلس اللوردات البريطاني في الفترة 2011-2013، بحضور شخصيات شيعية مدعومة من قبل إيران مثل حمزة الحسن وسعيد الشهابي.

كما يحظى العديد من الباحثين الغربيين بتمويل إيراني سخي نظير انتقاد مؤسسات الحكم والإدارة في دول مجلس التعاون، وبالأخص منهم باحثو جامعة درم برئاسة كريستوفر ديفيدسون مؤلف كتاب: "الانهيار القادم للأنظمة الملكية في الخليج" والذي يتمتع بعضوية المعهد الملكي للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI) وقد نشر أربعة كتب أخرى، في الفترة 2005-2011، تتناول الشؤون السياسية والاقتصادية في الخليج العربي بصورة سلبية.

وقد فجرت الصحافة البريطانية فضيحة من العيار الثقيل عندما نشرت تقارير مفصلة حول المبالغ التي تلقاها ديفيدسون من السفارة الأمريكية ومن الحرس الثوري الإيراني على حد سواء، وذلك بهدف: "إجراء دراسات وعقد فعاليات تجمع شخصيات دينية إيرانية بدعم من واشنطن".

وبالإضافة إلى التمويل الأمريكي؛ أقر كريستوفر ديفيدسون بأن الجامعة قد تلقت أموالاً من الحرس الثوري الإيراني، وكذلك من السفارة الإيرانية في لندن وذلك بهدف: "عقد فعاليات تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الغرب ومختلف مؤسسات الحكم في إيران".

وأشارت صحيفة "غارديان" إلى أنه على الرغم من ادعاء ديفيدسون أن هذه البرامج تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وتشجيع الحكومة الإيرانية إلى دعم الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان؛ إلا أن ديفيدسون في الواقع لا ينتقد الحكم في إيران على الإطلاق، بل يقوم (مع مجموعة من طلابه) بشن حملات إعلامية ضد دول الخليج العربية، ويبشر في الإعلام الغربي بقرب "سقوط الأنظمة الخليجية".

وجدير بالذكر أن العديد من طلاب ديفيدسون يساهمون في الحملات التي تشنها قناة "بريس تسي في" الإيرانية التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقراً لها، ويعملون بصورة وثيقة مع المعارضة الشيعية التي تقيم في مكاتب ومؤسسات تملكها السفارة الإيرانية بلندن.

2-التعاون الدبلوماسي:

تعمل طهران على تثبيت دورها الجديد كقوة مركزية تهيمن على بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وتبدي استعدادها للقيام بدور إقليمي عبر تبني: "الدبلوماسية الإيجابية" الهادفة إلى إنشاء منظومة أمنية تعاونية بين إيران والغرب، وهو الأمر الذي تشجعه واشنطن.

ففي غضون الأشهر الماضية نشطت الدبلوماسية الأمريكية في تعزيز دور إيران الإقليمي والثناء على دورها في محاربة "داعش" ونجاحها في إقناع نظام دمشق بالتخلي عن سلاحه الكيميائي، وفي الوقت ذاته يبث الإعلام الأمريكي مادة خصبة حول إمكانية استثمار علاقات التعاون مع إيران لنزع فتيل الأزمات التي تعصف بالمنطقة، والعمل على تحويل إيران من "دولة مارقة" إلى عامل توازن إقليمي يمكنّها من الاندماج في منظومة أمنية جديدة تبنى على أنقاض الجمهوريات البائدة في مرحلة الربيع العربي، وتقوم هذه الإستراتيجية على الدبلوماسية التصاعدية، التي تستثمر فرص التعاون الإقليمي لبناء العلاقات وتحقيق المزيد من المنجزات.

وفي مقابلة له مع موقع "ألمونيتور" يوم الخميس 16 يناير 2014؛ اعترف مساعد وزير الخارجية الأمريكي ويليام بيرنز أن الإدارة الأمريكية قد أقامت علاقات سرية بنّاءة مع إيران، وقام الطرفان بتشكيل رؤية للدور الإيجابي الذي يمكن أن تمارسه حكومة روحاني في المرحلة المقبلة؛ وأكد بيرنز أنه أجرى اتصالات سرية مع الإيرانيين لمناقشة الدور الإيجابي الذي يمكن أن تمارسه إيران في المرحلة المقبلة، مشيراً إلى قيام مسؤولين أمريكيين بإجراء اتصالات دورية مع نظرائهم الإيرانيين عبر "الهاتف والفاكس" بسرية تامة خلال الفترة الماضية، وأثنى على فريق روحاني وظريف وتفهمهم للقلق الأمريكي من ظاهرة : "تنامي دور جماعات التشدد السني ومخاطر امتدادها في المنطقة".

3-التعاون العسكري:

سرب المسؤول السابق عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأميركية فردريك هوف في شهر مارس 2015 تفاصيل سلسلة اجتماعات سرية أمريكية-إيرانية عُقدت في الأشهر الماضية لمناقشة الدور الإيراني في مواجهة المخاطر الأمنية المشتركة بين واشنطن وطهران، وتحدث هوف عن أهمية الجولة الخامسة التي انتهت في شهر فبراير الماضي واتفق الطرفان فيها على تقييم المخاطر التي يمكن أن تواجهها المنطقة إذا انهار النظام السوري.

وتأتي تسريبات هوف بالتزامن مع ظهور أرتال من ميلشيا "حزب الله" العراقي المرتبط بفيلق القدس في مقاطع مصورة وهي مزودة بأسلحة ومعدات أمريكية ثقيلة من ضمنها دبابات من طراز (M1 Abrams tank) وناقلات جنود من طراز  (M113) و(Humvees) و(Mine-Resistant Ambush Protected vehicles MRAP)، وذلك في ظل تردد الحديث عن حصول ميلشيات شيعية على أسلحة أمريكية مثل: "عصائب الحق" و"منظمة بدر" و"كتائب اليوم الموعود" والتي تقوم بعمليات قتالية في العراق وسوريا تحت إشراف اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

وكان موقع "بلومبيرغ" قد نشر معلومات خطيرة حول وقوع الأسلحة التي ترسلها الإدارة الأمريكية إلى الجيش العراقي بيد الميلشيات المرتبطة بإيران، ونقل الموقع عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية قوله: "إن الإدارة الأمريكية تدرك أن الألوية المشكلة حديثاً في الجيش العراقي تتكون من ميلشيات تعمل تحت إمرة فيلق القدس الإيراني، ولكنهم يغضون الطرف عن ذلك"، وأكد السيناتور جون مكاين أن الجيش الأمريكي يعلم بأن القيادة العراقية قد سلمت الميلشيات التابعة لإيران كثيراً من المعدات والأسلحة التي قامت واشنطن بشحنها للجيش العراقي، وذلك لاعتقادهم أن الجيش العراقي سيحتاج إلى وقت طويل وتدريب شاق حتى يصل إلى مستوى الجهوزية القتالية في حين إن عامل الوقت لا يساعد على ذلك.

وفي تعليقه على تلك التسريبات؛ أقر الضابط المتقاعد في جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية مايك فلين بصعوبة تتبع مصير الأسلحة والمعدات الأمريكية المرسلة إلى الجيش العراقي، مؤكداً أنه بمجرد تسليم الأسلحة والذخيرة إلى بغداد فإن آلية التصرف بها تصبح مجهولة بالنسبة للأمريكان وخاصة فيما يتعلق بشحنات الأسلحة الخفيفة والذخيرة والمبالغ النقدية.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أكدت تسليم الجيش العراقي عشرة آلاف بندقية من طراز إم-16 وإمدادات عسكرية أخرى بقيمة حوالي 17,9 مليون دولار في الأسبوع الأخير من شهر فبراير الماضي، وقال المتحدث باسم البنتاجون الكولونيل ستيف وارن إن عشرة آلاف منظار و100 ألف مظروف ذخيرة أرسلت أيضا إلى العراق، وقد ظهرت الكثير من هذه الأسلحة بيد ميليشيات عراقية وإيرانية تقاتل في العراق وسوريا.

* مخاطر التعاون الأمريكي-الإيراني على أمن دول الخليج العربية:

استعرضت هذه الدراسة تطور علاقة الإدارة الأمريكية مع إيران ابتداء من مرحلة الاجتماعات السرية، مروراً بالتفاوض العلني، وانتهاء بالتعاون السياسي والعسكري القائم على تحديد المخاطر المشتركة.

ومن خلال استقراء دراسات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي يمكن تحديد أبرز ملامح التعاون بين واشنطن وطهران في النقاط التالية:

-          المحافظة على المكتسبات المشتركة في العراق

-          تعزيز التعاون الأمني في آسيا الوسطى

-          محاربة الجماعات المسلحة السنية

-          ترسيخ نظم الحكم الفيدرالية وتوطيد اللامركزية في الجمهوريات العربية المتداعية

-          تمكين الأقليات في البلدان العربية من مؤسسات الحكم والإدارة المحلية

-          التعاون الاقتصادي وخاصة في موارد الطاقة وتأمين المعابر البحرية

إلا إنه لا بد من التأكيد على أن علاقات التعاون هذه تقوم على محاولة دفع إيران لممارسة دور "إيجابي" والعمل على احتوائها وتوظيفها في خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، ولا ترقى هذه العلاقات إلى مستوى التكامل أو تشكيل منظومة أمنية ضد القوى المنافسة، إذ إن السياسة الأمريكية لا تزال ترتكز على مفهوم "الاحتواء المزدوج" واعتماد التدرج والمرحلية في تحقيق الأهداف.

وبناء على هذه المعطيات فإنه يمكن تحديد أهم مخاطر التعاون الأمريكي-الإيراني في النقاط التالية:

أولاً؛ تعزيز النفوذ الإيراني في الخليج العربي من خلال تأسيس نظم فيدرالية

طرحت مؤسسات أمريكية مقربة من دوائر اتخاذ القرار في وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين فكرة إعادة رسم الخارطة العربية، حيث انصب الاهتمام الأكبر على استنساخ التجربة العراقية وإعادة تطبيقها في الخليج العربي، إذ يمكن منح الشيعة دولة ممتدة من جنوب البصرة إلى البحرين مروراً بالمنطقة الشرقية، وقد استقطبت هذه المخططات اهتمام عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين في الفترة 2002-2007.

ثانياً؛ تمكين المنظمات الشيعية المرتبطة بإيران تحت شعار الإصلاح السياسي

تبنت الإدارة الأمريكية السابقة سياسة تعزيز الإصلاح السياسي في البلاد العربي كخيار إستراتيجي، وورد ذلك على لسان الرئيس السابق جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، وسارت إدارة أوباما فيما بعد على النسق نفسه، وترتكز هذه السياسة على إعادة صياغة الأنظمة السياسية في دول الخليج العربي من خلال إضعاف الأسر الحاكمة وزيادة التمثيل السياسي للأقليات الشيعية المرتبطة بإيران. وفي الفترة الممتدة ما بين 2003 و2007؛ ظهرت العديد من الدراسات التي تحث على تمكين الشيعة في الخليج العربي، واعتبار أنهم يمثلون الأغلبية السكانيةودعوة الإدارة الأمريكية إلى التفاوض المباشر معهم وتمكينهم من أجهزة الإدارة والحكم.

ثالثاً؛ التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون عبر برامج الديمقراطية

في الفترة الممتدة ما بين 2007 و2014؛ بدت ملامح التعاون بين الإدارة الأمريكية والمنظمات الشيعية واضحة للعيان، حيث بدأت الدول العربية تشعر بخطورة هذه العلاقة على أمنها واستقرارها، في حين أخذت الأقليات الشيعية تتقدم بأطروحات أكثر جرأة للمطالبة بالحكم الذاتي أو الانفصال السياسي، وحتى بتشكيل حكم شيعي في الخليج العربي. وفي هذه الفترة نجحت المنظمات الشيعية في التغلغل داخل مؤسسات صنع القرار الغربي وتمكنت من توصيل منظومة من الأفكار المتعلقة بالحقوق والحريات وزيادة التمثيل السياسي، واحترام خصوصية أبناء الطائفة في المنطقة.

رابعاً: المخاطر الإستراتيجية

يتردد الحديث في الآونة الأخيرة عن امتداد النفوذ الإيراني ليشمل معابر التجارة العالمية والمضائق البحرية الرئيسية وموارد الطاقة، ويمكن العثور على كم كبير من الدراسات التي صنفها باحثون أمريكيون حول ضرورة تعزيز العلاقات مع شيعة المنطقة بهدف تأمين موارد الطاقة الأحفورية في جنوب العراق والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، كما دعت بعض الدراسات التابعة لجهاز الاستخبارات المركزية والكونغرس الأمريكي إلى تعزيز التعاون بين الجماعات الشيعية التابعة لإيران في لبنان والبحرين لقربهما من قيادة الأسطولين الأمريكيين الخامس في الخليج العربي والسادس شرقي المتوسط، إضافة إلى ضرورة الاعتراف بالنفوذ الإيراني المتنامي بالقرب من مضيقي هرمز وباب المندب، ولا شك في أن هذا النمط من التعاون الأمريكي-الإيراني سيضع دول مجلس التعاون أمام حزمة من المخاطر الإستراتيجية الكامنة.

خامساً: المخاطر الاقتصادية

لا تزال ارتدادات انخفاض أسعار النفط تتصدر النشرات الاقتصادية، حيث يحتدم الجدل حول مسببات تدهور سوق النفط وانعكاساته على مستقبل المنطقة، إلا أن التوجهات الأمريكية لرفع العقوبات الأمريكية عن إيران وتلاعب واشنطن بأسعار النفط من خلال وقف عمليات التنقيب وضخ كميات كبيرة من احتياطيها في السوق قد أسهم في انخفاض الأسعار وأفقد أوبيك القدرة على التحكم في الأسعار.

وبالنظر إلى العمليات العسكرية الإيرانية التي تتمتع بدعم أمريكي في العراق وسوريا فإن دول مجلس التعاون تجد نفسها اليوم أمام إشكاليات اقتصادية خطيرة، وخاصة فيما يتعلق بالأمن الغذائي وأمن طرق التجارة، وتتضاعف المخاطر في ظل الدعم الإيراني للمتمردين الحوثيين الذين يسعون إلى بسط سيطرتهم على مضيقي عدن وهرمز وبحر العرب.

وعلى الصعيد نفسه فإن سياسة رفع العقوبات الأمريكية الاقتصادية عن إيران ستمكن طهران من ضخ المزيد من الدعم للميلشيات الطائفية العابرة للحدود، وتشكل عملية وقف امتداد هذه الجماعات استنزافاً اقتصادياً هائلاً لاقتصاديات دول مجلس التعاون التي تجد نفسها مضطرة إلى دفع التكاليف الباهظة لوقف المد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

سادساً: المخاطر الإيديولوجية

تشكل تحديات الهوية الوطنية والإقليمية أكبر مهدد لأمن دول المنطقة، حيث يحتدم الصراع الداخلي بين القوى الإسلامية والليبرالية في الجمهوريات المتداعية، في حين تتناقض مواقف دول مجلس التعاون في سياسات الدعم والتمويل، مما يعززالمشهد الانقسامي ويضاعف المخاطر الأمنية على دول الخليج العربية.

إلا أن المشكلة الأكبر بالنسبة لهذه الدول تكمن في التوافقات الأمريكية-الإيرانية على اعتبار الإسلام "السني-الوهابي" مصدر التطرف والإرهاب في المنطقة، وارتكاز العقيدة القتالية لكل من واشنطن وطهران على تصنيف الفكر الوهابي (بمختلف فروعه) المهدد الأكبر لأمنهما.

ومنذ أحداث سبتمبر 2001؛ انخرطت مراكز الفكر الأمريكية والأوروبية في شن حملة شعواء ضد المملكة العربية السعودية واتهامها بتمويل الجماعات السنية المتطرفة، حيث يتزعم المنظر الفكري للديمقراطيين برنارد لويس وعراب السياسة الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر الحملة ضد المملكة العربية السعودية والدعوة إلى الضغط عليها عبر مختلف الوسائل المتاحة وتقسيمها على أسس إثنية وطائفية.

* الخيارات المتاحة:

تمثل التطورات المحلية والإقليمية حزمة من الفرص الكامنة في التعامل مع سياسة التقارب الأمريكي-الإيراني؛ إذ قدمت عملية انتقال السلطة في المملكة العربية السعودية عقب وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز نموذجاً للتحول الدبلوماسي دون إثارة عواصف إقليمية ومهدت للانتقال الهادئ من جيل الأبناء إلى جيل الأحفاد دون اندلاع صراع داخلي كما كانت تتوقع مراكز الفكر الأمريكية.

وبالنظر إلى ما تتميز به السياسة الأمريكية من مرونة تتيح لها مجال التأقلم مع التطورات فإنه لا بد من التأكيد على وجود إطار واسع للتحرك الإقليمي وممارسة الضغوط السياسية التي تؤثر على مراكز اتخاذ القرار في واشنطن، فالإدارة الأمريكية تتعامل مع دول الخليج العربي كأكبر سوق للسلاح ولا ترغب في خسارته دفعة واحدة لصالح نظام طهران، بل ترغب واشنطن في المحافظة على التوازنات الإقليمية، وهو أمر يصعب التكهن بإمكانية استمراره في ظل حنق دول مجلس التعاون وامتعاضها من التقارب الأمريكي-الإيراني.

لا شك في أن هناك أدوات كثيرة للتأثير بيد الرياض وحلفائها، وخاصة فيما يتعلق بالضغط الاقتصادي؛ إذ لا تزال منطقة الخليج العربي تصنف كثاني أفضل قطاع اقتصادي في العالم، كما أنها تتحكم بموارد الطاقة وتستحوذ على الحصة الأكبر من احتياط النفط العالمي، وينظر إليها على أنها الضامن الاقتصادي في عملية إعمار الجمهوريات المتداعية، وسيكون من الصعب على واشنطن أن تبيع حلفاءها دفعة واحدة أو أن تعمل على تقسيم المنطقة بصورة فجائية، خاصة وأن تقارير الاستخبارات المركزية والبنتاغون تؤكد على ضرورة تعزيز التحالف العسكري والاقتصادي مع دول مجلس التعاون في مواجهة المتغيرات الكبرى في المنطقة.

وعلى الرغم من العلاقات التاريخية الوطيدة؛ إلا أن سياسة التقارب الأمريكي مع طهران قد فتحت مجال التكهنات حول إمكانية استمرار هذه العلاقات على النسق نفسه، وإمكانية الدفع بالعلاقات التاريخية مع الرياض نحو تمايز إستراتيجي يمكن أن يعود بعواقب وخيمة على المنطقة بأسرها.

وبالنظر إلى هذه المتغيرات يمكن تحديد حزمة الخيارات المتاحة لدول مجلس التعاون في النقاط التالية:

1-      تعزيز الجبهة الداخلية ومعالجة الشأن الداخلي: مثلت قضايا الحريات العامة والتمثيل السياسي ومشكلات الشباب والبطالة والتنمية منافذ خطيرة للجماعات الطائفية عبر الدعوة إلى تغيير مؤسسات الحكم والتدخل الخارجي من بوابة حقوق الإنسان ودعم الديمقراطية، ولا شك في أن تبني مشروع إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي شامل سيسهم في معالجة المشاكل الداخلية ويغلق أبواب التدخل الخارجي الضاغط باتجاه الفيدرالية واللامركزية وتمكين الأقليات.

2-      حل المشاكل الخليجية العالقة ودعم العمل المشترك: أسهمت حالة التنازع الخليجي وتورط بعض دول مجلس التعاون في دوامة الاستقطاب الإقليمي في إضعاف الجبهة الخليجية وفتح بوابة التدخل الأمريكي-الإيراني في الشأن الخليجي وتهديد الأمن المشترك، ومع الإشادة بالتوجهات الجديدة للحكم في الرياض لمعالجة هذه الخلافات ودفع دول مجلس التعاون للاهتمام بالقضايا المصيرية إلا أنه لا بد من بذل جهود أكبر بهدف خدمة الأمن الإقليمي ومعالجة المهددات المشتركة.

3-      تأسيس منظومة أمنية إقليمية: تجمع الدول الإسلامية الرئيسة كباكستان وتركيا ومصر والدول العربية في مجموعة تفاهمات عسكرية واستخباراتية واقتصادية تحافظ على أمن هذه الدول وتواجه المخاطر المشتركة

4-      سياسة الاتجاه شرقاً: قطعت دول مجلس التعاون شوطاً في هذه السياسة من خلال فتح مجال التعاون السياسي والاقتصادي مع القوى الرئيسة في آسيا وعلى رأسها روسيا والصين والهند ودول جنوب شرق آسيا، إلا أن هذه الدول لا تزال غير مستعدة للتورط في نزاعات المنطقة، وقد تحتاج هذه السياسة إلى وقت ليس بالقصير لإنضاج مفهوم التعاون الشرقي في مواجهة الهيمنة الغربية.

5-      المواجهة العسكرية في سوريا والعراق واليمن: تشير المصادر إلى توجهات جادة لدى بعض دول مجلس التعاون في تمويل وتسليح ودعم القوى القبلية والمجموعات السنية التي تواجه المد الإيراني في كل من العراق وسوريا واليمن، ولا شك في أن هذه التوجهات سيكون لها أثر بالغ في إفشال التفاهمات الإيرانية-الأمريكية واستنزاف أطراف الصراع إلا أن هذه المجموعات لا تزال تعاني من قلة الموارد والملاحقة القانونية جراء تجريمها في مقابل شرعنة الجماعات الشيعية المتطرفة وتعزيز دورها القتالي في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

6-      المواجهة الإعلامية: يتعين على دول مجلس التعاون صياغة خطاب قومي جامع على أنقاض الفكر التفتيتي وتأجيج مشاعر الاحتقان الطائفي الذي تؤججه إيران، ومن المؤسف أن تنفق بعض العواصم الخليجية ملايين الدولارات على شركات العلاقات العامة الغربية بهدف محاربة التوجهات الإسلامية ومهاجمة الدول المخالفة لها، في حين لا تلتفت إلى المخاطر الكامنة في المشروع الطائفي الإيراني.

7-      المواجهة الدبلوماسية: وذلك من خلال تشكيل كتلة من الدول المناهضة للترتيبات التي تعمل كل من طهران وواشنطن على صياغتها، وفي ظل التناقضات الدولية والصراعات العالمية متعددة الأطراف فإن فرص الاستفادة من تباين المواقف الروسية والصينية والأوروبية تجاه الدبلوماسية الأمريكية تبدو واعدة وذلك بالاستناد إلى تبني مجموعة من المبادرات في مختلف المنظمات الأممية والإقليمية.

8-      المواجهة الاقتصادية: على الرغم من الارتباط المصيري لاقتصاديات دول الخليج العربية بالاقتصاد الأمريكي واعتماد عملتها على الدولار؛ إلا أن السياسة الخارجية لا ترتكز على سيادية الاقتصاد، بل تكمن في القدرة على المناورة والالتفاف على التبعية في ظل العولمة، وقد نجحت إيران في التأسيس لمنظومة اقتصادية لتفادي العقوبات الأمريكية بتواطؤ صيني-هندي-روسي ودعم تركي يقوم على أساس المصالح المتبادلة، ويمكن لدول الخليج العربية أن تمارس وسائل الضغط الاقتصادي للتأكيد على دورها المحوري في بسط الأمن والاستقرار في منطقة تعج بالحروب والنزاعات.

وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية تواجه تحديات داخلية كبيرة في سياستها تجاه إيران، وتتوقع العديد من الدراسات الاستشرافية أن تكون هذه السياسة أحد أبرز عوامل خسارة الحزب الديمقراطي أمام الجمهوريين في الانتخابات الأمريكية القادمة، ولا بد من الاعتراف بأن تقييم العلاقات الأمريكية-الإيرانية لا يتوقف على رؤية الحزب الجمهوري أو الديمقراطي بل يشمل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ومعاهد الفكر التي تسهم في تشخيص المصلحة القومية، إلا أن تولي الجمهوريين سيؤدي إلى متغيرات حتمية في هذا الملف، ويمكن أن تتوجه مؤسسة الحكم الجديدة نحو استعادة بعض التوازنات في المرحلة القادمة.

تعليقات