تكايا دير الزور صراع من أجل البقاء

تكايا دير الزور صراع على البقاء
الجمعة 08 أغسطس / آب 2014

لم يكن يتوقع سكان منطقة "شارع التكايا" وسط مدينة دير الزور شرق سوريا، أنهم سيسمعون صوت الآذان يرفع مرة أخرى من تكيتي "الشيخ ويس" و"الشيخ عبد الله" التاريخيتين، أو أنهم سيصلون فيهما بعد إغلاقهما من قبل تنظيم ما يسمى "الدولة الإسلامية" قبل أيام.

وزاد من مخاوف السكان انتشار شائعة بأن التنظيم يعتزم هدم أو نسف التكيتين، مثلما فعل مؤخراً بعدد من الحسينيات والأضرحة في محافظة نينوى العراقية المحاذية لدير الزور.

والتكايا من العمائر الدينية التاريخية التي ترجع نشأتها إلى العهد العثماني، وأنشأت في عدد من الدول التي كانت خاضعة للحكم العثماني خاصة لإقامة المنقطعين للعبادة من المتصوفة ومساعدة عابري السبيل، ولتقام فيها الصلوات أيضاً.

سكان المنطقة عادوا بعد 3 أيام من الإنقطاع، لسماع صوت الأذان والصلاة في التكيتين كما اعتادوا منذ عشرات السنين، وكما اعتاد آباؤهم وأجدادهم من قبل، وذلك بعد رجوع التنظيم عن قراره وإعادة فتحه أبواب التكيتين مرة أخرى بعد أن أزال دواعي إغلاقهما، وغير اسميهما اللذين حملتهما قبل نحو قرنين من الزمن واستبدلهما بآخرين جديدين مقبولين بالنسبة له.

وقال الشيخ الملقب بـ "أبو خالد"، القائم على تكية الشيخ عبد الله، إن "القاضي الشرعي بتنظيم الدولة الإسلامية بمدينة دير الزور، وافق على إعادة فتح التكيتين بعد أن أمر بإغلاقهما الأسبوع الماضي، وذلك بدعوى وجود قبور بداخلهما، وهو الأمر الذي يعتبره التنظيم إشراكاً بالله، كون بعض الزوار يقومون بزيارة تلك القبور التي دفن بعض الشيوخ فيها للتبرك بها".

ولفت الشيخ إلى أن قرار الإغلاق أغضب جيران التكيتين وسكان مدينة دير الزور عموماً، حيث اعتادوا على الصلاة فيهما منذ عشرات السنين ولهم فيها ذكريات كثيرة، خاصة بعد انتشار شائعة بنية التنظيم هدمهما، عقب إغلاق أبوابهما في وجه المصلين.

وعن تعليقه على قرار الإغلاق قال "أبو خالد" "استغربنا القرار الذي جاء مفاجئاً وخصوصاً وأن القبور داخل التكيتين تمت إزالتهما منذ فترة، وتم التوجه إلى القاضي الشرعي للدولة ومطالبته بإعادة فتح أبواب التكيتين أمام المصلين وإخباره بأن القبور التي كانت موجودة في التكيتين بجناح خاص منفصل عن المصلى، تم وضعهما بعد بنائهما ولم تبنى التكيتين على أساسهما".

وأشار إلى أن قاضي "تنظيم الدولة" وافق على المثول للمطالبة بشرط إزالة كافة آثار القبور التي كانت موجودة وتغيير أسماء التكيتين إلى مسجدين وهو ما تم تطبيقه بالفعل وعمل على معاينته والتأكد منه بنفسه.

ولفت إلى أن إغلاق التكيتين استمر لثلاثة أيام فقط، كانت هي فترة المناقشات وتنفيذ الإجراءات المطلوبة حيث تم فرش الاسمنت في أرضية المكان الذي كانت فيه القبور لإزالة آثارها نهائياً، وكذلك تم تغيير اسمي التكيتين إلى مسجدين وتم تعليق لافتة تحمل اسم "مسجد الإيمان" على باب تكية الشيخ عبد الله، و"الجامع الكبير" على واجهة تكية الشيخ ويس.

من جهته، قال أبو أحمد (45 عاماً)، أحد جيران تكية الشيخ "ويس"، "أرعبتنا كثيراً إشاعة هدم التكيتين التي اعتدنا الصلاة فيها منذ عقود واللتان تعدان أحد أبرز المعالم التاريخية في مدينة دير الزور"، مشيراً إلى أنه اعتاد الذهاب مع والده للصلاة في تكية الشيخ ويس منذ أن كان في السادسة من العمر وهو مواظب على الصلاة فيها منذ ذلك التاريخ.

وأوضح أن تكية الشيخ "ويس" هي المسجد الوحيد الذي لم تنقطع فيه الصلاة بعد سيطرة الجيش الحر ومقاتلي المعارضة على غالبية أحياء مدينة دير الزور قبل عامين، حيث أن باقي المساجد تضررت أو هدمت نتيجة القصف أو أنها تقع في "مناطق ساخنة" على خط مواجهة مع قوات النظام، وأضاف أن تسمية المسجد ليست مهمة كثيراً ولكن المهم هو استمرار رفع الأذان وإقامة الصلاة فيه، مشيراً إلى أن أهالي دير الزور سيبقون يطلقون على التكيتين الأسماء التي حملتها منذ نحو 200 عام، حتى لو تم تعليق لافتة مغايرة لذلك.

من جهته قال الباحث التاريخي محمد الناصر، إنه "يوجد في مدينة دير الزور 3 تكيات عثمانية قديمة، فإلى جانب تكيتي الشيخ ويس والشيخ عبد الله، يوجد تكية الراوي الواقعة في الشارع العام"، والتي قصفها نظام الأسد عدة مرات إلى أن أصبحت ركاماً، في حين أن التكيتين الأولتين تلقتا عدداً من قذائف الهاون ما ألحق أضراراً فيها، ولذلك حرص الأهالي على عدم فقدان تلك التكيتين تحت أي مبرر كان.

ونوه الناصر إلى أن تاريخ بناء التكايا يعود إلى مطلع القرن التاسع عشر وتم تجديدها عدة مرات، إلا أنها حافظت على طرازها المعماري القديم ومآذنها المبنية على الطراز العثماني، وكذلك قبابها المتعددة والمشغولات اليدوية على جدرانها والأعمدة الرخامية التي تتوسطها وتعتليها تيجان فريدة، مشيراً أن التكايا في دير الزور، كانت تاريخياً حاضنة لما يسمى بالطريقة النقشبندية أحد طرق الصوفية، وكان أتباع الطريقة يحلون فيها لعدة أيام من أجل التعبد، وممارسة الطقوس الصوفية والرياضات الروحية كما كانت مقصداً للمسافرين خاصة المساكين منهم حيث كانت كما يقال متكئاً لهم واستراحة من عناء السفر.

ورأى الناصر أن اسم التكية جاء من "المتكأ،  وتقع التكايا الثلاثة في الأحياء التي سيطرت عليها قوات المعارضة بمدينة دير الزور منذ نحو عامين، وذلك قبل أن تسقط تلك الأحياء مع معظم مساحة محافظة دير الزور الغنية بالنفط الشهر الماضي، بيد "تنظيم الدولة" بعد مبايعة أهالي وعدد من فصائل المعارضة له وتسليمها دون قتال، في حين ما يزال نظام الأسد يسيطر على عدد قليل من أحياء مدينة دير الزور وعدد من الجيوب العسكرية القريبة منها مثل "المطار العسكري" و"اللواء 137" و"معسكر الطلائع".

ويقوم "تنظيم الدولة" عادة بهدم الأضرحة والمزارات في المناطق التي يسيطر عليها، كونه يعتبر أنها أماكن يتم فيها تقديس أشخاص وعبادة غير الله، وكذلك "الحسينيات" كونها أماكن عبادة الشيعة الذين يخالفون التنظيم في المذهب.

وعرض التنظيم خلال الأسابيع الماضية صوراً لما قال عنها إنها عمليات هدم ونسف لـ"الأضرحة والأوثان" في محافظة نينوى شمال العراق، ونشر التنظيم عبر صفحة "ولاية نينوى" على موقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت "تويتر"، تقارير مصورة عن عمليات هدم ونسف أضرحة ومزارات وحسينيات في عدد من المدن والنواحي التابعة لمحافظة نينوى، التي سيطر على معظم مساحتها وأخرى في محافظات مجاورة في يونيو/حزيران الماضي بمساندة مسلحين آخرين.

المصدر: 
الأناضول- السورية