"تليفون الرياح": خط مباشر للاتصال بالأموات… محمد مطر لوّن العالم بالأزرق… ولا أعياد وأبناؤنا يذبحون

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20يونيو/حزيران 2019
القدس العربي
المؤلف: 

قامت قناة «بي بي سي» الإنكليزية منذ أيام بإعداد ريبورتاج عن ظاهرة غريبة في اليابان:
إنه تليفون الرياح!
هاتف من طراز قديم جداً… قديم، قِدم الأوجاع المتراكمة، غير موصول بأي شيء، يقف داخل غرفة زجاجية صغيرة تقع على تلة عالية على الساحل الشمالي من اليابان.
تلة تحاول أن تطول وتطول ربما لتطال السماء أو لتقترب منها أو ربما لترفع ولو لبرهة قليلة كل حي مشتاق لحبيب غائب ينتظره خلف غيمة من غيماتها.
بدأ باستخدام ذلك الهاتف آلاف اليابانيين بهدف التواصل مع أمواتهم بعد التسونامي، الذي قضى على الآلاف.
يدخل كل شخص متألم تلك الغرفة الزجاجية، ويتكلم ويتكلم ويناجي لساعات طويلة، ولا أحد يرد عليه، ولكنه يسمع بقلبه صوت من يحب ويشكو له وجع الغياب وقسوة الحاضر وظلم الحياة.
قد لا تكون تلك الرياح، التي تعانق التلة وتلتف حول الغرفة الزجاجية إلا أرواحا تتألم على أحياء مقهورين. إنها ألسنة محلقة تجيب هؤلاء الذين أوجعتهم قسوة الغياب فغيّبوا بدورهم المنطق، متجاهلين حقيقة الموت ليدخلوا غرفة زجاجية في أرض تبدو شبه مقطوعة من خارطة الأمكنة. في مكان يقف خارج الزمن متناسين، نعم متناسين، ذاك السلك المقطوع.
تسونامي اليابان قد انقضى، على الرغم من الدمار المادي والخسارات البشرية، التي خلفها وراءه. ولكن ماذا عن تسونامي الديكتاتوريات، التي تتحكم بأرواحنا في عالمنا الموبوء؟
ماذا عن تسونامي السودان المتمثل بحكم العسكر؟ وعن غيرها من الزلازل العنيفة المتمثلة ببعض الحكام المجانين، الذين ينذر وجودهم بنهاية العالم؟
إن هذا النوع من التسونامي العنيف والمستمر، والقامع لأي فكر يواجهه، هو الأشرس والأخطر. للأسف نراه يمتد ويضرب كل البلدان، التي يحكمها الطغاة وتخنق أنفاسها رائحة الفساد.
كم من «تليفون رياح» نحتاج لنعتذر من شهدائنا الذين هدرت أرواحهم وما زال قتَلتهم يتمسكون بالسلطة بأسنانهم؟
ولو اتصلنا بمحمد مطر، الشاب السوداني، الذي لون العالم بالأزرق، ماذا سنقول له؟
هل كان يعلم أنه أقرب إلى السماء من الأرض، فجعل من الأزرق لونه المفضل؟
لقد ترك مطر حياته الآمنة في لندن والتحق بشعبه في السودان ليقف في صفوف المتظاهرين المطالبين بسقوط حكم العسكر. لكنه قتل بالرصاص وهو يساعد فتاة على الوقوف في ساحة الاعتصام.
هل كل من يحلم بأوطان حرة في هذا الزمن التعيس ينتمي إلى العالم الأزرق؟
هل الأرض أصبحت حكراً على الطغاة والقتلة وعار التاريخ؟
محمد مطر لوّن كل وسائل التواصل الاجتماعي بلونه الأزرق لتتسع السماء.
كم من يد شهيد ارتفعت عالياً لتسند السماء وتزيد زرقتها زرقة؟
إن السلك التليفوني بيننا وبين مطر وكل الشبان الذين دفعوا أرواحهم ثمناً للحريات لن ينقطع.
لقد استمر صوت مطر بالتغريد بعد موته بعبارة شهيرة لفت الكون كله وهي: «بلو فور سودان» أو الأزرق للسودان!
قد يتمكن الطغاة من قطع الإنترنت وقطع الرؤوس، ولكن لن يعصى عليهم سوى «تليفون الرياح».
إنها أصوات الشهداء، التي لا يمكن كتمانها.

بماذا نحتفل وأبناؤنا جثث في الميادين؟

جاء عيد الأب في السادس عشر من الشهر الجاري، والذي تعود جذوره لسنة 1912 حين أقيمت الاحتفالات به للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية، ليحقق كالعادة موجة معايدات متدفقة في كل أنحاء العالم، وليحتل صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن استثنى من هذه البهجة كثير من البلدان العربية المنكوبة وما أكثرها.
في الغرب الكل يتكلم عن العيد، الكل يوجه رسائل معايدة حتى الملوك والأمراء.
لقد تباهت الصحف البريطانية، مثل «الصن» وغيرها وموقع «بي بي سي» بصور للأمراء مع أبنائهم.
ونشرت صفحة قصر كينسنغتون صورتين لدوق كامبريدج مع الأمير لويس على «تويتر». واحتفل أيضاً دوق ساسكس الأمير هاري بالعيد، فشارك صورته مع ابنه الطفل آرتشي. بينما تصدرت صورة الأمير تشارلز مع ولديه صفحات ومواقع كثيرة كتهنئة بالعيد.
ولكن بأي حال عاد هذا العيد على إخوتنا وآبائنا في السودان وفلسطين وسوريا؟!
وهل سيتصور الآباء مع جثث أبنائهم، الذين قضوا دفاعاً عن الحرية والديمقراطية؟!
أسيبقى رجال للعيد المقبل، أم سيذبحون بشكل جماعي في ميادين الاعتصامات السلمية؟!
ذكرني هذا العيد بكلمات الراحلة أمل حمادة حين قالت:
الفرحة الفرحة قتلوها… ليش العيد ما لغوه؟ مبلا لغوه… بهيدي الحالة بعد في عيد؟ ماشية عالطريق بتنفجري بطير راسك… يمكن ما تموتي بس بتصيري معاقة… خلص خلص الحياة مش حلوة خلصنا بقى… نزعوا البلد السياسيون… رح تقوليلي في رجال؟ وينن انقرضوا؟ أخدوهم موتوهم كلن… ما خلولنا حدا… خلص انقرضوا..
انتقد كثيرون كلمات الراحلة حمادة، وأضحكت الكثيرين.
ولكن في كلماتها شيء من الصدق المؤلم ومن الحقيقة الجارحة… رجالنا فعلاً يموتون ويعذبون ويقهرون لأجل أوطان مسروقة في ظل صمت عالمي مرير.