توزع الولاءات في سورية وضياع جهود النضال

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/2/2016
السورية نت
المؤلف: 

بعد الإضراب الستيني الذي شهدته سورية في بداية عام 1936م، اضطرت فرنسا للرضوخ للضغط الشعبي السوري، وطلبت تشكيل وفد للذهاب إلى باريس وعقد معاهدة مع الحكومة الفرنسية([i]).

وبالفعل تمت المعاهدة بين الوفد السوري برئاسة هاشم الأتاسي والحكومة الفرنسية في باريس بعد أن استمرت المفاوضات ستة أشهر كان خلالها الوفد المفوض يطلع الشعب على مراحل المفاوضات، وكانت الكتلة الوطنية تعقد الاجتماعات في الأحياء السورية، وتعمل على وقف أي اضرابات أو تظاهرات، تتخذها الحكومة الفرنسية حجة لعرقلة مهمة الوفد في باريس، حتى ظهرت المعاهدة وتم التوقيع عليها في باريس، بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول 1936 بمبنى وزارة الخارجية الفرنسية([ii]).

عاد الوفد السوري منتصراً إلى سورية بما حققه من إنجاز، وُصف بأنه "معجزة القرن العشرين"، حيث تألفت المعاهدة من تسع مواد وملحق عسكري، كالتالي:

1 ـ تسود بين فرنسا سورية صداقة وسلم دائمان.

2 ـ التشاور في كل أمر يتعلق بالسياسة الخارجية، وتقيم كل من الدولتين لدى الأخرى ممثلاً سياسياً.

3 ـ تنتقل يوم زوال الانتداب إلى الحكومة السورية كل المعاهدات والعقود الدولية التي عقدتها الحكومة الفرنسية باسم سورية أو لصالحها.

4 ـ إذا أدى خلاف بين سورية ودولة أخرى إلى خطر قطع العلاقات مع تلك الدولة، تتداول الحكومات لتسوية الخلاف بالطرق السلمية. وفي حال خطر الحرب، يتداول الطرفان لاتخاذ التدابير الضرورية.

5 ـ مسؤولية حفظ النظام في سوريا والدفاع عن أراضيها تقع على عاتق الحكومة السورية، والحكومة الفرنسية تقدم مساعدتها العسكرية مدة المعاهدة.

6 ـ مدة المعاهدة خمس وعشرون سنة، وتفتح المفاوضات لتجديد المعاهدة بناء على طلب إحدى الحكومتين اعتباراً من السنة العشرين بعد وضعها موضع العمل.

7 ـ تبرم المعاهدة ويتم تبادل صكوك الإبرام بأسرع ما يمكن. وتوضع هذه المعاهدة موضع العمل يوم قبول سورية في عصبة الأمم.

8 ـ حالما توضع المعاهدة موضع العمل تسقط عن الحكومة الفرنسية مسؤولياتها فيما يتعلق بسورية وتنتقل للحكومة السورية.

9 ـ أبرمت هذه المعاهدة باللغتين العربية والفرنسية ولدى الخلاف يعول على الفرنسية([iii]).

كما تضمنت المعاهدة اتفاقاً عسكرياً ملحقاً تتعهد فيه سورية بإعطاء فرنسا مدة التحالف قاعدتين جويتين هما في المزة والنيرب، وبإبقاء الجنود الفرنسيين في اللاذقية (معقل العلويين بسورية) وجبل العرب (معقل الدروز بسورية) خمس سنوات على ألا يعتبر هذا احتلالاً ولا يمس بسيادة الدولة السورية([iv]).

بالطبع فإن فرنسا لم تكن مستعدة لتنفيذ هذه الاتفاقية، ورفض برلمانها المصادقة عليها، رغم أن البرلمان السوري أقرها. وقد برر "بيير فيينو" وهو نائب في البرلمان الفرنسي آنذاك ووزير سابق لعب دوراً هاماً في عقد المعاهدة الفرنسية السورية سنة 1936م ذلك بقوله: "يتجه الرأي العام الفرنسي إلى الاعتقاد بأن فرنسا (تملك) سورية، ولكنها لا تعاملها كما تعامل المستعمرات. بل إن واجبها أن تقوم على إرشادها والدفاع عنها، ورعاية المصالح الفرنسية فيها (...) والناحية الجوهرية التي يجب أن ننبه إليها هي أن الاستعمار يوافق الشعوب المتأخرة التي لا تستطيع أن تقوم على إدارة نفسها. فما هو مدى الرقي في بلاد الشرق الأدنى؟"([v]).

ففرنسا المستعمِرة كانت ببساطة تلعب بالسوريين، وتماطلهم، لأنها لم تكن تجد أنهم وصلوا لمرحلة يكونون فيها أهلاً للاستقلال وتحمل تبعاته، ولم يكونوا قادرين على إدارة بلادهم حسب وجهة نظرها.

إلا أن السبب الأهم الذي ذكره "فيينو" هو لبنان وضرورة انفصاله عن سورية وقال: "يهمنا كفرنسيين أن يبقى لبنان في نجوة من طغيان الوحدة السورية (...) وفي يناير 1936  خضعت طرابلس المدينة اللبنانية إلى حركات الوطنيين في دمشق فشاركت في الإضراب العام [الستيني]، ومن هنا ظهرت لنا ضرورة العناية باستقلال لبنان وانفصاله لما له من أهمية رئيسية بالنسبة إلى فرنسا"([vi]).

كان انفصال لبنان عن سورية مهمة أساسية لفرنسا، لا يمكن التهاون بها، لذلك كانت المعاهدة الفرنسية مع لبنان تنص أن التحالف التي حدد بـ25 سنة في المعاهدة السورية يمكن تجديده ثانية في المعاهدة اللبنانية لمدة مساوية؛ والقواعد العسكرية لا تخضع لحدود معينة في التمركز والتنقل والمناورات. مما جعل "فيينو" يقول: "استطعنا بواسطة هذا النظام الجديد أن نوطد مقامنا في لبنان وأن نثبت أركانه"([vii]).

وفي الواقع ورغم الترحيب الذي رافق المعاهدة من قبل السوريين إلا أنها لاقت اعتراضات من شخصيات سورية مرموقة، بعضهم قدم أسباباً وجيهة، وبعضهم عارضها لأسباب خاصة. وقد كتب محب الدين الخطيب في اعتراضه على المعاهدة قائلاً: "إنّ سورية ليست محتاجة إلى اعتراف رسميّ من فرنسا باستقلالها...، إنّما الّذي تحتاجه سورية هو انتهاء هذا الانتداب، وسحب فرنسا قوّاتها المسلّحة من البلاد إلى نقط محددة واضحة، وأن تُطلق أيدي السّوريين في شؤونهم التّشريعيّة والقضائيّة والإداريّة، فتكون كلّ بقعة، غير النّقط المعيّنة والمحدّدة، آمنة من أيّ احتلال عسكريّ، وتكون الإدارة الدّاخليّة سالمة من كلّ سيطرة أجنبيّة. ولمّا كانت سورية عضواً في جسم القوميّة العربيّة والملّة الإسلاميّة، فيجب أن لا تكون المعاهدة مصدر خطر على الأقطار العربيّة والإسلاميّة المجاورة لها"([viii]).

وهذا الرّأي لمحب الدّين طُبع مع رأي آخر مشابه للدكتور عبد الرّحمن الشّهبندر([ix]) في كتيّب صغير، أصبح فيما بعد وثيقة هامّة من وثائق الحركة التّحرريّة في سورية. لكن معارضة الشهبندر لم تكن فقط لذات الأسباب التي ذكرها محب الدين، لكنها تمثل بياناً لحالة الانقسام التي كانت موجودة بين النخب السياسية السورية، ففي تلك الحقبة انقسمت المعارضة السورية في ولائها بين طرفين عربيين متضادين:

1 ـ المملكة العربية السعودية التي ظهرت عام 1932م، بتوحيد نجد والحجاز ومناطق أخرى تحت راية آل سعود. وكان ولاء الوفد المفاوض السوري بقيادة هاشم الأتاسي تابعاً لها.

2 ـ الهاشميون، حيث تسلم أبناء الشريف حسين الحكم في العراق وشرقي الأردن، وكان ولاء عبد الرحمن الشهبندر وجماعته تابعاً لهم.

هذان الطرفان (السعوديون والهاشميون) صبوا جهدهم للسيطرة على سورية وفلسطين، وأحدثت سياستهم التنافسية ودعم كل طرف منهم لجماعة من المعارضة السورية مآسٍ، وكانت عوناً لبريطانيا وفرنسا على استمرار نفوذهما في المنطقة. وأحدثت هذه السياسة التنافسية شرخاً في تماسك المعارضة السورية تجاه الاحتلال، وظهرت العداوات بين الشخصيات والفئات والأحزاب، مما شتت الجهود وأضعف المقدرة على المطالبة بحقوق السوريين وإرغام الفرنسيين على تنفيذ معاهدة 1936م([x]).

كما أن هذه الانقسامات بين النخب السياسية السورية انعكست على المجتمع السوري وتأييده لتلك النخب. واستغلت فرنسا هذا، وراحت تحرض السكان في سورية، وخصوصاً الأقليات، على رفض السلطة المركزية والعمل على الانفصال. حتى جاء عام 1939م، وأقر البرلمان الفرنسي، وليس السوري، سلخ لواء اسكندرون عن سورية، وتسليمه لتركيا، بحجة أن 39 بالمئة من سكانه تركمان([xi])، ولم تستطع المعارضة السورية فعل شيء، بسبب انقسامها على نفسها، مما جعل السوريين يتمردون عليها، وينتفضون ضد الفرنسيين، فعمت المظاهرات البلاد، وقابلتها فرنسا، كعادتها بالحديد والنار.

______________________________________________________________________________________

[i] ـ راجع مقال: ستون يوماً لا تنسى من تاريخ سورية، السورية نت، على الرابط: https://goo.gl/cl0Bg2

[ii] ـ انظر: حنين يوسف: المعاهدة السورية الفرنسية 1936، مجلة سوريتنا، العدد31، نيسان 2012م.

[iii] ـ انظر: سعد سعدي، معجم الشّرق الأوسط، ص 110 ـ 111؛ وعبد الرحمن الشّهبندر، المقالات، ص 96.

[iv] ـ في هذه المعاهدة ضمت دولة العلويين ودولة الدروز للدولة السورية، راجع مقال: الانتداب الفرنسي وتقليص سورية، السورية نت، على الرابط: https://goo.gl/UizRK6

[v] ـ انظر: مجلة الرسالة، الانتداب الفرنسي في بلاد الشرق، تلخيص شكري فيصل، العدد 311، 19/6/ 1939م.

[vi] ـ انظر: مجلة الرسالة، الانتداب الفرنسي في بلاد الشرق، تلخيص شكري فيصل، العدد 312، 26 / 6/ 1939م.

[vii] ـ المرجع السابق نفسه، وراجع مقال: دولة لبنان الكبير، السورية نت، على الرابط: https://goo.gl/DmgEW4

[viii] ـ محب الدّين الخطيب، "إلى الأمّة العربيّة الكريمة، المعاهدة السّوريّة مع فرنسا هل حققت استقلال سورية؟"، دمشق، الوثائق التّاريخيّة، القسم الخاصّ، الاتحاد الوطني، البيانات، الوثيقة رقم 8/8، 8 ـ 9.

[ix] ـ عبد الرّحمن الشّهبندر، ولد في دمشق عام 1879م، وتخرّج من كليّة الطّب عام 1906م، كان من الخطباء المفوّهين، ومن رجال الوطنيّة والقوميّة، هرب من جمال باشا عام 1915م، وعاد إلى دمشق مع دخول قوات فيصل، شارك كوزير للخارجيّة في الحكومة الفيصليّة، اغتيل عام 1940م، من كتبه القضايا الاجتماعيّة الكبرى؛ انظر، عمر رضا كحّالة، معجم المؤلّفين، ج5، ص141.

[x] ـ راجع كمال ديب: تاريخ سورية المعاصر، ص 73 ـ 75. وانظر: مذكرات أكرم الحوراني، ج1، ص 98.

[xi] ـ كمال ديب: تاريخ سورية المعاصر، ص 75.

تعليقات