ثورتنا بعيون عربية: قراءة في نتائج المؤشر العربي 2015

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/12/2015
السورية نت

دأب النظام السوري في استراتيجيته الدعائية على وصف الثورة بأنها مؤامرة كونيّة، وصناعة خارجية إمبريالية تستهدف نظامه الممانع، عبر أدوات داخليّة جندت لهذا الغرض. ولطالما ادعى بشار الأسد في مقابلاته أن نظامه يحظى بتأييد عربي واسع على مستوى القاعدة، والرأي العام العربيّ كونه رأس الحربة، أو على ما يقول " القلعة الوحيدة" المتبقية في مواجهة إسرائيل وحلفائها. ومع أن دحض هذه الرواية لا يحتاج إلى جهد كبير، خاصة وأن سورية غدت مستباحة من قبل ميليشيات طائفية ما قبل دولتية، وأضحت رهينة احتلالين عسكريين يقاتلان لوأد ثورتها (روسيا، وإيران)، فإنه من المهم تسليط الضوء على اتجاهات الرأي العام العربي تجاه الأزمة السورية، والحل الأمثل لها، لإيضاح مكانة الثورة، وموقع النظام ضمن التفاعلات المجتمعية في عدد من الأقطار العربيّة. انطلاقًا مما سبق، نعرض في هذا المقال نتائج المؤشر العربي، الذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤخرًا تجاه الأزمة السورية والحل الأمثل لها. وتجدر الإشارة إلى أن المؤشر العربي هو تقرير سنوي، يعد الأضخم من نوعه في المنطقة العربية من ناحية حجم العينة، إذ يبلغ عدد المستجوبين نحو 20 ألف في أكثر من 12 دولة عربية، وجميعهم، كل على حدة، تفاعلوا مع الاستمارة عبر مقابلة وجاهية استمرت لمدة 45 دقيقة بالحد الأدنى.

وفي تفاصيل النتائج، فإن 62% من الرأي العام العربي يرى أنّ الحلّ للأزمة السّورية يكمن في تغيير النِّظام السّياسيّ الحاكم. أمّا الاتّجاه الثّاني، فيقترح أصحابُه القضاء على الثّورة، وتؤيِّده نسبةٌ تمثِّل 12% من المستجيبين. في حين يقترح أصحاب الاتّجاه الثالث حلّ الأزمة السّوريّة من خلال عمليّةٍ سياسيّةٍ سلميّةٍ، تشارك فيها جميع القوى السياسيّة، وقد عبّر عن ذلك نحو 8% من المستجيبين. أما الاتجاه الرابع فقد اقترح 9% التخلص من تنظيم داعش ثم التوافق بين الأطراف السياسية. وبنظرة تحليلية للنتائج السابقة نرى أن الرأي العام العربي يكاد يكون شبه مجمع على ضرورة تغيير نظام الحكم في سورية، وقد اقترح أصحاب هذا التحاد مقترحات عدة للوصول إلى ذلك من أبرزها؛ تنحي بشار الأسد وتقديم للمحاكمة، إسقاط النظام بكافة الوسائل، دعم الثورة بالسلاح للقضاء على النظام، تدخل عسكري عربي لإجبار النظام على التنحي. أما فيما يتعلق بالراغبين بالقضاء على الثورة، ونسبتهم لا تتعدى 12 %، فاقترحوا القضاء على الثورة والمعارضة والجماعات المسلحة، وإيقاف الدعم الخارجي الذي تحصل عليه المعارضة. من جهة أخرى، تتباين النتائج بين بلدٍ عربيٍّ وآخر؛ فعلى صعيد اقتراح القضاء على الثّورة باعتباره حلًّا أمثل للأزمة السّوريّة، فقد أيد نحو خمس المستجيبين في كل من لبنان، والجزائر، والعراق هذا الخيار، فيما كانت النسبة 15% في المغرب، و14% في فلسطين، و12% في الأردن و10% في الكويت، وأقل من ذلك بقليل في بلدان عربية أخرى. أمّا على صعيد نسب المستجيبين الذين اقترحوا تغيير نظام الحكم باعتباره حلًّا أمثل للأزمة، فقد تباينت أيضًا بين بلدٍ وآخر، فقد توافقت أكثرية المستجيبين على ذلك في كلٍّ من: الأردن وموريتانيا ومصر وفلسطين والسّودان والسّعودية والمغرب، والكويت، والجزائر. أمّا في كل من العراق، ولبنان، وتونس، فقد كان التأكيد أقل من نصف المستجيبين؛ إذ إنّ 38% من اللبنانيين و43% من العراقيين و44% من التونسيين أيدوا تغيير نظام الحكم في سورية.

ومع أن أغلبية أراء المواطنين العرب، على ما أوضحنا، تؤيد تغيير النظام، فإن تغيرات قد طرأت على النتائج هذه السنة (2015) مقارنة بالسنوات السابقة؛  إذ انخفضت نسبة الذين أفادوا أنّ الحل الأمثل للأزمة هو تغيير النظام من 66% في استطلاع 2012/ 2013 إلى 62% في استطلاع 2015. بالمقابل، ارتفعت نسبة الذين قالوا إنّ الحل الأمثل للأزمة هو القضاء على الثورة أو المعارضة من 3% في استطلاع 2012/ 2013 إلى 12% في استطلاع 2015. وعند مقارنة نتائج استطلاع 2015 باتجاهات الرأي العام في استطلاع 2014، نجد أنّ نسبة الذين أيدوا تغيير النظام في 2015 أقل منها في 2014 حيث كانت النسبة 69%. كما أنّ النسبة المؤيدة لبقاء الأسد ونظامه في الحكم عام 2014 كانت 16% وأصبحت 12% في استطلاع 2015. بطبيعة الحال، من المهم التأكيد أنّ 9% من الرأي العام العربي أدخل في هذا الاستطلاع أيضًا إجابات حول القضاء على داعش ثم التوافق على حل الأزمة، في حين ذكر ما نسبته 1% من الرأي العام العربي في استطلاع 2012/ 2013 عدم التدخل الخارجي. إن مقارنة اتجاهات الرأي العام نحو الأزمة السورية في استطلاع 2015 باستطلاع 2012/ 2013، يظهر بشكل جلي ارتفاع نسبة الذين يرون أنّ حل الأزمة يجب أن يكون من خلال القضاء على الثورة والمعارضة، فيما بقيت نسب الذين يرون أنّ تغيير النظام هو الحل الأمثل للأزمة ثابتة مع انخفاض طفيف. الأمر الذي يفرض على المؤسسات السياسية والإعلامية المؤيدة للثورة جهدًا إضافيًا للتعريف بالثورة، كقضية عادلة لشعب مضطهد، غدا نصفه تقريبا مشرد في أصقاع الأرض، وليس كما يروج على أنها حرب أهلية بين طرفين متكافئين، كما يحاول الإعلام الرسمي العربي تصويره، خاصة بعد تنامي نفوذ وحضور الجماعات الجهادية في المشهد السوري.

تعليقات