تقاطعات منبج

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/6/2018
العربي الجديد
المؤلف: 

سنعرف، في الأيام القليلة المقبلة، إذا ما كانت التسوية التركية الأميركية في منبج فيشمال سورية تهدف إلى فتح الطريق أمام حل سياسي أوسع في مسار الأزمة السورية، أم هي مصالحة غايتها الأساسية تخفيف التوتر بين البلدين، والتموضع أكثر فأكثر في العمق السوري؟

الرابح الوحيد حتى الآن من خلال هذا التفاهم بين أنقرة وواشنطن هو تركيا، وبالتالي القيادات السياسية في حزب العدالة والتنمية التي تمكّنت من فرض ما تريده على الإدارة الأميركية هناك، لناحية إخراج حليفها المحلي، حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) من المدينة، وإفشال مشروع بناء الجيش الحدودي البديل في شمال سورية، وخطة ربط الكانتونات الكردية ببعضها بعضا، وبالتالي إلزام واشنطن بالتنسيق العسكري والأمني معها، والإعداد لتسليم المنطقة إلى إدارة محلية جديدة، يكون لتركيا حصة الأسد في تشكيلها وتنظيمها.
أما الخاسر في اتفاقية منبج، وكما يبدو، فهو الإدارة الأميركية التي ماطلت أكثر من عام، لكنها في النهاية أعطت أنقرة ما تريد من دون أن تقول ما الذي حصلت عليه. ثم هناك وحدات "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) التي صعّدت ضد أنقرة عامين كاملين في المدينة، لكنها تلملم اليوم أغراضها على عجل، استعدادا للمغادرة إلى شرق الفرات، كما طلبت أنقرة، وبناء على تعليمات الشريك الأميركي. 

المؤكد حتى الآن أن تفاهمات منبج تندرج في إطار صفقة متعددة الجوانب والأهداف لإعادة تنظيم مسار العلاقات التركية الأميركية على المستوى الثنائي، وفي التعامل مع ملفات إقليمية كثيرة. والمؤكد أيضا أن واشنطن التي تتكتم بشأن ما يجري تريد من أنقرة تبني رؤيتها هي في طريقة حل الأزمة السورية هذه المرة، عبر إضعاف النفوذ والتأثير الإيراني هناك. والواضح كذلك أن التفاهمات الروسية الإسرائيلية في جنوب سورية لا يمكن فصلها عن اتفاقية منبج. وأن روسيا وإسرائيل يعرفان تفاصيل كثيرة عن هذا التفاهم، وإن وجود المبعوث الخاص للرئيس الروسي، ألكسندر لافرنتييف، في أنقرة خلال الجزء الثاني من المفاوضات التركية الأميركية بشأن منبج ليس مصادفة. 

ولا يمكن فصل التفاهمات التركية الأميركية بعد الآن عن التفاهمات التركية الروسية في عفرين وإدلب وجرابلس. وهذا ما يقوله البيان الختامي المشترك الصادر عن وزيري الخارجية، الأميركي مايك بومبيو والتركي شاووش أوغلو، وهو بيان يضع مسألة التسوية السياسية الشاملة في سورية، وليس الشمال السوري أو شرق الفرات وحده، في مقدمة أهداف المحادثات.

ما الذي دفع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى قبول هذه الاتفاقية قبل أسبوعين من الانتخابات التركية المهمة، وإعلان الالتزام بقرار تسليم الشحنة الأولى من المقاتلات الأميركية الحديثة لتركيا خلال أيام، على الرغم من كل اعتراضات الكونغرس والبنتاغون، وتجاهل موضوع صفقة صواريخ إس – 400 الروسية التركية، وبعد كل التصعيد والتهديد الأميركي؟ أعطت الإدارة الأميركية أنقرة ما تريده في منبج، فما هو المقابل؟

وكانت لافتا اكتفاء الوزيرين، بومبيو وشاووش أوغلو، بصور المصافحة أمام العدسات من دون تنظيم مؤتمر صحافي مشترك، ما يحمل معه تساؤلا عما إذا كان كل ما جرى حتى الآن ما زال مرتبطا بتبديد حالة اللاثقة التي انتشرت وتضاعفت بين البلدين أخيرا. ولم تكن "قوات سورية الديمقراطية" لتوافق على الانسحاب من منبج، من دون ضماناتٍ أميركيةٍ كافيةٍ بإبقائها تحت جناحيها، وحماية مصالحها خلال تقاسم الكعكة السورية، خصوصا وهو يسيطر على ربع مساحة سورية بثرواتها النفطية المهمة، وأن "قسد" التي تلقت ضرباتٍ موجعةً في جرابلس وعفرين وتل رفعت ما زالت تراهن على الحماية الأميركية. وتوقيت انطلاق العمليات العسكرية الجديدة في شرق سورية ضد تنظيم داعش، بالتنسيق بين قوات التحالف ومجموعات "قسد"، وفي أثناء وجود وزير الخارجية التركي في واشنطن، ليس مصادفةً، فواشنطن أرادت حتما تمرير رسالة، في هذا الخصوص، إلى الجانب التركي.

وليس معروفا كيف سيكون دورالجيش السوري الحر في موضوع منبج، خصوصا وأن الأكراد هناك يتحدثون عن موافقة أميركية تركية بعدم دخول هذه الوحدات القتالية إلى المدينة، وأن الوحدات الكردية ستغادر منبج، لكن هذا لن يعني تسليم سلاحها في شمال شرق سورية، البقعة الجغرافية الأخرى التي تصر أنقرة على التفاهم مع واشنطن وموسكو بشأنها. كما أن النظام سيطالب بحصته في رسم المشهد السياسي والميداني في منبج، فحتى ولو تراجع تأثير حليفه الإيراني، فهناك ضمانات روسية قدمت للنظام خلال بحث ملف منبج أمام الطاولة الثلاثية التركية الأميركية الروسية في أنقرة.

خريطة الطريق في سورية هي التي تناقشها روسيا وأميركا وتركيا اليوم، فيما خريطة طريق منبج حلقة منها فقط، خصوصا عندما يقول وزير الخارجية التركي، شاووش أوغلو، إن الاستقرار في منبج سيساهم باستقرار الوضع في سورية، وبحل أزمتها، لكنه يكرر أن ما يجري لا يعني الاستغناء عن مساري أستانة وجنيف. وهناك حقائق أخرى لا يمكن إغفالها خلال نقاش الاحتمالات والسيناريوهات المرتقبة بعد تفاهم منبج:
إخراج إيران من المعادلة السورية مطلب أميركي إسرائيلي في هذه الآونة، لكن المسألة لن تكون بمثل هذه السهولة، وهذا ما تعرفه واشنطن وتل أبيب قبل غيرهما، فإيران هي التي لعبت دورا كبيرا في إبقاء النظام على قيد الحياة حتى الآن، وإطالة عمره، بعدما نجحت في ربط قدرها بقدره، ضمن خلطةٍ تعقد أمر إخراجها من المشهد السوري، من دون إرضائها أو الدخول معها في مواجهة كسر عظم مكلفة.

ولا يمكن الاستخفاف بما أنجزته أنقرة في منبج، فهي أخذت ما تريده من واشنطن التي تخلت عن عنادها وتصلبها في غرب الفرات، وها هي، ولقطع الطريق على هاجس شرق الفرات التركي، تتفاهم مع أنقرة. وكانت الإدارة الأميركية تتطلع إلى إنهاء خطة درع الفرات، وحصر حدود المساحة الجغرافية للمنطقة الآمنة التركية، بما كانت عليه في جرابلس، وتحويل منبج إلى قاعدة انطلاق عملياتها السياسية والعسكرية في سورية، ومحاصرة المعارضة السورية بالتفاهمات الجديدة التي تريدها مع موسكو، فوجدت أنها فشلت في ذلك كله، وعادت إلى المربع الأول في الأزمة، أي حتمية إشراك تركيا في كل خططها السورية. وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تردد أن العملية العسكرية التركية في عفرين ضد القوات الكردية التي تنسق معهم أدت إلى "حرف مسار" معركة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وها هو الوزير الأميركي بومبيو يعطي أنقرة ما تريد، تجنبا لعملية عسكرية تركية أخرى في منبج، تطيح حسابات أميركا الكردية في سورية.

الموجع أكثر أن قيادات قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) كانت تقول إنها ستبقى في منبج، لأن واشنطن لن تتخلى عنها، ولن توافق على مغادرتها المكان. أما اليوم فالمتحدث باسم مجلس منبج العسكري يقول إنه لا علم لهم بأي اتفاقية بين تركيا والولايات المتحدة بخصوص مدينة منبج، فيما تعلن الخارجية الأميركية أن "سكان منبج الأصليين هم الذين سيتولون إدارة شؤون المدينة بعد انسحاب الوحدات الكردية منها".

ما الذي ستقدمه أنقرة في مقابل التراجع الأميركي هذا؟ ولماذا تقرر أنقرة بشكل مفاجئ إعادة إرسال سفيرها في الولايات المتحدة، سردار كيليش، إلى مركز عمله في واشنطن، بعد كل هذا التصعيد والتهديد التركي إن أميركا ستدفع ثمن سياساتها ومواقفها في موضوع القدس؟ ولكن مشكلة أنقرة ستكون عندما تعلن واشنطن أن الوجه الآخر للاتفاق هو قبول ضمني تركي بعدم الاحتكاك مع "قوات سورية الديمقراطية" في غرب الفرات، بعد الآن، حيث باتت المنطقة تماما تحت النفوذين، الأميركي والفرنسي. وعندما تطالب إسرائيل بعضهم بالإصغاء إلى ما تقوله، والتعامل بجدية مع ما تريده في جنوب سورية، فنحن نعرف أن الضغوط الأميركية هي التي دفعت تل أبيب إلى التراجع عن قرار التصعيد ضد أنقرة، والتخلي عن إصدار قانون يصف أحداث عام 1915 في شرق الأناضول العثماني بأنها مجازر ارتكبت ضد الأرمن. ولكن ليس معروفا بعد الثمن الذي وعدتها الإدارة الأميركية به؟

تعليقات