تعدد الزوجات في زمن الحرب بسوريا: ظاهرة تفرض نفسها على مجتمع يختلف حولها

سبت 20 أكتوبر / تشرين الأول 2018

صفاء صباغ - السورية نت

لم تحد الظروف التي عاشها السوريون خلال السنوات السبع الماضية من تعدد الزوجات، لتبقى هذه الظاهرة حاضرة في المجتمع السوري حيث تختلف آراء الناس حيالها.

والجدل حول هذه الظاهرة لا يزال مستمراً، وإن كان المجتمع قد أصبح أكثر تقبلاً لها جراء الظروف الصعبة التي عايشها سوريون لا سيما النساء منهم، بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011.

وفقدت نساء السوريات عائلاتها بأكملها، وأخريات فقدن أزواجهن ووجدن أنفسهن يعشن تحت ظروف قاسية للغاية بلا معيل، وفي السابق لم يكن المجتمع يتقبل فكرة تعدد الزوجات إن لم يكن هناك اضطرارية للزاوج من قبل الرجل أو الامرأة، كعدم قدرة أحدهما على الإنجاب.

واللافت أنه على الرغم من الظروف الاقتصادية للسوريين التي تدهورت باستمرار طيلة السنوات السبع الماضية، إلا أن تعدد الزوجات ظلت نسبته مرتفعة، ففي دمشق وحدها وصلت نسبة الزواج من امرأة ثانية إلى نحو 40%، وفقاً لما ذكرته صحيفة "الوطن" المؤيدة لنظام الأسد، في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2018.

أسباب مختلفة

وتتعدد أسباب الزواج الثاني، وأبرزها زيادة نسبة العنوسة في المجتمع السوري، حيث يرى القاضي الشرعي الأول في دمشق، محمود المعراوي، أن "الزواج الثاني أحد الحلول المقترحة للقضاء على ظاهرة تأخر الزواج أو العنوسة التي برزت بشكل واضح خلال سنوات الحرب".

وأشار المعراوي في وقت سابق، إلى أن "الزواج الثاني هو حل قد لا يرضي معظم النساء السوريات أو ربما جميعهن"، لكن اعتبره "حلا واقعياً ومنطقياً للتخلص من هذه الظاهرة"، وفق رأيه.

وتشير تقديرات إلى أن نسبة العنوسة في سوريا، وصلت إلى 70 % بعد العام 2011، وتعود أسباب ذلك، إلى خروج عشرات آلاف السوريين من فئة الشباب من بلدهم هرباً من التجنيد الإلزامي في صفوف قوات الأسد، فضلاً عن المهور الغالية التي لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي للشباب، بالإضافة إلى تكاليف الأعراس الباهظة.

ويضاف إلى ذلك تغييب عشرات آلاف الشباب السوريين في معتقلات النظام، كما كان للمعارك التي اندلعت بين النظام والمعارضة طيلة السنوات السبع الماضية، أثر في تقليل نسبة الذكور في سوريا، لا سيما من فئة الشباب، ووفقاً لوزير التنمية السابق في حكومة الأسد، حسان النوري، فإن نسبة الإناث في سوريا وصلت إلى 60 بالمئة عام 2016، بعدما كانت 49 % في العام 2010.

الحاجة إلى معيل

ويثير تأخر زواج النساء شعوراً لهن بالوحدة، فضلاً عن أن نظرة بعض الأشخاص لهن في المجتمع يصيبهن بالإحباط، فالكثير من الفتيات يحلمن في الزواج لتأسيس حياة جديدة بعيدة عن نظرات الاستعطاف أو الاستهجان من قبل المجتمع، ما يدفع بعضهن للقبول بفكرة الزواج من رجل لديه زوجة أخرى، طالما أنه قادر على تأمين متطلبات الحياة، والإنجاب.

وتلجأ نساء أخريات إلى الزواج من رجل متزوج، لتقليل مصاعب الحالة الاقتصادية الحرجة التي يعشنها في سوريا، خصوصاً بعد فقدان الزوج الأول وما إذا كان هنالك أطفال بحاجة إلى رعاية.

وفي تصريح لـ"السورية نت"، قالت الدكتورة والأخصائية الاجتماعية، رغداء زيدان، إن من "الأسباب المؤدية لزيادة تعدد الزوجات، تبعات نتائج الحرب، فنسبة الأرامل كثيرة وشروط الزواج أصبحت أسهل، من حيث المهر وغيره من متطلبات الزواج، بالإضافة أن شروط الأهل أصبحت أقل".

ورأت أنه في الوقت الذي يستمر فيه تعدد الزوجات، ما يزال المجتمع يرفض هذا النوع من الزواج، ولكن إلى حد ما يبرره أكثر من قبل، مضيفةً: "يمكننا القول أصبح المجتمع متساهلاً تجاه هذه الظاهرة".

زيدان أشارت إلى أنه عند الحديث عن تعدد الزوجات، فنحن أمام وجهتي نظر، فالنسبة لرأي الرجل المُقدم على الزواج من امرأة ثانية، فإنه ينظر للأمر على أن الشرع حلل له ذلك، فيما تبرر النساء موقفهن، بالانطلاق من حاجتهن للرعاية والمعيل، خصوصاً في الوقت الراهن في سوريا.

نظرة المجتمع للمطلقة

وهذه الحاجة إلى الرعاية، لا تقتصر فقط على النساء الأرامل، بل حتى المطلقات، اللواتي يعانين من نظرة بعض الأشخاص لهن في المجتمع، ما يدفعهن إلى القبول بالزواج مرة أخرى.

ونظرة المجتمع للمرأة المطلقة، تضيف إلى حياتها ظروفاً صعبة أخرى، وتجد بعض النساء المطلقات أنفسهن محكومات بقيود وأساليب حياة مختلفة عن بقية النساء.

وكانت الأوضاع التي عاشتها سوريا منذ العام 2011، سبباً في زيادة حالات الطلاق بالمجتمع، قابلتها زيادة في الزواج مرة أخرى، إذ تشير إحصائية قضائية إلى ارتفاع نسبة الطلاق في دمشق من 27 إلى 31 بالمئة العام الماضي، ووفق الإحصائية فإن عدد حالات الطلاق التي ثُبتت في المحكمة العام الماضي بلغت 7703 حالات.

وترى مطلقات أنهن يتعرضن للظلم بنظرة المجتمع إليهن، كإلقاء اللوم عليهن بأنهن السبب في الطلاق، والمشاكل في العلاقة الزوجية، وليس الرجل.

زواج اللاجئات

وتتشابه بعض الظروف لدى نساء سوريات لجأن إلى أوروبا أو دول مجاورة، مع ظروف نساء ظللن في سوريا، فبعض النساء اللاجئات (على وجه الخصوص في دول عربية) بالزواج من رجل لديه زوجة أخرى، للشعور بالأمان، والإعالة، وتقاسم الأعباء الحياتية مع الزوج.

كما أن الزواج في هذه الحالة، قد ينقذ الامرأة من الفقر، ويدعمها من الناحية النفسية في ظل ظروف الحياة الصعبة، التي تزداد سوءاً مع عيش النساء لوحدهن، أو مع أطفالهن في الغربة، ووسط مجتمع غريب عليهن، خصوصاً إذا ما أُخذ بالاعتبار، عيش اللاجئات في مجتمع جديد ببلد اللجوء لديه مواقف سلبية من اللاجئين.

وتعاني نساء سوريات لاجئات من مرارة العيش وقلة الدخل، حيث أشار تقرير خطة الاستجابة الإقليمية للأمم المتحدة أن الإناث السوريّات يشكلن 48.5% من اللاجئين في دول الجوار، وبعض منهن يعملن أيضاً لساعات طويلة مقابل أجور متدنية.

آثار سلبية

وعلى الرغم من أن تعدد الزوجات قد يحل بعض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، حسبما يقول المدافعون عنه، إلا أن لهذا النوع من الزواج آثار سلبية أيضاً.

وقالت الدكتورة زيدان لـ"السورية نت" في هذا الصدد: "غالباً تعدد الزوجات يكون له أثر سلبي على العائلة من نواح كثيرة، مثل صعوبة تحقيق رب الأسرة للتوازن بين الزوجات، فالكثير من الرجال يتزوجون لزيادة عدد الزوجات فقط، وفي هذه الحالة يتحمل أولاد الزوجة الأولى مسؤولية إعالة العائلة بدلاً من الأب".

وفي بلدان أوروبا التي لجأت إليها نساء سوريات، فإنهن يواجهن مشكلات إذا ما أردن الزواج من رجل لديه زوجة أخرى، إذ تمنع قوانين هذه الدول تعدد الزوجات، ولذلك فإن هذا الزواج فيه نوع من المخاطرة، نظراً لأن حقوق المرأة ليست مكفولة، جراء عدم تثبيت زواجها من رجل متزوج في المحاكم.

وحتى في سوريا، يمنع قانون الأحوال الشخصية رجال الدين من تثبيت الزواج خارج المحكمة، إلا أنه كثيراً ما يتم تجاوز القانون، وفي هذه الحالة ستواجه النساء عقبات في حال أردن المطالبة بحقوقهن كزوجة.

ومن الآثار الأخرى لتعدد الزوجات، زيادة التوتر بين أفراد الأسرة والخلافات، التي تنجم عن الغيرة بين الزوجات، وصعوبة العدل بينهن، وينعكس هذا الخلاف على الأبناء بشكل سلبي، يترك أثره على استقرارهم النفسي، خصوصاً إذا ما رفض الأبناء بشكل قطعي، زواج والدتهم من رجل متزوج، أو رفض أبناء الزوج زواج والدهم من أخرى غير والدتهم.

اقرأ أيضاً: أمهات سوريات حُرِمن من أطفالهن: القانون والمجتمع لا ينصفهن

المصدر: 
خاص - السورية نت