ثلاثي سوتشي في اجتماع جديد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-02-14
القدس العربي
المؤلف: 

تنعقد القمة الروسية – التركية – الإيرانية مجدداً في شروط تغيرت، إلى حد كبير، في الصراع السوري، أهمها قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته من سوريا، ذلك القرار المثير للجدل الذي أعاد خلط الأوراق، وجعل جميع القوى المنخرطة في الصراع السوري تعيد حساباتها وفقاً للوحة جديدة سيغيب عنها الأمريكيون.

ثمة ملفات سورية عدة ستكون على طاولة المباحثات بين الرؤساء الثلاثة، هي مستقبل الوضع في إدلب، ومستقبل شرقي نهر الفرات بعد الانسحاب الأمريكي المتوقع، بما في ذلك مصير قوات سوريا الديمقراطية ومناطق الإدارة الذاتية التي تسيطر عليها، وأخيراً موضوع اللجنة الدستورية التي يقال إن تشكيلها قد تم، بصورة أولية، بانتظار توافق القادة الثلاثة عليها.

كذلك لا يمكن إغفال تزامن موعد انعقاد القمة مع انعقاد اجتماع دولي في وارسو، بدعوة من الولايات المتحدة، موضوعه مواجهة إيران وتشديد خناق الحصار عليها. وبهذا المعنى يمكن القول إن ثلاثي سوتشي يقف على طرفي نقيض مع أجندة الولايات المتحدة الهادفة إلى محاصرة إيران وتقويض نفوذها الإقليمي. سيجد الرئيس الإيراني حسن روحاني متنفساً في سوتشي بين دولتين صديقتين سبق وأعلنتا رفضهما لمقاطعة إيران من خلال الرضوخ لنظام العقوبات الاقتصادية المفروض من واشنطن.

لكن هذه البيئة الودية لا تعني أن الشركاء الثلاثة هم «سمن على عسل» على طول الخط، وخصوصاً في سوريا. فمنظور كل من الدول الثلاث للصراع في سوريا يختلف عما لدى الشريكين الآخرين. بل إنه كلما اقترب اللاعبون من خط النهاية المفترض ظهرت إلى السطح الخلافات العميقة بينهم. وكما كان غياب التوافق الدولي سبباً لانعدام القدرة على وضع نهاية للصراع السوري، في مسار جنيف، كذلك قد يكون غياب التوافق بين شركاء سوتشي الثلاثة سبباً مماثلاً، وإن كان ذلك تحت غطاء خادع من التوافق بينهم.

ويمكن تقسيم المسائل الخلافية بين الشركاء إلى تلك التي تخص الشمال السوري، عن أخرى تخص الجنوب. ففي الشمال لدينا العامل البارز هو تركيا التي لديها هواجسها الكردية وطموحاتها التوسعية التي لا تتطابق مع مصالح وتطلعات شريكتيها. في حين أن العامل البارز في الجنوب هو إسرائيل وهواجسها الأمنية وموقفها من الوجود الإيراني.

لعل «الوجع التركي» العاجل يتركز، حالياً، على محافظة إدلب وجوارها حيث بسطت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) سيطرتها الميدانية على معظم تلك المناطق التي من المفترض أن تركيا تضمنها، وفقاً لاتفاق سوتشي في أيلول 2018، لإقامة منطقة منزوعة السلاح، تضمن إعادة الحياة للطريقين الدوليين حلب ـ دمشق، وحلب – اللاذقية. وهو ما تضغط موسكو على أنقرة لتحقيقه، في حين ليست الأخيرة في وارد فتح معركة عسكرية ضد هيئة تحرير الشام. من الصعوبة بمكان أن يخرج من اجتماع سوتشي حل لهذه المعضلة غير الحل العسكري الروسي المؤجل. ما الذي يمكن لروسيا أن تعطيه لأنقرة مقابل تخليها عن إدلب لمصلحة النظام الكيماوي؟.

الشائع في التوقعات هو صفقة منبج مقابل إدلب. لكن منبج ليست في يد روسيا ليتسنى لها إتمام صفقة مماثلة، بل هي في يد الأمريكيين والفرنسيين و«قسد». فهل يحصل أردوغان على مهلة إضافية أم يوافق صاغراً على حل مشكلة إدلب على الطريقة الروسية؟ مع العلم أن الورقة الوحيدة في يد تركيا للحصول على تأجيل جديد لعمل عسكري روسي – أسدي في إدلب، هي ورقة الخوف من موجة نزوح جديدة وكبيرة باتجاه الأراضي التركية. ولا يمكن لروسيا أن تقدم ضمانات لتركيا بعدم حدوث ذلك إلا بالتخلي عن الخيار العسكري. وفي هذا الموضوع يجد أردوغان دعماً من الأوروبيين، هذا ما حصلت عليه أنقرة من الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في إسطنبول، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وضم، إلى أردوغان، كلاً من الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل.

المرجح، في ظل هذه الشروط أن يتوافق ثلاثي سوتشي على استمرار الوضع في إدلب على ما هو عليه، بانتظار تغير الشروط الحالية.

أما موضوع ملء الفراغ الذي سينتج عن الانسحاب الأمريكي، فهو موضوع خلافي بين الشركاء الثلاثة. وقد اقترح بوتين على أردوغان، في اجتماعهما قبل أسبوعين، العودة إلى تفعيل اتفاقية أضنة التي تعطي تركيا الحق في ملاحقة قوات حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية بعمق 5 كلم. لكن هذا التفعيل يقتضي تطبيعاً للعلاقات بين أنقرة ونظام دمشق. للمرة الأولى تحدث الرئيس أردوغان بنفسه عن وجود اتصالات مع النظام «بمستوى منخفض»، وذلك بعد عودته من موسكو بأيام قليلة. وإذا صح خبر زيارة قام بها رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك إلى مدينة أنطاليا للقاء نظرائه الأتراك، يكون هذا التسريب، بحد ذاته أي بمعزل عن صحته من عدمها، نوعاً من تمهيد الجو لعلاقات «بمستوى أعلى» كما ترغب موسكو. على أي حال، ثمة بعض الوقت قبل إتمام الانسحاب الأمريكي، ليرتب الشركاء الثلاثة أمورهم لمواجهة الفراغ الذي سينشأ في شرقي الفرات.

أما في الجنوب، فالسائد هو صراع إسرائيلي – إيراني على الأراضي السورية، مع موقف روسي ملتبس يغض النظر عن ضربات إسرائيل للمواقع الإيرانية، في الوقت الذي تعمل موسكو بشراكة معلنة مع إيران، وتحميها من الضغط الأمريكي. هناك تكهنات كثيرة حول اقتراب موعد انفجار الشراكة الروسية – الإيرانية في سوريا. فلا شك أن التخلص من الشريك الإيراني المنبوذ دولياً يناسب طموح بوتين في التفرد بمصير سوريا، وربما من شأن إخراج إيران من سوريا أن يمنح بوتين هامش عمل أوسع مع تركيا بما يزيد من إبعادها عن حلف الأطلسي. وكذلك يكون قد استجاب لطلب واشنطن بإخراج إيران من سوريا. أما هل تملك روسيا القدرة على ذلك فهذا هو التحدي الحقيقي الذي لن يخوضه بوتين إلا بإبرام صفقة عزيزة المنال مع واشنطن.

يبقى موضوع اللجنة الدستورية. من المحتمل أن يخرج القادة الثلاثة من اجتماعهم ليعلنوا هذا «الإنجاز» الذي لا يعني بحال أن الحل السياسي بات قريباً. بل فقط لإظهار أنهم عملوا شيئاً.