جذور خطابية للتوحش في سورية

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

الكاتب: 
ياسين الحاج صالح

 

تتناول هذه المقالة العلاقة بين تمثيل السوريين في الخطابات والمناهج وأنماط الكتابة الخاصة بالشأن السوري، وبين تمثيلهم السياسي في الحقبة الأسدية من تاريخ سورية. القضية التي أدافع عنها هي أن الحجب الكتابي والخطابي للسوريين أسهم في تعزيز حجبهم السياسي والتقليل من قيمة حياتهم، وأن الحجب أو التغييب السياسي سهّل لكُتّاب ومنتجي خطابات اغتيابَ عموم السوريين والنيل من اعتبارهم وتغييبهم من النص. أنوِّه إلى أني أترجمُ l’invisibilite’  بالانحجاب1، وهذا مُدركٌ يُحيل إلى حجب النساء أو عزلهن وراء حجاب يفصلهن عن الحياة العامة، وأستفيدُ من استعارة الحجاب للقول إن الحجب السياسي عبر إلغاء المساحات العامة أو استيلاء الدولة الأسدية عليها بالقوة، وما يقترن بالإلغاء والاستيلاء من حدٍّ من الاختلاط والتعارف بين السكان، ودفعهم إلى النطاقات الخاصة بفعل اقتران المساحات العامة بالانكشاف والخوف والإذلال، ثم تدني الثقة بين الأفراد والجماعات (بفعل الخوف، كما بفعل الاغتياب الذي تمارسه أجهزة الحكم نفسها بحق قطاعات من السكان)، كل ذلك أهّل ظروفاً أنسب لحجب النساء وتعزيز سلطة الأب عائلياً، والأدوار الاجتماعية المحافظة.

وأجدُ كلمة توحش أنسب لوصف أنماط العنف الممارسة في سورية، عنف الأسديين وشركائهم الطائفيين، ثم عنف داعش وجهاديين آخرين، ثم العنف البهيمي الروسي الذي يُصَبُّ على حلب اليوم. ومُدرك التوحش الذي روجه منظرٌ جهادي، أبو بكر ناجي، في كرّاسه إدارة التوحش هو أنسبُ لأغراض هذا النص، بفعل تقابله مع التأنسن الذي سيجري الكلام عليه في الختام.

 

خطابات

لوقتٍ طويل كان يجري تمثيل الشؤون السورية من قبل وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وقطاعٍ من الكتاب السوريين بالذات عبر خطابين أساسيين: الخطاب الجيوسياسي، والخطاب الثقافوي، وبعد الثورة دخلَ التداولَ خطابٌ ثالث، الخطاب الإنسانوي.

خطاب جيوسياسي:

الخطاب الجيوسياسي متمركز حول السياسة العليا high politics، ويتكلم على دول وعواصم، ورؤساء وملوك، ووزارات خارجية ودفاع، وعلاقات بين الدول وموقع جغرافي وقوات مسلحة. الدوالّ المتواترة هنا هي سورية، الأسد، دمشق، وحفنة ضئيلة من مساعدين سياسيين، ودوماً في سياقات تتكرر فيها مفردات مثل إسرائيل ولبنان والعراق والسعودية وإيران وتركيا، و«الشرق الأوسط»، وطبعاً واشنطن وموسكو والرياض وطهران وأنقرة والقاهرة… إلخ.

ولد هذا الخطاب مع ظهور الدول القومية المحاربة في أوروبا، وهو يحولُ بفعل تكوينه بالذات دون رؤية الاجتماعي واليومي/ الطبقات والشرائح الاجتماعية، النساء والرجال، المدن والبلدات والأرياف، التعليم والصحة والسكن وشروط الحياة المادية، إقامة السكان وهجرتهم، السجون والتعذيب وأوضاع الحريات العامة، درجات التقارب أو التباعد بين السكان، … إلخ. كل شيء مهم تقريباً.

وليست الجيوسياسة في «سورية الأسد» خطاباً بين خطابات، إنها كل السياسة، وكل خطاب الدولة. وسورية وفقاً للخطاب الجيوسياسي صندوقٌ مغلق، محتوياته غير مرئية. وينسب هذا الصندوق إلى الحاكم الأسدي، ويسمى فعلاً «سورية الأسد».

وللتدليل على الفاعلية التغييبية لهذا الخطاب، نذكر أنه فقط بعد الثورة السورية صرنا نسمع بأسماء بلدات ومدن كانت مغمورة مثل سورية كلها، وظهر عدد كبير من الأشخاص، النساء والرجال، الذين لهم صوتٌ ورأيٌ شخصي، فضلاً عن حركات وتجمعات كثيرة ومتنوعة. الصندوق انفتح، وظهر تعدد سورية المقموع. وجزاءُ هذا التمرد هو القتل والتدمير المستمر منذ خمس سنوات بغرض إرجاع الجميع إلى الصندوق.

ومن تنويعات هذا الخطاب ما يُعرف باسم الممانعة، وهي شكلٌ واهنٌ من أشكال القوميةِ العربية ونزعةِ مناهضة الامبريالية، منفصلٌ عن أي أبعاد اجتماعية وثقافية تحررية، ودون أي عمق شعبي. الممانعة مركب إيديولوجي سياسي نخبوي وفوقي، يتيح عزل السكان المحليين عن العالم بزعم مواجهة أعداء خارجيين، دون انخراطٍ شخصيٍ أو جمعيٍ للممانعين في مواجهة هؤلاء الأعداء الخارجيين.

والخطاب الرسمي للدول الأسدية طول عقود حكمها هو أقرب إلى التنويعة الممانعة للخطاب الجيوسياسي، الذي يُبقي عموم السكان غير مرئيين.

خطاب ثقافوي:

الخطاب الثاني هو الخطاب الثقافوي المتمركز حول «الثقافة» مفهومةً كذهنيات أو كـ«عقل»، أي تعريف السكان بما يفترض أنه يخصهم ويميزهم من عتاد ثقافي موروث، مختزل غالباً إلى الدين. هذا الخطاب نظرةٌ من فوق ومن خارج إلى السكان، تختزلهم إلى مجموعات إثنية ودينية ومذهبية. تتواتر هنا مفردات مثل إسلام ومسيحية مثلاً، سنة وعلويين وشيعة، عرب وكرد، طوائف، أكثرية وأقليات، وكذلك الاستخدام الرمزي لمدركات مثل حداثة وعقلانية وعلمانية، ومثل إسلام وأصولية وظلامية وما شابه. أعني بالاستخدام الرمزي تَحوّلَ وظيفة هذه المدركات من شرحِ واقعٍ إلى تعريفِ المتكلمين، أي قيامها بوظيفة الهوية.

ويعتني الخطاب الثقافوي بالرؤوس مفصولة عن الأجساد، مع تعريف الرؤوس ذاتها تعريفاً ثقافوياً يعزلها عن العيش في عالم دنيوي متغير، بحيث تبدو بعض الرؤوس محشوةً بشيءٍ خَطِرٍ اسمه الإسلام، وبعضها حشواتها من نوعٍ أفضل وممتنعة على الانفجار مثل سابقتها، هذا بينما تُهمل أيضاً الشروط السياسية والاقتصادية والأوضاع الاجتماعية.

المنبعُ الأول لهذا الخطاب هو قوميو الغرب الذين يميلون إلى تعريف الغرب ذاته تعريفاً ماهوياً وثقافوياً، وإلى اشتقاق الحداثة من أصول مسيحية (وبعد الحرب العالمية الثانية، أصول يهودية مسيحية) أقدم. وتعتنق هذا الخطاب لدينا نخبٌ اجتماعية وسياسية وثقافية صاحبة امتيازات، تشكل بصورة ما استمراراً لشريحة المحميين المتسعة بين حقبة التنظيمات العثمانية وصولاً إلى الاستعمار الأوربي المباشر. والتقاءُ وقائع الطبقة والطائفة في شريحة المحميين واقعةٌ مستمرةٌ بين الزمنين.

تتصل بهذا الخطاب نزعة الإسلاموفوبيا العابرة للحدود، وتتصل به أيضاً مستمرات تاريخية من نوع «حقوق الأقليات» و«حماية الأقليات»، ومعلومٌ أنها كانت من عناوين التدخل الأوروبي منذ منتصف القرن التاسع عشر في منطقتنا.

ولافتٌ أن روسيا، وهي في طورها بعد الشيوعي غير منتجة لخطابات ومناهج معلومة في شؤون العالم المعاصر، طليعية في الترويج للصيغ الأكثر فظاظة من الخطاب الثقافوي الإسلاموفوبي. ومعلومٌ أن لقب رجل أوروبا المريض أطلقه قيصر روسيا نيكولاي الأول على السلطنة العثمانية عام 1853.

وتقع قضايا «الإرهاب الإسلامي» عند نقطة تقاطع الخطابين الجيوسياسي والثقافوي.

في تشكله الراهن، الخطاب الجيوسياسي يستبطن مركزية الغرب العالمية، كمعسكر سياسي حضاري مسيطر، وكمنتج أكبر لهذا الخطاب (وغيره)، ومركزية الدولة خارج الغرب، ومنه بخاصة إقليمنا الشرق أوسطي الذي ينضح اسمه بالذات بالجيوسياسة.

والخطاب الثقافوي متمركز حول الغرب كـ«حضارة»، وهذا مفهوم يتيح تعمية الفوارق بين الغرب الماهوي (مسيحي أو يهودي مسيحي) وبين الغرب الوجودي، إن جاز التعبير، الذي يمكن تعريفه بالليبرالية والديمقراطية والعلمانية، والإنسانيات. لكن لدينا تنويعات منتشرة للخطاب الثقافوي، متمركزة حول الدين، الإسلام، وكانت في موقعٍ مهيمنٍ فعلاً في ربع القرن السابق للثورات العربية، ويبدو أنها عائدة اليوم بقوة مع تحطم الثورات وصعود الجهادية. وهي منهجُ تفكيرٍ اختزالي يفسّر المجتمع والسياسة بالثقافة والذهنيات، مع إعطاء الدين موقعاً مركزياً في تشكيل الثقافة والذهنيات.

وينطوي الخطاب الثقافوي الغربي حول مجتمعاتنا على تراتبٍ مضمرٍ للجماعات، مُعرّفةً بثقافتها بدلالة قربها وبعدها من الغرب، فيكون غير المسلمين أقربَ وأولى بالحماية من المسلمين، وغير العرب مقربين أكثر من العرب، وغير السنيين أولى بالرعاية من السنيين. وقلما يختلف الأمر عند الثقافويين المحليين.

والواقع أن الخطاب الثقافوي خطاب جيوثقافي في كل حال، إن في صيغة «صراع الحضارات» أو في صيغة «دار الحرب» و«دار الإسلام» الإسلامية، أو هو يضمر تصورات جيوثقافية عند عموم الثقافويين العلمانيين في بلداننا. كان المرحوم جورج طرابيشي على سبيل المثال يعترض مُحقاً في ثمانينات القرن العشرين على «ثقفنة الصراع» مع الغرب، هذا قبل أن ينتقل هو نفسه في تسعينات القرن وما بعد إلى الإلحاح بشدة على «ثقفنة الصراع» من أجل الديمقراطية، وهو ما يحقن نزعته الثقافوية ببعد جيوثقافي يدعو للتأمل.

وفيما يخص ثنائية دار الحرب/ دار الإسلام الخاصة بالإسلاميين، يتطابق هنا الجيوسياسي بالجيوثقافي، وهذا بقدرِ ما إن الثقافي، وفي حقيقة الأمر الديني، يتطابق مع السياسي في تفكير الإسلاميين. والإضافة الجيوسياسية التي تولدت في الإطار السلفي الجهادي منذ تسعينات القرن السابق تتصل بثنائية أخرى: العدو القريب (نظم الحكم في بلدان إسلامية) والعدو البعيد (الغرب مفكراً فيه كمعسكر صليبي يهودي). ومن أساسيات النظرة الإسلامية إلى العالم التي لم يجر تحديها في أي وقت، تعريفُ المجتمعات بأديانها التي لا تتغير، واختزالُ الأفراد والمنظمات إلى عقائدهم التي يُنظر إليها كأديان أيضاً. وهو ما يقترن في كل حال بالنظر إلى مجتمعاتنا المعاصرة كمجتمعات إسلامية جوهرياً، الأمر الذي ينفي التعدد فيها، وينفي تاريخها الحديث، والقديم أيضاً، ويؤسس لحكم الإسلاميين حصراً. هذه الثابتة غير المنازَعة تسهل تطابق الجيوثقافي مع الجيوسياسي في عوالم الإسلاميين.

ما يُغفله الخطابان الجيوسياسي والثقافوي، فضلاً عن سِيَرِ الناس وصورهم وتحولاتهم وحياتهم اليومية وأوضاعهم الاجتماعية، هو أيضاً قضايا القيم: العدالة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية والاحترام. أعني بخاصة الاحترام الجمعي. الخطاب الإسلامي الذي يعرف الناس بأديانهم ويجعل منهم عينات على نماذج غير متغيرة يؤسس بالقدر نفسه لتحويل مجتمعاتنا إلى صناديق مغلقة، لا تفرّدَ فيها ولا شخصيات مميزة ولا تيارات فكر وصراع فكري وسياسي، ولا «أصالة» شخصية أو جمعية من أي نوع. وهو خطابٌ لا يظهر احتراماً قطّ حيال أي غير مسلمين، هذا حين لا تجاهر تنويعات له بالكراهية وإيجاب الكراهية حيال جميع غير المسلمين. وفي جميع صيغه، الخطاب الثقافوي خطاب احتقار وكراهية وقلة احترام، ومقاومةُ العنصرية ليس فقط لا تقوم على هذا الخطاب، بل إنها مشروطةٌ بالأحرى بتقويضه بجميع تنويعاته، الغربية والعربية، الإسلامية والعلمانية.

خطاب إنسانوي:

وفي سنوات ما بعد الثورة السورية أخذ في الرواج خطاب إنسانوي، يفكر في السوريين كلاجئين ومهجرين، وبصورة أعم كضحايا. يجري الكلام هنا على أعداد القتلى والمصابين واللاجئين خارج البلد والنازحين داخله، وربما البيوت والمدارس والمشافي المدمرة. هذا الخطاب الذي تروجه منظمات حقوق الإنسان مبنيٌ منهجياً على إغفال الأبعاد السياسية والاجتماعية للصراع السوري، وإنكار الولاية السياسية political agency للسوريين. وهو ما يبقى صحيحاً حتى في خطاب منظمات حقوق الإنسان السورية، ما كان ينفرد عن ذلك إلا خطاب «مركز توثيق الانتهاكات» بفضل رزان زيتونة التي جعلت من حقوق الإنسان فكرة ثورية، بصيرةً سياسياً، متوجهةً نحو العاديين من الناس، ومسكونة بسيَرهم ومِحَن حياتهم.

ويبقى إغفال الجذور السياسية والاجتماعية للصراع السوري ثابتاً حين يشمل الخطاب الإنسانوي باهتمامه انتهاكات وجرائم داعش أو التشكيلات العسكرية المقاومة للنظام، أو جماعة بي واي دي القومية الكردية.

ويشارك الخطاب الإنسانوي الخطابين الجيوسياسي والثقافوي في كونه خطابا خالياً من البشر. يجري الاستناد إلى قصص شخصية أحياناً، لكن ينظر إلى المعنيين كضحايا بحاجة إلى عون، كأمثلة على أوضاع إنسانية سيئة، كان يمكن أن نرى مثلها لو كان البلد المعنى أصيب بزلزال أو بجفاف.

ليس الخطاب الإنسانوي من جذور التوحش، لكنه لا يصلح، رغم اسمه، للتأنسن ومقاومة التوحش. وهذا بالضبط بسبب تكتمه المنهجي على الصفة السياسية لصراعنا، وتخاذله السياسي عموماً. ليس فقط لم يسهم الخطاب الإنسانوي في حماية الناس في سورية، ولكنه بدا داجناً جداً في عالم «الحرب ضد الإرهاب»، وغير مؤهل لتسجيل اعتراض قوي على هذا المنهج في السياسة الدولية. وليس هناك منظمة حقوقية دولية واحدة قالت كلاماً واضحاً عن حق السلفيين الجهاديين، بمن فيهم الدواعش، في العدالة، أو اعترضت على أن تكون الإبادة هي وحدها النهج المعتمد في التعامل معهم، أو دعت إلى تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة الدواعش والقاعديين. يستحق السلفيون الجهاديون الكارهون للعالم والعاملون على تدميره أن يسحقوا سياسياً، لكن من أجل ذلك بالذات يلزم فتح أفقٍ للعدالة في الصراع معهم، على المستويات المحلية وعلى المستوى العالمي. من شأن ذلك أن يخلخل تمركز مواجهة الإرهاب حول «بنى أمنية تحتية» لا يقدم القائمون عليها كشف حساب من أي نوع أمام المتأثرين بتلك المواجهة، وأن ينقلها إلى نطاق العدالة والحقوق، والسياسة. وإذ يخفف ذلك الاستقطاب بين «نحن وهم» وينشط المشترط العالمي المتصل بالحقوق والعدالة، فإنه يسهم في تخفيف التوتر في العالم والنزعات التفاصلية (سيد قطب) التي تناسب الجهاديين أكثر من غيرهم. الجهاديون ظاهرة حربية، وأجواء الحرب العالمية هي الأنسب لهم. والوقت متأخرٌ منذ الآن لرفع الصوت ضد قصر النظر السياسي والأخلاقي هذا.

فكرة حقوق الإنسان مرشحة لفقدان كرامتها نهائياً في هذا الامتحان العالمي.

منهج إدارة الأزمات

ويفاقمُ انحجابَ السوريين المنهجُ المعتمدُ للتعامل مع صراعات المنطقة، ومنها الصراع السوري اليوم، منهجُ إدارة الأزمات، الذي يُحيّد قضايا القيم دوماً، ويعمل على إخماد الأزمات ومحاصرتها ومنع تفجرها، وليس على البحث عن حلول اجتماعية وسياسية، وعالمية، حقيقية لها. وهذا النمط من المعالجة، عملية جنيف مثلاً، يبقى الأزمات ومنابعها حيّة قابلة للتفجر في كل وقت، والبلد المعني أو الإقليم مريضاً لا يموت ولا يشفى. والخاصية الثانية لهذا المنهج، بعد تحييد قضايا القيم، أنه ينظر إلى الصراعات في منطقتنا على أنها شجارات بين أولاد أشقياء غير عقلانيين، ليس لأي منهم قضية عادلة، وينبغي ضبط منازعاتهم من قبل أقوياء العالم وعقلانييه، أي نخب السلطة في دول الغرب القوية، وبالاعتماد على الأقلِّ لاعقلانيةً بين هؤلاء الأشقياء. ويصادفُ دوماً أن يكون الأقل لاعقلانية هو نخب الحكم في بلداننا التي تدير «الدولة»، وبخاصة «بنياتها التحتية الأمنية» بتعبير هيلاري كلنتون في مذكراتها كوزيرة خارجية (2014). قد يكون مديرو البنية التحتية هؤلاء قساة متوحشين، فاسدين وقتلة، لكنهم معروفون من قبل القوى النافذة، منضبطون، ويمكن توقع تصرفاتهم حيالها. إنهم الشيطان الذي نعرفه ونعرف أنه لا يقتل غير محكوميه وأمثالهم من الضعفاء، والمفضل لذلك بالذات على شيطان لا نعرفه يحصل أن يقتل بعض الأقوياء أيضاً. ولا يمسّ هذا المنهج حقيقة أن الكل شياطين، وأن قضايا العدل والعقل والسياسة ليست من مفردات عالمهم.

منهج إدارة الأزمات منحازٌ تكوينياً للشياطين المعروفة ضد المجتمعات المجهولة والمزدراة، وهو في الإقليم الشرق أوسطي منحازٌ تكوينياً لإسرائيل التي تشغل موقعا أسدياً حيال الفلسطينيين، وفي «الشرق الأوسط» عموماً، مثلما يشغل الأسديون موقعاً إسرائيلياً حيال السوريين والفلسطينيين السوريين. لكن مع فارقٍ مهم: في التزام مديري الأزمات بإسرائيل بعد قيمي قوي، بوصفها قوة خيرة، فيما لا يعدو النظام الأسدي كونه الشيطان الذي نعرفه، نحتقره لكن نحميه، وبخاصة «البنية التحتية الأمنية» تبعه.

وليس في انفصالٍ عن مضمرات منهج إدارة الأزمة من لاعقلانية أصيلة لأطراف الصراع ومن تهميش قضايا القيم، تحضرُ تلك اللازمة المكرورة في تصريحات مسؤولين غربيين وصحفيين عن أن الصراع السوري COMPLICATED (معقد). يُضمر هذا الحكم انفصالاً نفسياً عن وضع مختلط يصعب فهمه، ويتضمن أن الجميع سيئون، لكن بعضهم أقل سوءً، وخطرهم أصغر، مثل بشار الأسد، وآخرون أسوأ وخطرهم أكبر مثل داعش، والباقون أقرب إلى الأسوأ والأخطر. وما يغفله اجترار القول بأن الصراع السوري «كمبلكيتد» هو أن الأمر لا يتعلق بتكوين معقد من تلقاء ذاته، بل إن هناك عملية تعقيد وخلط أوراق اجتهدت من أجلها الدولة الأسدية، وكان للأميركيين دور كبير في تغذيتها طوال الوقت. وإذ يغفل الحكم بالتعقيد الجذر البسيط للصراع: هناك قاتلٌ عام، بَدَرَ بقتل محكوميه الثائرين، وهو مستمرٌ في قتلهم منذ ما يقترب من خمسة أعوام ونصف، لا يمهد إلا لحلول معقدة، لا تطوي صفحة كريهة، ولا تعالج مشكلة مزمنة معالجةً قريبةً من العدل، ولا تتيح بداية جديدة. وفي هذا ما يبقي الأزمة بخير، وما يبقى مديريها في موقعٍ لا يُستغنى عنه من أجل المزيد من إدارتها.

كتابة غير مسكونة

وتتلقى الخطابات الجيوسياسية والثقافوية والإنسانوية، ومنهج إدارة الأزمات، رفداً من نمطٍ كتابيٍ شاع في سورية في الحقبة الأسدية، الكتابة غير المسكونة، التي تخلو من سِيَرِ البشر ومساراتهم ووجوههم وحكاياتهم، ومن تفاصيل الحياة، ومن الأمثلة من الواقع العياني ومن الإحالة إلى شهادات وتجارب ووقائع محلية، ومن الانكباب على أي سجلات واقعية في أي شأن من شؤون الناس: الفقر، الجوع، السجن، الموت، الهجرة، التشرد، المرض، تراكم الثروات، أوضاع النساء، الدين والتدين، الخروج من الدين، المخابرات، المذابح، الموت، التعفيش والسرقة، التفكير، الحب، الفن، الإنتاج الثقافي، إلخ.

يقتصر النمط الكتابي السائد على دوال مجردة مثل العلمانية والحداثة والعقل، ومثل الإسلام والأصولية، والإرهاب، والاستبداد. أدونيس هو المثال المعروف أكثر من غيره لهذه الكتابة التي تكرر قول الأشياء ذاتها ألف مرة، بدل تناول ألف شأن لم يجر التطرق لها في أي وقت. يمكن وصفه بأنه الحاجب الثقافي العام للأسدية لأنه يقول أشياء كثيرة عن شيء واحد: رؤوس المحكومين، كيلا يقول شيئاً واحداً مهماً عن «الكرسي» الحاكم و«الرئيس المنتخب».

كان الحاجب منصباً مهماً في الدول الإسلامية المبكرة، على نحو وثيق الارتباط بظهور السلطة الامبراطورية المنفصلة عن السكان وخوف الحاكمين من المحكومين. والحاجب الثقافي يقوم بدور لا يقل أهمية، يُكمِّل وظيفة الحجب الأمني ويعززه، يغتاب المغيبين بالقوة. فمثلما يحجب الحاجب الخليفة عن الناس، يقوم الحاجب الثقافي بحجب «الكرسي» عن المساءلة العامة، وجرِّ النقاش طوال الوقت باتجاهات أخرى. الرجل الذي لم يلحظ واقعة التوريث يوماً، ولا خطاب «البيعة» و«تجديد البيعة» و«الأبد» و«الفتنة»، و«سيد الوطن» و«الأب القائد»، ولم يكتب نصاً واحداً مخصصاً لنقد الدولة الأسدية وإدانة ممارساتها، وكتبَ بالمقابل ما لا يحصى من نصوصٍ للتعريض بمعارضي النظام قبل الثورة، فضلاً عن التشكيك بالثورة منذ البداية، مع المثابرة على تحويل النقاش بثبات نحو «الإسلام» و«العرب»، يعرض بسالةً لافتةً في وظيفة الحاجب العام. وهو يدرج اعتراضه على الحجاب (غطاء الرأس) في سياق يسكت كلياً على الحجب والتحجيب السياسي المديد للسوريين.

هذه الكتابة حجاب هي ذاتها، تخفي ولا تظهر، تعمي ولا توضح، تتكتم ولا تفصح، تطرد الناس من النص وتحرمهم من التمثيل فيه كما يطردهم نظام السلالة الأسدية من الفضاء العام ويمنعهم من إسماع أصواتهم وتمثيل أنفسهم. إنها استمرارٌ للتغييب السياسي لعموم السكان عبر اغتيابهم والتقليل من شأنهم. الحاجب العام مجرد مثال، أتكلم عليه لأنه معروف في الغرب، إنه «مفرد بصيغة الجمع»، استعارة لوظيفة الحجابة، المكرسة لحماية «الخليفة» من «الرعاع». والاحتفاء بالحاجب العام في دوائر غربية مؤشرٌ في تصوري على رجحانٍ متزايدٍ للغرب الماهوي على حساب الغرب الوجودي.

التغييب والاغتياب

هذه الخطابات التي تجعل السوريين غير مرئيين تسهل التخلص منهم والتوحش في معاملتهم: اعتقال وتعذيب وحصار وتجويع وصناعة قتل ومذابح وتدمير بيئات الحياة. من قُتلوا ويقتلون في مواقع ومذابح سوف يُعيي عدَّها المؤرخون، من قتلتهم البراميل المتفجرة والطيران الأسدي والروسي، والسلاح الكيميائي، والميليشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية، كانوا قد اغتيبوا مراراً وتكراراً، وندرَ أن تسنت لهم فرصةٌ للكلامِ أو وصلِ كلامهم المنابرَ الأشهر، ونُزعت عنهم الصفة الإنسانية عبر الخطابات والمناهج المشار إليها، ما حال دون نيلهم التعاطف، وجعل موتهم أقل أهمية بكثير من موت غيرهم، في الغرب طبعاً، ومن المحميين أيضاً. وهذا سهّل عمل التوحش الأسدي إلى أقصى حد، وهو مشروع قتل مزدهر يعمل بأقصى طاقته منذ نحو 2000 يوم، ولا يواجه باعتراضٍ عالميٍ مهم. ولم تعد تجري حتى تغطية إعلامية لموت السوريين. بعد نزع إنسانيتهم خطابياً يبدو نزع إنسانيتهم سياسياً وموتهم ذاته شأناً قليل الأهمية.

وفي المجمل، يبدو القتل الإبادي الواسع النطاق استئنافاً للتغييب السياسي، سهل من أمره الاغتياب الخطابي. تغييبٌ سياسي فاغتيابٌ ثقافي فغيابٌ نهائي، هذه سيرة مختصرة لمعظم شهداء الثورة السورية.

وظاهرٌ أن الجماعة الأكثر تعرضاً للانكشاف ورفع الحمايات الرمزية والأخلاقية عنها بفعل هذه الخطابات والمناهج هي الأكثرية العربية المسلمة السنية. وكي نتبين الأثر الإجرامي لهذه المناهج والخطابات يكفي التذكير بالهوجة العالمية وقت انتزعت تشكيلات عسكرية مقاتلة للدولة الأسدية، وقتياً، بلدة كسب من يد النظام عام 2014، أو وقت معركة عين العرب/ كوباني، بالمقارنة مع ما جرى في عشرات المواقع في البلد على مدى السنوات الماضية.

هذا سهّل على الإسلاميين، السلفيين بخاصة، توليد سردية مظلومية تحول بينهم وبين الإحساس بغيرهم، وتغنيهم عن تطوير ضمير شخصي، والاستغناء عنه بضمير خارجي، المفتي أو «الشرعي». وهو ما عززته الخطابات الإسلامية النازعة لإنسانية البشر بدورها، العلويون بخاصة على يد الجهاديين. من قتلهم الإسلاميون كانوا جردوا من الحمايات الفكرية والخطابية لحياتهم عبر خطاب جيوسياسي- جيوثقافي تحقيري، ينظر إليهم كعلمانيين أو مرتدين أو «صحوات»، كائنات مباحة في ملحمة موت كبرى، لا قيمة فيها لحياة البشر. والقصد أنه لا يمكن للسكوت على نزع إنسانية قطاعٍ من السكان أن يحمي إنسانية قطاع آخر. نازعو الإنسانية ينزعون إنسانيتهم هم بينما هم ينزعون إنسانية غيرهم، ويمهدون لنازعين آخرين حين تتاحُ الفرصة.

لقد مهد حجب السوريين الأسدي السبيل أمام حجبهم الإسلامي، الأمر الذي يسوغ حجب التعاطف معهم أو رفع عتبته، ما يسهل التنكيل بهم، فندخل في دائرة مغلقة. الحجب الإسلامي لا يقتصر على إسدال اللباس أو الحجاب الشرعي على أجساد النساء فقط، وإنما كذلك عبر صيغة متشددة من التنميط التي تردُّ السكان إلى عينات متماثلة على مثال واحد.

وما كان لتوحش داعش، في رأيي، أن يكون ممكناً لولا التوحش المهول لدولة الأسديين في سورية (وقبلها توحش نظام صدام حسين). إن كان يمكن للأسديين قتل الناس تحت التعذيب وفي المذابح بهذه الكثافة، فبأي وجه يُستهول توحش الدواعش وأشباههم؟ بالمقابل وسَّعت داعش هوامش حرية الأسديين وطبّعتهم أمام عالمٍ راغبٍ في تطبيعهم. وهما معاً يوسعان هامش حرية كل المتشوقين للقتل في كل مكان من العالم، وهم كثيرون.

وبصورة عامة يبدو أن الإسلاميين يشكلون استمراراً للحجب الأسدي بوسائل أخرى، وعلى أرضية فكرية مغايرة، ولهم منذ الآن حُجّابُهم الشرعيون وأجهزة الحجب الخاصة بهم.

معرفة مقاتلة

لا يتولد التوحش من الخطابات، لكن الخطابات يمكن أن تسلط الضوء على التوحش وممارسيه، فتحفز إلى مقاومته، أو بالعكس تسدل عليه حجاباً فتجعل ضحاياه غير مرئيين، أو تضيء التوحش إضاءة انتقائية فتبرز جرائم وتحجب جرائم، وتضخم أخطاراً وتهون من أخطار، وتجعل حياة البعض ثمينة وحياة بعضٍ آخر لا قيمة لها. هذه الانتقائية هي الأشيع، وتبدو في سبيلها إلى ازدهارٍ أشد مع موجة الهجمات الإرهابية في بلدان أوربية متعددة.

في مواجهة الخطابات والمناهج والكتابة الاختزالية، لا نحتاج إلى ابتكار فريد جداً لمقاربة سورية والسوريين: الإنسانيات بما فيها الأدب، والعلوم الاجتماعية، توفر أدوات تقبل التطوير لتفكير السوريين وتعبيرهم، وللتفكير فيهم والتعبير في شأنهم. تطورت الإنسانيات كمناهج علمانية لنزع الحجب عن وجه الإنسان وكيانه، مناهج للرؤية وللأنسنة. أي أيضاً لمواجهة التوحش، ورؤية الإنسان في بيئاته واجتماعه وإنتاجه، كائناً يغير ويتغير، ويتأنسن.

يمكننا ويتعين علينا أن ننتفض على حُجُب الامتثال، والتفكير التطبيقي الكسول، لنُسهم في تطوير هذه المناهج من أجل نزعٍ أكثر جذرية للحجب، ورؤية أفضل. أن نقاوم أيضاً ضروباً إدارية من المعرفة، تلتزم بمواثيق للصواب سابقة للتجربة، للصراع وللمعاناة البشرية. ولا يكف أصحابها عن إعطاء توجيهاتهم عن بعد عن كيف ينبغي التفكير والعمل. مقاولو المعرفة ذوو الأيدي المعقمة، هؤلاء يشبهون أنفسهم قبل الصراع وأثناءه وبعده، الثورات والصراعات تجري في عالم آخر. وبالمناسبة، ليس «علم» الإسلاميين غير ضرب من معرفة إدارية تطبيقية، مكفولة الصلاحية دوماً في نظر معتنقيها الفرحين بما لديهم.

في مواجهة المعرفة المقاوِلة، المنشغلة بإثبات صلاحيتها الذاتية لكل زمان ومكان، ندافع عن معرفة مقاتلة، منخرطة في الصراع التحرري، منتبهة إلى الوقائع ولا تكفّ عن توسيع نطاق ما يمكن أن يُقال ويُفكَّرَ فيه، وعاملة على استكشاف تصورات جيدة للإنسان والحياة، والانفلات من أسر التقليد.

ورهانها في كل حال هو نزع الحجاب عن وجه السلطة، والخروج من وراء الحجاب أو الانعتاق العام.

الحجاب استعارة كبرى لعالمنا الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر، السوريون والعرب والمسلمون المعاصرون، يلتقي فيه حجب النساء وعزلهن عن الحياة العامة، مع التضليل والخطابات الحاجبة أو الانتقائية، ومع الحجب السياسي لعموم السكان. إنه رمز للتمييز الجنسي، وللتضليل الإيديولوجي، وللطغيان السياسي. ولذلك يمكن لنزع الحجاب أن يكون عنواناً للعمل التحرري، لانعتاق النساء، لكشف التدليس والتزوير، وللانعتاق السياسي والاجتماعي العام.

 

تاريخ النشر من المصدر: 
30/ 07/ 2016
المصدر: 
الجمهورية