تقاطعات في أجندة أمريكا وروسيا في سوريا؟ أم أكثر من ذلك؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/10/2015
السورية نت

في شهر سبتمبر الماضي، قال مسؤول أمريكي رفيع المستوى خلال اجتماع خاص عن الموضوع السوري في معرض تطرّقه لمواقف الدول: "هناك الطرف المعارض للأسد، وهناك الطرف المؤيد له والمتمثل في روسيا وإيران، وهناك نحن (أي الولايات المتّحدة)........ ثم استدرك قائلاً: "الأقرب إلى الطرف الأول طبعاً".

ما يمكن استنتاجه بشكل مباشر من هذا التصريح هو أنّ هناك ثلاثة أطراف. ربما يكون هذا التصريح الأكثر وضوحاً حتى الآن إزاء الموقف الأمريكي من الملف السوري، إلا أنّه قد لا يكون الأكثر صدقاً أيضاً. صحيح أنّ أقوال الإدارة الأمريكية تشير دوماً إلى أنّها في صف الطرف الأوّل الذي تحدّث عنه المسؤول أي غالباً تركيا والسعودية، لكنّ أفعال هذه الإدارة كانت أقرب حقيقة خلال السنوات الماضية إلى الطرف الثاني (أي روسيا وإيران).

نعم، الحقائق تقول إنّ هذه الإدارة الأمريكية لم تقدّم الدعم لنظام الأسد بالمال والسلاح والرجال كما يفعل الروس والإيرانيون، لكنّها قوّضت عملياً كل الجهود الحقيقية المخلصة للإطاحة بهذا النظام وهو الأمر الذي أدى ويؤدي في المحصلة إلى نفس النتيجة ألا وهي إطالة عمر النظام.

نعم، الحقائق تقول إنّ هذه الإدارة الأمريكية لم تقدّم الدعم لنظام الأسد بالمال والسلاح والرجال كما يفعل الروس والإيرانيون، لكنّها قوّضت عملياً كل الجهود الحقيقية المخلصة للإطاحة بهذا النظام وهو الأمر الذي أدى ويؤدي في المحصلة إلى نفس النتيجة ألا وهي إطالة عمر النظام.

في الثلث الأوّل من العام الحالي، تقدّمت المعارضة السورية المسلّحة (ولاسيما جيش الفتح وفصائل أخرى) في مناطق واسعة من سوريا محرزة انتصارات سريعة وكبيرة على النظام السوري في مختلف الجبهات، وقد بدا أنّ النظام السوري قد يسقط في أي لحظة. لقد دقّت هذه الحالة جرس إنذار لدى عدّة دول. لم تكن روسيا وإيران الوحيدة بل الولايات المتّحدة أيضاً.  

 لقد كان النقاش على المستوى الإقليمي والدولي حينها يدور حول موقفين. الدول المعارضة للأسد كانت ترى ضرورة استغلال هذا التقدّم للمعارضة المسلّحة من أجل الضغط على الأسد لإجباره وزمرته على الرحيل وبالتالي السماح ببدء العملية الانتقالية وانطلاق العملية السياسية واستعادة سوريا أرضاً وشعباً وطرد المقاتلين الأجانب (كل المقاتلين الأجانب التابعين لإيران أو المناوئين لها) وتوحيد الجهود لمكافحة تنظيم "داعش".

أمّا الجانب الداعم للأسد (روسيا على وجه الخصوص) فقد كان يرى ضرورة تشكيل جبهة موحّدة لتحالف إقليمي ودولي ضدّ "داعش" أوّلاً، وأن يكون النظام السوري بما فيه الأسد والجيش ضمن هذا التحالف، ما يعني معارضة طرح رحيل الأسد أيضاً أو تأجيله على الأقل إلى ما بعد قيام التحالف الإقليمي والدولي ضد "داعش"، وربما إلى ما بعد القضاء على التنظيم.

الموقف الأمريكي في تلك المرحلة كان أقرب حقيقة نظرياً وعملياً إلى موقف الدول الداعمة للأسد. لقد بدا واضحاً أنّ هناك تحوّلاً جديداً في الموقف الأمريكي من الملف السوري حيث كانت الدبلوماسية الأمريكية تدفع باتجاه التقارب مع موسكو، خاصّة أنّ الطرح الروسي يناسب تماماً الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، إذ أنّ أولوية واشنطن كانت ولا تزال محاربة "داعش" وليس إسقاط النظام السوري، كما أنّ واشنطن ليست متمسكة بضرورة رحيل الأسد كشرط لانطلاق العملية الانتقالية، أضف إلى ذلك أنّها تمتلك نفس المخاوف الروسية من إمكانية سقوطه المفاجئ، وبالتالي فقد كان الموقف الروسي يلبّي حقيقة التطلعات الأمريكية.

في تلك الفترة كانت التصريحات الأمريكية العلنية واضحة، كيري قال وقتها (سنضطر في النهاية للتفاوض مع نظام الأسد من أجل تحقيق الانتقال السياسي)، كما أرسلت واشنطن إشارات إلى الجانب الروسي بإمكانية قبول وجود الأسد في العملية الانتقالية. في الاجتماعات الخاصّة كان يُعبَّر عن مثل هذا الموقف الأمريكي من خلال تصريحات تبريرية إن لم نقل تسويقيّة من قبيل "لا يمكن توقع أن يختفي الأسد فجأة من المشهد"، "هناك حاجة للحفاظ على مؤسسات الدولة"، "روسيا وإيران لا تزالان تدعمان الأسد بقوة".

عملت واشنطن تالياً على خط تركيا لدفعها للانخراط عسكرياً في التحالف ضد "داعش"، وبعد ضغوط كبيرة وعمليات ابتزاز وتطورات سلبيّة في الداخل التركي تمّ التوصل إلى اتفاق، وقد نجم عن ذلك اتفاق فتح قاعدة "إنجرليك". كما عملت واشنطن حينها على خط المملكة العربية السعودية محاولة إقناعها بتغيير موقفها من خلال جهود سياسية سواء عبر مسار دي ميستورا أو عبر تشجيع الانخراط في محادثات ثنائية وثلاثية مع موسكو.

تشير معظم التقارير المتوافرة اليوم أنّ الحشد العسكري الروسي في سوريا بدأ حقيقة في شهر يوليو الماضي، وهو الشهر نفسه الذي شهد الاتفاق النووي الأمريكي – الإيراني من جهة، والجهد الأمريكي المتصاعد في حث روسيا على الاضطلاع بدور أكبر في الملف السوري من جهة أخرى.

خلال الأشهر الستة الماضية، ركّز الجانب الأمريكي في رسائله الأساسيّة لباقي الدول في الاجتماعات الدولية الخاصة خلف الأبواب المغلقة على أنّ روسيا تمتلك مفتاح الحل في سوريا، وعلى أنّه يجب الانخراط معها لأن ذلك من شأنّه أن يقنعها بتغيير موقفها من الأسد. لم تكتف واشنطن بهذا القدر، فقد طرحت مبادرات سياسيّة تتعلق بالتحكم بمسار العملية الانتقالية السورية ومستقبل سوريا، وقد بدا واضحاً أنّ مضمون هذه المبادرات الأساسي أيضاً هو ضمان المصالح الروسية في سوريا.

كل هذا التحرّك تمّ نظرياً تحت عنوان أنّه لا يمكن تجاهل دور روسيا في القضية السورية وأنّها تبقى العنصر الأكثر تأثيراً على الأطراف المعنيّة كالأسد وإيران. عملياً، ما كان يتم حقيقة طرحه هو استخدام سوريا مرة أخرى كجزرة إصلاح العلاقات مع موسكو والتوصل معها إلى صفقة ترضيها وذلك كما تمّ استخدام الملف السوري خلال المرحلة الماضية من قبل إدارة أوباما كجزرة لاسترضاء الإيرانيين. إدارة أوباما أثبتت مراراً وتكراراً أنّها مهتمة في إرضاء خصوم الأمس أكثر من اهتمامها لمصالح ونفوذ حلفائها.

الملف السوري ليس استثناءً، فبينما كانت إدارة أوباما تبيع حلفاءها المفترضين الكلام، كانت تعقد الصفقات المنفردة مع الجانب الإيراني والروسي. تشير معظم التقارير المتوافرة اليوم أنّ الحشد العسكري الروسي في سوريا بدأ حقيقة في شهر يوليو الماضي، وهو الشهر نفسه الذي شهد الاتفاق النووي الأمريكي – الإيراني من جهة، والجهد الأمريكي المتصاعد في حث روسيا على الاضطلاع بدور أكبر في الملف السوري من جهة أخرى.

لم تكتف واشنطن بالتمهيد سياسياً للدور الروسي الجاري حالياً والتقديم له ودفعه دفعاً فقط، وإنما هيّأت له الأرضية أيضاً من خلال إجراءات لضمان عدم أنّ يؤدي هذا الدور العسكري لموسكو إلى تصادم مباشر بالخطأ مع واشنطن. في أغسطس الماضي وبينما كانت موسكو ترسل تعزيزاتها العسكرية الخاصةالتي تتضمن دبابات وطائرات وأنظمة صواريخ أرض-جو إلى داخل سوريا، أعلنت الإدارة الأمريكية أنّها ستسحب منظومة الدفاع الصاروخي باتريوت التي نشرتها في تركيا على الحدود مع سوريا، كما أعلنت ألمانيا الأمر نفسه.

كل ما يقال اليوم عن انزعاج أمريكي من الدور الروسي غير دقيق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحديث عن صراع بين الطرفين. ما يجري هو في سياق التسويات، ولا شك أنّ كل طرف يطرح أوراقه ومطالبه لرفع سقفه. قد يكون هناك قلق أمريكي من أن توسّع موسكو دائرة مطالبها، لكن واشنطن لم تحاول حتى أن تضبط سقف طموحات موسكو ومطالبها ولم تبد أي معارضة مبدئياً لمثل هذا الأمر أو تحاول احتواءه بدليل استئناف المحادثات العسكرية المباشرة بين الطرفين والتي كانت قد انقطعت بقرار أمريكي نتيجة احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، وتعود اليوم بطلب روسي تمّ ربطه علناً بتدخلها العسكري الجاري في سوريا.

موسكو سعيدة على ما يبدو لتلبية الدعوة الأمريكية للعب دور أكبر في سوريا، فهذا يتيح لها أن تستعرض عضلاتها على الساحة الدولية كما أنّه يمثل فرصة لها لكسر عزلتها الدولية ويحجز لها مقعداً على طاولة المفاوضات بشأن مستقبل سوريا (وفق شروطها هي وليس وفق ما ترسمه إدارة أوباما لها أو تعرضه عليها)، كما يضمن لها تحصين وزيادة نفوذها ليس في سوريا فقط بل في منطقة الشرق الأوسط بأكملها من خلال شبكة التحالفات التي تتطلبها العمليات العسكرية في سوريا.

في المحصلة، كل الأهداف المذكورة أعلاه الناجمة عن التدخل الروسي تصب في صالح الأجندة الأمريكية ووفق ترتيب الأولويات الذي تعتمده وهي لا تتناقض معها على الأقل حتى الآن. وتأمل واشنطن باعتقادي أن يؤيد التدخل العسكري الروسي إلى ثني تركيا والسعودية عن التمسك بمطلب رحيل الأسد.

تعلم إدارة أوباما جيداً أنّ تدخّل موسكو العسكري سيؤدي إلى عرقلة التقدم السريع للمعارضة السورية المسلحة وسيؤخر بالتالي سقوط الأسد (على الأقل بشكل مفاجئ) كما سيؤدي إلى إضعاف تنظيم "داعش" على اعتبار أن حملة التحالف ضدّه ستستمر لكن بشكل أوسع هذه المرة، ناهيك عن توسيع دائرة دعم ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية عسكرياً حيث يتم الآن التفاوض بين الجانبين الكردي والروسي على هذا الأمر ، وهو أمر من المستبعد أن يتم لو لم يكن هناك موافقة أمريكية أو على الأقل غض طرف على اعتبار أنّ واشنطن تقوم بتوفير الدعم العسكري أيضاً لهذه الميليشيات.

في المحصلة، كل الأهداف المذكورة أعلاه الناجمة عن التدخل الروسي تصب في صالح الأجندة الأمريكية ووفق ترتيب الأولويات الذي تعتمده وهي لا تتناقض معها على الأقل حتى الآن. وتأمل واشنطن باعتقادي أن يؤيد التدخل العسكري الروسي إلى ثني تركيا والسعودية عن التمسك بمطلب رحيل الأسد، وأن يقنع المعارضة السورية بأنّه لا مفر من القبول به في المرحلة الانتقالية الأولى على الأقل (غير محددة المعالم لا زمنياً ولا موضوعياً)، وأن ذلك سيتطلب مفاوضات معه والإبقاء على الهياكل الأمنية القائمة في البلاد والقبول بالمسارات الداعمة للسياق السياسي بما فيها مسار دي ميستورا، وهو أمر من الصعب بمكان تصوّر حصوله على الإطلاق بعد كل ما فعله الأسد وحلفاؤه خلال السنوات الماضية. 

تعليقات