تعهُد "قطعاً لن تتكرر مجدداً" يموت في سجون الأسد

صورة جوش روجن - واشنطن بوست

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-02-08
واشنطن بوست - ترجمة السورية نت

خلال خطابه السنوي للدولة، استحضر الرئيس ترامب المحرقة، مادحاً بعض ضيوفه المدعوين: جنود أمريكيون حرروا مخيمات الاعتقال النازية وضحايا تلك المخيمات.

تجبرنا تعليقات ترامب على أن نسأل أنفسنا: هل تلتزم الولايات المتحدة بتعهدها – الذي تم التعبير عنه مراراً بعد القتل الجماعي لليهود وللأقليات الأخرى خلال الحرب العالمية الثانية – والذي فحواه "قطعاً لن يتكرر مجدداً"؟ نظرة واحدة على سوريا تؤكد أننا نفشل بذلك.

ينص قانون غودوين على أنه كلما طال أي نقاش سياسي، تزيد احتمالية المقارنة بالنازيين أو بأدولف هتلر. إنه تحذير ضد المقارنة الخاطئة وتذكير بالرعب الفريد للمحرقة. ولكن بالنسبة لضحايا بشار الأسد، المقارنة صالحة. فقط اسأل عمر الشغري، السوري الذي عانى من بعض أسوأ الانتهاكات. قال لي، متفاعلاً مع خطاب ترامب: "ما يحدث في سوريا هو محرقة. الفرق هو، ما زال لدينا وقت لإيقاف هذه المحرقة".

حينما انضم عمر بداية الأمر للمظاهرات، وكان عمره 15، في بلدته البيضا، كان ذلك بدافع الفضول. حينما تم اعتقاله أول مرة، استمر التعذيب يومين فقط ومن ثم أطلق سراحه. مع وعيه الجديد بما تقدر عليه حكومته، عاد عمر مباشرة إلى المظاهرات.

تم اعتقال الشغري وتعذيبه خمس مرات أخرى، مع إطلاق سراحه كل مرة بعد دفع والده – الضابط المتقاعد – للرشاوى. ولكن بعد اعتقاله الأخير، لم يأت والد عمر. علم لاحقاً أن قوات الأسد قد قتلت والده، وأخوته ومعظم أبناء قريته. تعرف هذه المذبحة عام 2013 بمجزرة البيضا. قال لي عمر: "حينها بدأ التعذيب الحقيقي، علموا حينها أنني لن أخرج".

كان عمر في سجن محلي مع ثلاثة من أقربائه. كان يتم تعذيبهم غالباً على مقربة من بعضهم البعض، لاستخدام ألم القريب كتعذيب نفسي للآخرين. تم تعذيبهم إلى أن اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها – ومن ثم تم تعذيبهم أكثر. قال: "كانوا يستمتعون بنا وحسب.كل ما هو مروع وفي الوقت ذاته يعذبون قريبك بجانبك".

ومن ثم ساءت الأمور أكثر. تم تحويل عمر إلى سجن الأمن العسكري المعروف بالفرع 291. قال: "التعذيب الجنسي هو المفضل بالنسبة لمن في هذا الفرع". ثم ساءت الأمور أكثر حتى. تم تحويل عمر إلى الفرع 215، الذي دعته هيومن رايتس وواتش "فرع الموت".

معظم الناس لا يبقون على قيد الحياة هناك سوى لبضعة أسابيع فقط. بقي عمر هناك 21 شهراً. مات كل أقربائه الثلاثة. اعتقلوا قريباً رابعاً، مات أيضاً. ثم قضى عمر 10 أشهر في سجن صيدنايا، الذي وصف من قبل منظمة العفو الدولية بـ"المسلخ البشري". يعيش الآن في السويد، ويكرس عمر حياته لمناشدة العالم كي لا يغض طرفه. قادته تلك المهمة إلى واشنطن هذا الأسبوع، ليقص حكايته للمسؤولين وصناع القرار.

داخل الفرع 215، بين جلسات التعذيب، أجبر عمر على ترقيم ووضع الملصقات على الجثث. انتهى أمر مئات تلك الجثث في المشفى المعروف باسم 601، حيث تم تصويرها من قبل ضابط شرطة عسكري يعرف باسم قيصر، والذي فر لاحقاً من سوريا مع أكثر من 55,000 صورة أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) صحتها كدليل على انتهاكات الأسد الواسعة.

يشكل ذلك الدليل أساس معرض قيصر في متحف ذكرى المحرقة الأمريكي في واشنطن. قال سفير جرائم الحرب السابق التابع لوزارة الخارجية ستيفن راب إن ذلك الدليل هو الأقوى منذ محاكمات نوريمبرغ – وإن "آليات الموت" الخاصة بالأسد هي الأسوأ منذ عهد النازيين.

شهد قيصر أمام لجنة لمجلس النواب عام 2015. أقر الكونغرس قانون عقوبات، مسمى على اسم قيصر، الشهر الفائت فقط. تم عرض صوره حول العالم. ومع هذا وبعد أعوام، ما زال الفرع 215 ينتج المزيد من الجثث. سجون الأسد هي فقط إحدى مكونات جرائم الحرب الخاصة بالنظام، والتي تتضمن تجويع المدن، وقصف المشافي واستخدام الأسلحة الكيميائية، كطرق لقتل ما يقدر بنحو نصف مليون شخص بريء.

ما الذي على الأسد أن يقوم به كي تصلح مقارنته بالمحرقة؟ محاولة التطهير العرقي بمعدل هائل؟ حصل. التعذيب الواسع وقتل المدنيين المعتقلين؟ حصل. المحارق؟ حصل. قصف الأطفال بالغاز؟ حصل.

مدافعو الأسد في واشنطن غالباً ما يقدمون خياراً خاطئاً: إما أن تدعم حكم الأسد، أو ستدعم التدخل العسكري بالنيابة عن الإرهابيين. خلال المحرقة، كان هنالك جدل منطقي ضد التدخل العسكري، مثلما يحصل الآن تماماً. أصبح ذلك الجدل حجة لتجاهل الانتهاكات، تماماً كما يحصل الآن. حينها، كان للولايات المتحدة خيارات تقل عن الغزو، مثل قبول المزيد من اللاجئين الفارين من الانتهاكات. ولكن حتى حينها، لم تتصرف، كما يحدث الآن تماماً.

في النهاية، لا يهم ما يعتقده الأمريكيون. بالنسبة لجيل كامل من السوريين، هذه محرقتهم. خلال الأعوام القادمة، قد يستمر نظام الأسد بذبح الآلاف، ولكن سينجو العديد حتماً وسيعيشون ليقصوا حكاياهم. دلائلهم ستزيد عن سعة متحف المحرقة. ستحتاج المحرقة السورية متحفها الخاص.

طالما بقي الأسد في السلطة، لن يكون هنالك سلام أبداً في سوريا. سيكافح الناس دوماً للحصول على الكرامة الدنيا. ولكن يوماً ما، سينتهي حكمه الوحشي. وفي خطاب مستقبلي ما، سيتم الاحتفاء بالناجين من المحرقة السورية مع محرريهم. ذلك الخطاب لن يكون على الأرجح في الولايات المتحدة، لأننا وقفنا جانباً. ولكن ليس بإمكاننا أبدأ أن نقول إننا لم نعلم. فقد أخبرنا عمر.

لقراءة المقال على موقع "واشنطن بوست": https://goo.gl/drghNs