جديد لعبة المحاور في المنطقة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/9/2017
العربي21
المؤلف: 

سالت الكثير من المياه تحت الجسر في المنطقة العربية في السنوات السبع الأخيرة، فلا شيء في العالم العربي اليوم في نهايات 2017 يشبه ما كان الوضع عليه قبل 2011. كانت الثورات العربية وما زالت أهم وأخطر حدث فرض نفسه على واقع المنطقة ومستقبلها بحيث لا يمكن تفسير أي ظاهرة أو متغير مهم دون التطرق لها، وما زالت ارتداداتها تتفاعل وتؤثر بطرق مختلفة سيما على صعيد المحاور والتحالفات في الإقليم.

قبل الثورات، كان العالم العربي - والمنطقة عموماً - يتوزع على محوري "الممانعة" و"الاعتدال" مع حالة شبه خاصة لكل من قطر وتركيا اللتين حُسبتا في وقت متأخر على محور "الممانعة" بسبب مواقفهما رغم أنهما لم يكونا عضوين أصيلين فيه. قلبت الثورات - خصوصاً المصرية - الموازين في المنطقة وانفرط عقد المحورين، لكن الثورة المضادة عملت على ترميم محور "الاعتدال" وتقويته، فيما بدا بعض التماسك على محور "الممانعة" مع متغيرات مهمة.

في مشهد الثورات، قادت إيران الثورة المضادة في سوريا، فيما تولت السعودية والإمارات المهمة في باقي الدول وخصوصاً مصر الأكثر تأثيراً في معادلات المنطقة. هكذا، ومع الوقت تشكلت ثلاثة محاور رئيسة في المنطقة: المحور الإيراني الذي يضم إضافة إليها العراق والنظام السوري وحزب الله وعدداً لا بأس به من الميليشيات المقاتلة في سوريا والعراق، ومحور الاعتدال العربي الذي يضم "الرباعية العربية" أي السعودية والإمارات ومصر والأردن ومعهم البحرين، فيما بقيت تركيا وقطر تشكلان ثنائياً قريباً من حماس والإخوان والإسلاميين العرب عموما.

في كتابه العمق الاستراتيجي (نشر عام 2001)، تحدث أحمد داود أوغلو عما أسماه المثلث الاستراتيجي الحساس الذي يتكون من تركيا ومصر وإيران، وقال إن هذا الشكل الثلاثي يفرض دائماً تقارب دولتين في مواجهة الثالثة، ضمن "ألعاب ميزان قوى قاسية لا رحمة فيها" تبدو كـ"لعبة شطرنج متداخلة متشعبة تقوم فيها التحالفات على أساس المصلحة والأوضاع المؤقتة". إذ كلما استبعدت القوى الخارجية إحدى هذه الدول من المنظومة كان يتم في المقابل اجتذاب الدولتين الأخريين إليها. وقد كانت تركيا - حسب داود أوغلو - تلعب دور الحكم في هذا التوازن، بحيث تبني علاقات متزنة مع الطرف المستبعد من المنظومة وتعقد تحالفات مع الطرف الموجود داخلها، ضارباً حلف بغداد في مواجهة عبرالناصر وتقارب تركيا ومصر بعد الثورة الإيرانية كأمثلة.

منذ انقلاب السيسي في 2013 يمكن ملاحظة تراجع الدور الإقليمي لمصر والسعي الحثيث للسعودية لقيادة منظومة العمل العربي والإسلامي المشترك، بحيث يمكنني أن أفترض أن مثلث المنطقة الاستراتيجي قد تحول - ولو مؤقتاً - إلى تركيا - إيران - السعودية، مع بقاء معادلة التوازن ومحدداتها قائمة إلى حد بعيد، وهو ما يفسر مثلاً التقارب السابق بين أنقرة والرياض لموازنة التمدد الإيراني في المنطقة.

أما اليوم، فنحن أمام متغيرات عدة جديدة ومؤثرة في محاور المنطقة وتوازناتها، تدفع باتجاه التقارب أكثر فأكثر بين أنقرة وطهران، بعد أن وصلت التراشقات الإعلامية بينهما عام 2015 إلى حديث تركيا عن "سياسات إيران المذهبية والعرقية" وتهديد رئيس الأركان الإيراني حينها بتحويل "سوريا إلى مقبرة للأتراك".

ثلاثة متغيرات رئيسة جسرت سريعاً جزءاً مهماً من الهوة بين أنقرة وطهران وقربت المسافات بينهما كما لم تكن يوماً: تطورات الأزمة السورية والأزمة الخليجية واستفتاء كردستان العراق المزمع إجراؤه في الـ25 من الشهر الجاري. المهددات والمخاطر المشتركة كانت أعلى صوتاً مؤخراً، سيما مسار استقلال إقليم شمال العراق الذي تنظر له الدولتان الإقليميتان على أنه "مسألة أمن قومي" وتهددان لذلك بإجراءات غير مسبوقة في مواجهته. ولعله من المهم عدم إغفال دور الكيان الصهيوني في بعض هذه الملفات، سيما استفتاء كردستان ومسار التطبيع الخليجي المفترض/المتوقع مع تل أبيب، إذ تبقى الأخيرة عامل تهديد لطهران ولا تربطها اليوم مع أنقرة علاقات تحالف كما في السابق رغم عودة العلاقات.

وفق ما سبق من تصورات وتطورات، ثمة تقارب غير خفي بين تركيا وإيران (وقطر بدرجة أقل) في مقابل السعودية، تمثل في مسار أستانا وبلغ ذروته في زيارة رئيس الأركان الإيراني - الأولى من نوعها - إلى أنقرة وتتابَعَ مع اتصال هاتفي أجري قبل يومين بين رئيسي أركان البلدين. بيد أن إقرار وجود هذا التقارب ينبغي أن يقترن بأربع ملحوظات مهمة: 

الأولى، أنه "تقارب" حتى الآن ولم يصل لدرجة "التحالف" أو تشكيل المحور، وقد لا يصل أبداً.

الثانية، أنه لا يعني عداوة بين أنقرة والرياض بالضرورة خصوصاً من طرف الأولى، فالجهد التركي في تجنب المواجهة - ولو اللفظية - معها واضح وجلي رغم ما صدر عنها إعلامياً وسياسياً ضد أنقرة في الأزمة الخليجية.

الثالثة، أنَّ تقدم السعودية على حساب مصر قد يتغير مستقبلاً، على المدى المتوسط على أقل تقدير، وهو متغير له تأثيره في مجمل ملفات وتوازنات المنطقة ومن ضمنها لعبة المحاور والتحالفات والاصطفافات.

الرابعة، وهي الأهم، أن حالة السيولة الشديدة في المنطقة لا تسمح بتشكل أحلاف ومحاور متناغمة ومتماسكة، ولا ينبغي التسرع في الحكم على مآلات الأمور مع كل تطور أو حدث في هذا الاتجاه أو ذاك، كما حصل مع من تسرعوا لإطلاق مصطلح "المحور التركي - السعودي" أو "المحور التركي - القطري - السعودي" في ظل افتقاده لأي أرضية منطقية. ففي النهاية، ما زالت حالة التدافع والتبدل والسيولة قائمة ومرشحة للاستمرار مستقبلاً، فكما يقول داود أوغلو ما يحكم هذه اللعبة الدينامية ليس التماثل في النظم أو التوافق في الأيديولوجيات، بل هي المصالح والأوضاع المؤقتة/المتغيرة.

تعليقات