تنصّلٌ وإنكار.. كيف تعاطى الأسد وإعلامه مع أولى اجتماعات اللجنة الدستورية؟

من لقاء الأسد مع قناة “روسيا 24” ووكالة “روسيا سيغودنيا” في دمشق، 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
الجمعة 22 نوفمبر / تشرين الثاني 2019

منذ بدء انعقاد أعمال اللجنة الدستورية السورية في جنيف، نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ظهر رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في لقاءات إعلامية متكررة، وأدلى بتصريحات صحفية تمحورت بمجملها حول "السيادة الوطنية" و"وحدة الأراضي السورية" و"حق الشعب السوري بتقرير مصيره"، مظهراً بشكل علني، وأحياناً مبطّن، رفضه للجنة الدستورية بصيغتها الحالية، في حال تعدت الدور الذي رسمه الأسد لها، وهو "مناقشة" الدستور السوري الحالي فقط، دون المساس بكرسي الحكم.

ورغم الغطاء الأممي والرعاية الروسية "الصديقة" لأعمال اللجنة الدستورية، التي جرى الحديث عنها بالأساس في مؤتمر "سوتشي" المدعوم من قبل روسيا، إلا أن الأسد بدا في حواراته الأخيرة غير راضٍ عما يجري حالياً في جنيف، على اعتبار أن العملية السياسية التي تدور هناك تعتمد على القرار الدولي رقم "2254"، والذي ينص في أحد بنوده على إجراء انتخابات "حرة ونزيهة" تحت إشراف الأمم المتحدة، الأمر الذي لم يستسغه الأسد حتى اليوم.

لماذا يرفض الأسد وتقبل روسيا؟

بالنظر إلى الظهور الإعلامي المتكرر لرئيس النظام، خلال الآونة الأخيرة، في ثلاثة حوارات متلفزة مع قنوات محلية وأخرى روسية، فضلاً عن تصريحات صحفية أخرى، ألمح الأسد في جميعها إلى أن الوفد المُرسل من طرفه إلى جنيف هو وفد "مدعوم من قبل الحكومة السورية" ولا يمثلها، فيما تبنت وسائل الإعلام المحسوبة عليه وعلى نظامه وجهة النظر ذاتها، باستخدامها مصطلحات بعيدة عن الاعتراف بالمعارضة السورية المنخرطة بتلك العملية السياسية.

"هناك طرف يمثل وجهة نظر الحكومة السورية (وفد النظام)، أما الحكومة السورية فهي ليست جزءاً من هذه المفاوضات ولا من هذا النقاش"، أبرز تصريحات الأسد التي قالها خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة "الإخبارية" السورية، في 31 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مشيراً إلى أن حكومته "غير مُلزَمة قانونياً" بالاعتراف بأي طرف، وأنها لن تقبل إجراء انتخابات رئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة.

يرى المتحدث باسم "الهيئة العليا للمفاوضات"، يحيى العريضي، وهو عضو في اللجنة الدستورية من طرف المعارضة، أن تنصُل الأسد من اللجنة الدستورية، وعدم اعترافه بالوفد المرسل من طرفه إلى اللجنة، هو محاولة منه للنأي بالنفس عن أي قرار أو حل يُفقده جزءاً من صلاحياته على حساب التفاهمات الدولية.

واعتبر العريضي في حديث لموقع "السورية نت"، أن الأسد لن يستطيع قانونياً ومنطقياً أن ينأى بنفسه عن اللجنة الدستورية، على اعتبار أن مذكرة تشكيل اللجنة، التي أعلنت عنها الأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي، تمت الموافقة عليها من قبل وزارة الخارجية في حكومة النظام السوري، كما أن تشكيل اللجنة جاء بالتنسيق بين المبعوث الأممي، جير بيدرسون ووليد المعلم، الذي هو وزير خارجية النظام نفسه، وبالتالي فإن تصريحات رئيس النظام الأخيرة "تدل على انفصامه عن الواقع ومخالفته للقرارات الدولية".

أما الباحث السياسي معن طلاع، يرى أن تنصُل الأسد يمكن تفسيره وفق زاويتين، الأولى تتجسد في استمرار مقاومته لأي حركة تغيير دستوري تُفقده صلاحياته ولا يساهم هو في صنعها، والثانية مرتبطة بسعيه لتعزيز هوامش حركته في علاقته مع حلفائه، أي أنه يسعى لتعطيل عمل اللجنة الدستورية دون أن يشكل حرجاً لحلفائه، حسبما طلاع.

وأضاف طلاع، الباحث في "مركز عمران للدراسات"، في حديث لموقع "السورية نت"، أن تصريحات الأسد الأخيرة تدل على أن قبوله بآلية عمل اللجنة الدستورية مرهون بشروط عدة، تجعل له القرار المؤثر في النهاية، وبالتالي من الطبيعي أن يقول إن وجوده في اللجنة غير رسمي، وأن مهمتها مناقشة الدستور فقط، لأن باعتقاده أن النقاش الرسمي يجب أن يكون في مؤسسات يضمن فيها السلطة المطلقة، وعلى رأسها مجلس الشعب.

وتابع "سيجهد رئيس النظام السوري برفض اللجنة الدستورية، طالما أنها تسير وفق محددات القرار الدولي 2254، وبالتالي سيحاول إعادة فرض شروطه بما يضمن بقاءه في السلطة، عبر تعطيل العملية السياسية ورفض الانخراط بها".

إعلام النظام.. توجيهٌ مدروس

في تغطياتها لاجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، لم تخفِ وسائل الإعلام المحسوبة على النظام، انحيازها الواضح وتبنيها وجهة نظر الأسد نفسه.

على سبيل المثال لجأت وكالة "سانا" الرسمية، إلى استخدام مصطلحات مثل "وفد الأطراف الأخرى" بدل وفد المعارضة السورية، وكذلك تجنبت تصوير وفد المعارضة ورئيسه هادي البحرة في تغطياتها الإخبارية، حتى أنها اقتطعت صورة البحرة من الصور العامة، التي ظهر فيها إلى جانب المبعوث الأممي جير بيدرسون ورئيس وفد النظام، أحمد الكزبري.

الباحث السياسي معن طلاع، يرى أن السياسية التحريرية لوسائل إعلام النظام تمت صياغتها من قبل جهة مركزية، فرضت على تلك الوسائل حدوداً للتعاطي مع اللجنة الدستورية، وألزمتها بمدلولات سياسية متسقة مع رؤية النظام السوري.

وأضاف طلاع لموقع "السورية نت" أن السياسية التحريرية لتلك الوسائل تُصاغ ضمن ثلاث أولويات، وهي: عدم الاعتراف بوفد المعارضة عبر تسميته بـ"وفد الأطراف الأخرى"، والتعتيم على مقترحات الوفد المعارض بهدف منع وصولها إلى حاضنته، بالإضافة إلى التركيز على أن مهمة اللجنة مناقشة الدستور فقط وأن المخرجات الصادرة عنها "لن تكون ملزِمة".

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، وصف وفد المعارضة في اللجنة الدستورية، والذي يمثل "الهيئة العليا للمفاوضات" السورية المعارضة، بأنه وفد مدعوم من قبل تركيا والولايات المتحدة، معتبراً أنه "لا يمثل الشعب السوري"، حسبما قال في حواره مع قناة “روسيا 24” ووكالة “روسيا سيغودنيا”، في 15 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.

وتعليقاً على ذلك، قال عضو اللجنة الدستورية، يحيى العريضي، لـ "السورية نت"، إن "الهيئة العليا للمفاوضات" قدمت مذكرة إلى بيدرسون، طلبت منه خلالها إلزام وفد النظام ووسائل إعلامه، بعدم استخدام تسمية "وفد الأطراف الأخرى"، موضحاً أنه دائماً ما كان يتم الاعتراض على ذلك، خلال جلسات اللجنة في جنيف.

كيف سيتعامل الأسد مع مخرجات اللجنة؟ وما دور روسيا؟

خلال لقائه رئيس لجنة الأمن الوطني والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، مجتبى ذو النوري،في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري في دمشق، قال الأسد إن "هناك محاولات تجري حالياً، للإيحاء بأن الحل للحرب يمكن أن يحصل من خلال اللجنة الدستورية"، وتابع "هذا غير صحيح، لأن الحرب في سورية لم تنشأ بسبب خلاف أو انقسام على الدستور بل بدأت لأن هناك إرهاباً".

كل ذلك يفرض تساؤلات حول مدى قبول الأسد لأي مقررات صادرة عن اللجنة الدستورية، في اجتماعاتها الحالية، ومدى اعترافه بشرعية المخرجات، التي تتولى الأمم المتحدة مهمة الإشراف عليها.

يرى معن طلاع، الباحث في "مركز عمران للدراسات"، أن الأسد يضع ثلاثة محددات للتعاطي مع المخرجات الصادرة عن اللجنة، وأولها أنه سيتعامل مع تلك المخرجات على أنها مقترحات غير ملزِمة له، والثاني مدى نجاح الوفد الممثل له في فرض شروطه ورؤيته للحل السياسي في سورية، والثالث ضمان عدم المساس بالنظام الجمهوري الذي يؤمن له صلاحيات مطلقة.

وأضاف طلاع في حديث لموقع "السورية نت"، أن دور روسيا هنا سيبقى متماهياً مع رؤية النظام، خاصة أن أجندة روسيا للحل في سورية، هي حدوث تغيير داخل مؤسسات النظام، وليس تغيير النظام ككل، وبالتالي "قد تضمن له هامشاً لقبول أو رفض المخرجات الصادرة عن اللجنة"، حسب طلاع.

إلا أن المتحدث باسم "الهيئة العليا للمفاوضات"، يحيى العريضي، يرى أن روسيا سوف تضغط على الأسد لقبول المخرجات أياً كانت، على اعتبار أنها هي من أجبرته على الانخراط بتلك العملية، تحت ضغوطات عدة، من أجل ضمان حصولها على جنى سياسي وإدارة الحل في سورية، وبالتالي فهي لن تسمح له بعرقلة مخططها.

ماذا وراء التجاهل الأممي والروسي لتصريحات الأسد؟

رغم التصريحات الأخيرة الصادرة عن الأسد، والتي تنسف عمل اللجنة الدستورية في جنيف منذ بداية انطلاقها، إلا أن الأمم المتحدة التي تشرف على سير العملية السياسية، وكذلك روسيا التي تدير تلك العملية، تجاهلتا تماماً كل ما ورد في حديث الأسد، حول القرار رقم "2254"، ورفض ربط اللجنة الدستورية بالانتخابات الرئاسية.

وفي هذا السياق، برر الباحث السياسي معن طلاع التجاهل الأممي لتصريحات الأسد، بأن الأمم المتحدة تعول على التعامل مع الضامن الروسي أكثر من التعامل مع النظام السوري، وبالتالي فإن الضغط عليه سيكون عن طريق روسيا، من أجل إجباره على الانخراط في دوائر العملية السياسية.

وبحسب طلاع، فإن الأمم المتحدة تدرك تماماً أن حكومة النظام السوري طرف في اللجنة الدستورية بشكل رسمي، عكس ما يقول الأسد، وهي تعلم أن تصريحاته مجرد "مراوغة إعلامية".

في حين برر طلاع الصمت الروسي عن تصريحات الأسد، بأن وجهة نظر الطرفين غير متعارضة، خاصة فيما يتعلق برفض إشراف الأمم المتحدة على الانتخابات الرئاسية، مع وجود فارق أساسي، هو أن الروس يريدون إيجاد حل ينهي الملف السوري ولو بصورة شكلية.

وأضاف "روسيا تريد الحصول على استحقاقات في سورية، وهي عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، من أجل إدارة ملف التنمية الاقتصادية وتخفيف التكلفة السياسية لتدخلها في سورية"، وتابع "بينما يريد النظام حلاً كاملاً يضمن فيه عودة من يسميهم إرهابيين إلى حضن الدولة".

ويبقى مسار اللجنة الدستورية غير واضح المعالم، حتى اليوم، خاصة أن المهام الرئيسية المنوطة بها، فيما يتعلق بالدستور السوري، لا تزال غامضة. ومن المقرر أن تنعقد الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري.

المصدر: 
السورية نت