تل أبيض هل تصبح سربرنيتشا ثانية ؟؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/6/2015
السورية نت

تتسارع الأحداث بسرعة في منطقة تل أبيض السورية، وما بين الاتهام والاتهام المضاد يتدفق آلاف السوريين إلى الشريط الحدودي مع تركيا أملاً بالنجاة من الموت الذي يحصد الأرواح، تارة بفعل غارات التحالف وتارة نتيجة الاشتباكات بين وحدات الحماية الشعبية الكردية(ypg) وقوات ما يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ولكن أخطر ما في الأمر هو بداية بزوغ فتنة طائفية في المنطقة، بين الأكراد من طرف والتركمان والعرب من طرف آخر.

ولا شك أن الوطنية السورية تعرضت لسلسلة من التجارب الصعبة خلال عمر الثورة، وحاولت دائماً الأطراف المعادية للثورة تحويل الصراع من صراع القوى الثورية الطامحة لتغيير النظام لبناء مجتمع الحرية والكرامة من طرف ونظام مجرم مستعد إلى لبس أي لبوس سياسي أو طائفي يبقيه في السلطة من طرف آخر.

ومما لاشك فيه أن المجتمع السوري مثخن بالجراح والحساسيات بين القوميات والإثنيات بفعل سياسات النظام البعثي الأمني عبر ضرب أطياف المجتمع بعضها بعضاً خلال سنوات حكمه، والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة سواء في الجنوب السوري بمحاولة الإيقاع بين الدروز والعشائر العربية تحت ذرائع مختلفة، وكذلك تأجيج الفتنة بين الأكراد والعرب في منطقة الجزيرة بعد المطالبات الكردية بمنحهم الجنسية وحقوقهم المشروعة، وكذلك حدثت في التسعينيات محاولات للنظام للإيقاع بين العلويين والتركمان في منطقة الساحل على خلفية تفجير إحدى الحافلات في كراج دمشق وإتهام التركمان بتفجيرها.

هذه السياسة الخبيثة التي تطبق نظرية فرق تسد، كان النظام يتبعها ليبقى وحده القوة القادرة على التحكم بإدارة سوريا في ظل وجود مخاوف وشكوكاً لدى كل الأطراف تجاه بعضهم بعضاً، وهذا ما انعكس في النهاية سواءً في تركيبة المعارضة السياسية السورية أو المعارضة المسلحة، ولم تستطع حتى هذه اللحظة بلورة إتفاق أو رؤية تزيل هذه الشكوك والمخاوف، مع أن الفرصة كانت سانحة لإعادة ترتيب حقوق كل الأطراف بما يحفظها ويصونها في إطار مجتمع يعترف بهوية وحقوق الآخر بعيداً عن الغلو والتطرف، هذا الفشل السياسي في إيجاد الأرضية المناسبة للبدء من جديد في إطلاق عملية سياسية ترضي كل الأطراف، جعل الأرض مكاناً خصباً للتدخلات الخارجية التي تريد تكريس مشاريع تقسيمية ترضي مطامعها في المنطقة ويجعلنا نرزح في إتون الحروب الطائفية والتقسيم والتخلف لعقود طويلة.

إن ما يجري اليوم في تل أبيض يندرج ضمن هذا الإطار فالولايات المتحدة وحلفاؤها الذين لم يعجبهم مسار ونهج الثورة السورية حاولوا منذ البداية تفتيت القوى الثورية عبر المال السياسي أو المساعدات المشروطة التي كانت لها الدور الأكبر في إضعاف القوى الثورية، إن تبني قوات التحالف التعاون والتنسيق ومساعدة قوات الحماية الشعبية الكردية  ypgدون غيرها من فصائل المعارضة المسلحة في محاربة تنظيم الدولة ، تركت انطباعاً لدى القوات الكردية بأن الولايات المتحدة تتبنى فكرة تأسيس كيان كردي مستقل في المنطقة وربما يكون هذا الأمر صحيحاً ولكن هل هذا المشروع يخدم آمال وتطلعات الشعب الكردي اليوم، في ظل ضبابية الوضع السوري وكذلك عدم تبني الدول الإقليمية الفاعلة لمثل هذا المشروع، وسوف تعتبره خطراً عليها أيضاً، مما يزيد من شدة الاحتقان في المنطقة بفعل التأثير الإقليمي والدولي، كما أن انتشار الفكر القومي التعصبي وكذلك الديني ينذر بالصدام المسلح في المنطقة التي سوف تكون كل الأطراف فيها خاسرة، ويتطلب من العقلاء نزع فتيل هذا الاصطدام الذي سيكون محتماً إن لم تتحرك القوى نحو الحوار والتفاهم لبناء أرضية مشتركة ترضي كل الأطراف، وخصوصاً أن الاقتتال الطائفي يجذب دائماً المتشددين بما يحول الساحة إلى مستنقع للدم.

ما هو وجهة نظر العرب والتركمان للأحداث التي تشهدها منطقة تل أبيض؟

يتخوف التركمان من أن يكون هناك مخطط دولي لتقسيم سوريا عبر إنشاء كيان كردي مستقل يبدأ من منطقة الجزيرة في الحسكة وينتهي في عفرين ولربما في الساحل السوري، ما يعني قضم المناطق التركمانية في شمال الرقة وحلب واللاذقية ضمن هذا المشروع، وبالتالي تعرضهم للتهجير وفقدان أراضيهم التي عاشوا فيها آلاف السنين، وكذلك لا يريدون إعادة تكرار التجربة التركية في الاقتتال بين الجيش التركي وتنظيم حزب العمال الكردستاني (pkk) التي راح ضحيتها أكثر من 30 ألف مواطن تركي حتى الآن، وفي الوقت الذي ينتظر فيه الجميع اختتام عملية السلام في تركيا وإنهاء حالة الصراع المسلح بين الطرفين، يتخوفون من أن تعيد الولايات المتحدة الأمور عبر تحريض ودعم قوات الحماية الشعبية الكردية (ypg) إلى نقطة الصفر وبالتالي إشعال الحرب من جديد وخصوصاً أن الحرب بين الجانبين كانت ذات صبغة إقليمية اشتركت فيها عدد من الدول منها النظام السوري بشكل غير مباشر عبر التمويل والتسليح وتقديم الخدمات اللوجستية لتنظيم حزب العمال الكردستاني (pkk)، وكان الخاسر الأكبر فيها الشعب الكردي الذي عانى فيها من التهجير والتهميش السياسي، والآن قدمت لهم فرصة حقيقة للدخول في العملية السياسية في تركيا، وكذلك الوضع في سوريا الآن فهناك نية حقيقية لدى كل الأطراف السورية بضرورة التخلص من النظام السوري والبدء بعملية سياسية حقيقية تحفظ حقوق الجميع تحت سقف الدولة السورية الجديدة.

كذلك العرب اليوم يتهمون وحدات الحماية الشعبية الكردية بارتكاب خروقات بحق السكان العرب في المنطقة، وعلى مدار ثلاث سنوات سابقة كان يشتكي ناشطو منطقة الجزيرة السورية من التضييق وأحياناً الخطف والقتل الذي كان يتعرض له ناشطو المنطقة نتيجة معارضتهم لسياسات حزب الإتحاد الديمقراطي الكردي، ولكن للآسف حتى الإئتلاف كان عاجزاً أو لم يملك الإرادة الحقيقة للتحرك لدرء هذه الكارثة في المنطقة، تماشياً مع الرغبة الأميركية أو نتيجة التحالفات والاستقطاب الموجود ضمن الائتلاف.

كيف ينظر الأتراك إلى التطورات التي تشهدها تل أبيض؟

اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الغرب بالتواطؤ مع الأكراد، حيث قال في كلمة له أمام غرفة التجارة في أنقرة "إن الغرب الذي يطلق النار على العرب والتركمان يعمل للأسف على إحلال حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني مكانهم". وكذلك تناولت معظم الصحف التركية للموضوع وكأنها محاولة لتأجيج الأوضاع في المنطقة ومحاولة لإفشال عملية السلام مع الأكراد التي أطلقها حزب العدالة والتنمية، وكان من ثمارها دخول الأكراد إلى البرلمان عبر حزب سياسي لأول مرة في تاريخهم.

يدرك الأترك أن الولايات المتحدة تحاول تطويق تركيا وإشغالها بقضايا ثانوية تشغلها عن الهدف الأسمى التي تسعى تركيا الوصول إليها وهو التحول إلى قوة عظمة تكون سنداً لتطلعات شعوب المنطقة ومناصرة لها، وهذا ما يجعل كل الخيارات مطروحة أمام تركيا في حال استمرار سيطرة هذه القوات على مزيد من القرى والمناطق وما يعني أيضاً تدفق المزيد من اللاجئين السوريين باتجاه الأراضي التركية وهو ما يحملها أعباءً إضافية.

فحين تحاول الولايات المتحدة التنصل من مسؤولية ما آلت إليها الأوضاع في منطقة تل أبيض حيث قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية جيف راثكي في الموجز الصحفي من واشنطن أمس، "لقد نقلنا مخاوفنا لحزب الاتحاد الديمقراطي حول سجلهم في حقوق الإنسان، بما في ذلك ترويع أحزاب سياسية كردية منافسة في السابق".

وأضاف راثكي أن الضربات الجوية التي توجهها قوات التحالف الدولي إلى تنظيم الدولة، هي "ضربات مركزة على الحرب ضد التنظيم وليست لأي غرض آخر".

كل هذه التصريحات تدل على أن هناك أزمة لا يمكن حلها بالقوة وإنما بالحوار والتفاهم بين الأطراف الوطنية أوالدولية لبلورة استراتيجية واضحة لمحاربة تنظيم الدولة تشارك فيها كل الأطراف وتدعمها قوات التحالف جوياً، لتجنيب المنطقة حرباً طائفية لا يمكن أن تبقي ولا تذر غير الرماد والدموع والأحزان التي ملَ منها الشعب السوري عبر سنوات من الحرب والدمار.

تعليقات