"جريدة العاصمة" عندما كان في سورية صحافة حرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/3/2016
السورية نت
المؤلف: 

عندما دخلت القوات العربيّة إلى سوريّة في30 سبتمبر/أيلول 1918م، وأُعلنت الحكومة العربيّة هناك، كانت الروح العامة السائدة في سورية مشجعة لدرجة كبيرة، فالدّولة الحديثة تعد بالكثير من الحرية والقانون والنهضة المرتقبة.

وبما أن حرية الصحافة تتناسب طرداً مع تقدم الأمم فقد شجّع الملك فيصل صدور الصحف في سورية، وفتح المجال أمام الصحفيين للتعبير عن آرائهم، ودعا رؤساء تحرير الصحف في دمشق وطلب منهم دعم الروح الوطنية الاستقلالية.

وفي هذا الجو المفعم بالتفاؤل والأمل بالمستقبل صدرت جريدة العاصمة. وهي جريدة رسميّة تنطق بلسان الحكومة، وتتولّى نشر المراسيم والقرارات والإعلانات الرّسميّة، مع بعض الأخبار المحليّة، والنّشاطات الرّسميّة([1]).

وكانت العاصمة تصدر مرّتين في الأسبوع، يومي الإثنين والخميس، وصدر العدد الأوّل منها بتاريخ 17 جمادى الأولى 1337هـ، الموافق  17 فبراير/ شباط 1919م.

وتولى رئاسة تحريرها القانوني شاكر الحنبلي([2]) وجاء في افتتاحيّة عددها الأول: "لمّا كان لا بدّ لكلّ حكومة من جريدة رسميّة، تتكلم بلسانها، وتنشر قوانينها وتذيع بلاغاتها، وتنبئ عن أخبارها الصّادقة، رأت حكومتنا، أيّدها اللّه بروح من عنده وسدد خطواتها إلى الخير، أن تُصدر هذه الجريدة  باسم العاصمة، معتصمة بحبل اللّه المتين، شاكرة آلاءه.....أمّا خطّة هذه الجريدة ومسلكها فهو كما ذكرنا نشر قوانين الحكومة، وأنظمتها، ومقرراتها، وبلاغاتها، وأنبائها الرّسميّة، مع ذكر نتف من الأخبار المحليّة. وستعنى في درج تصاوير بعض رجال النّهضة العربيّة، مع الإلماح إلى شيء من تراجمهم. وتطرق الموضوعات الّتي تظنّ منها فائدة اجتماعيّة أو علميّة، تعود على الأمّة بالخير والصّلاح، وعلى البلاد بالرّقيّ والنّجاح"([3]).

وبدأ محب الدّين الخطيب المتحمس للعرب والعروبة، والذي استدعي من الحجاز بعد مشاركته بالثورة العربية الكبرى لإدارة العاصمة اعتباراً من العدد السّابع والأربعين، بكتابة فيها، "وأبيح له أن يكتب فيها مقالات توجيهيّة كما يشاء بلا مراقبة"([4]).

وكانت أوّل مقالة كتبها في العاصمة بعنوان "تجاه التّاريخ"، بيّن فيها مسؤوليّة كل فرد تجاه وطنه، سواء كان رجلاً أم امرأة، بغية تحقيق الرّقيّ المطلوب، وطلب "أن نتعاون رجالاً ونساءً على تحسين سمعتنا، وإصلاح أحوالنا، ومجاراة الأمم الرّاقية في الأخذ بأسباب الارتقاء"([5]).

وسار محب الدين بدعم وتوجيه من الملك فيصل، في مقالاته كلّها على هذا المنوال، داعياً الشّعب إلى التّعاون والاتحاد، وكتب مقالات بثّت الحماسة في النّفوس، وأخذ " يُشكّل الرّأي العامّ السّوريّ، لتهيئة الجوّ السّياسيّ في البلاد العربيّة، لحياة دستوريّة جديدة، ومحاربة قوى الاستعمار، ورفض الاتفاقات الدّوليّة، بعد أن تأزّمت الحالة السّياسيّة الدّوليّة، وبالتّالي المطالبة بالوحدة العربيّة الشّاملة، والاستقلال التّامّ في البلاد العربيّة"([6]).

ولم تقتصر كتابة محب الدّين في العاصمة على المقالات السّياسيّة فقط، بل تحدّث أيضاً عن موضوعات أخرى، فتحدّث عن "الاقتصاد"، ودعا إلى "تأسيس مصرف ماليّ عربيّ"، وإلى "إعداد الرّجال"([7])  ليس إيماناً منه فقط بأنّ الاستقلال السّياسيّ لا يتمّ إلّا بعد الاستقلال الاقتصاديّ التّام، بل أيضاً لكون هذه الصحيفة كانت لسان الحكومة التي تؤسس لمستقبل البلاد من النواحي كافة.

ولذلك، كتب محب الدين أيضاً عن أهميّة التّعليم، وانتقد أهدافه، حيث معظم الدّارسين يكون همّهم الأساس، وربما الوحيد، الحصول على الوظيفة. ودعا إلى تعليم النّشء تعليماً صحيحاً، يُبيَّن لهم فيه معنى التّربية الاستقلاليّة، هذه التّربية الهامّة، والّتي تعدّ الرّجال الّذين سيبنون الوطن، فالتّربية الاستقلاليّة، بنظره، هي الّتي تعدّ "رجالاً ذوي مطامح بعيدة المرمى شريفة السّمعة، يسعون إليها بأجسام قويّة وعزائم ثابتة وصبر جميل، سالكين أقرب طرقها، ومتحليّن بالمعلومات النّافعة لهم في أعمالهم الخاصّة، وواجباتهم العامّة"([8]).

برز محب الدّين من خلال كتاباته في جريدة العاصمة "مفكّراً ومصلحاً، يضع النّقاط على الحروف، ويردّ على قضايا ومشكلات ما بعد الحرب العالميّة الأولى"([9]). ولم يكن هذا ليتاح له لولا الدعم الكبير الذي قدمه الملك فيصل للصحافة في سورية، والحرية المطلقة التي أعطاها لهذه الوسيلة التقويمية الهامة.

وظلت جريدة العاصمة على هذا المنوال إلى حين دخول الفرنسيين إلى سورية. وجعلت هذه الصّحيفة النّاطقة باسم الحكومة، جريدة شعبيّة يُقبل عليها القرّاء، فأصبحت خليطاً بين الصّحافة الرّسميّة، والصّحافة الشّعبيّة([10]).

أزعجت النهضة الصحافية السورية التي شهدتها سورية في عهد الملك فيصل الفرنسيين، وخصوصاً أن الكتّاب والصحفيين السوريين معروفون بحماستهم وثقافتهم التي أنتجت مقالات التي كان لها أثر كبير في إشعال الحماس القومي ضد الدولة العثمانية، فكان أن أصدر الفرنسيون قراراً يلزم أصحاب الجرائد بإرسال نسخة من جرائدهم إلى دائرة الاستخبارات الفرنسية في النادي العربي قبل نشرها. وكان هذا القرار بمثابة وأد للصحافة السورية الحرة في سورية حتى عودتها للحياة من جديد عند الاستقلال سنة 1946م، حيث عاد لها بريقها وحريتها، التي سلبها منها العهد الناصري وحكم البعث فيما بعد.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ منذر الموصلّي، الصّحافة السّوريّة ورجالها، إعلام وأعلام، 99.

[2] ـ شاكر الحنبلي: ولد في دمشق 1876م، وتوفي فيها عام 1958م، درس في دمشق، وتخرج في المكتب الملكي بالأستانة. ولي عدة وظائف إدارية وتعليمية، أصدر جريدة "الحضارة" في الأستانة مع عبد الحميد الزهراوي  للدفاع عن حقوق العرب، وجريدة "القلم"، وحرر جريدة "العاصمة" الرسمية. عين أستاذاً في معهد الحقوق العربي بدمشق، وكان عضواً في المجلس التمثيلي بدمشق ثم وزيراً للمعارف سنة 1926، ثم وزيراً للعدل. صدر له عدد
من المؤلفات والترجمات في القانون. انظر: الموسوعة العربية، المجلد الثامن، ص 622.

[3] ـ شاكر الحنبلي، "الافتتاحيّة"، في العاصمة، 1(17 جمادى الأولى 1337/ 17 شباط 1919)، 1 . 

[4] ـ محب الدين الخطيب، حياته بقلمه، ص 72.

[5] ـ محب الدين الخطيب، "تجاه التّاريخ"، في العاصمة، 47(8 ذي القعدة 1337/ 4 آب 1919)، 1.

[6] ـ منذر الموصلّي، الصّحافة السّوريّة ورجالها إعلام وأعلام، 100.

[7] ـ محب الدين الخطيب، "الاقتصاد"، و"دعوة إلى تأسيس مصرف ماليّ"، و "إعداد الرّجال"، في العاصمة،  انظر الأعداد، 98 و 118 و122.

[8] ـ محب الدين الخطيب، "التّربية الاستقلاليّة"، في العاصمة، 94 (ربيع الثّاني 1338/كانون الثّاني 1920)،1. وكتب مقالاً آخر بعنوان "التّربية الاستقلاليّة، والمبادئ الدّيمقراطيّة ". تابع فيه ما بدأه في مقاله الأوّل وذلك في العاصمة، 96( 6جمادى الأولى 1338/ 26 ك2 1920)،1. 

[9] ـ سهيلة ياسين الرّيماوي، "جانب من فعاليات محب الدّين الخطيب الجانب الصّحفي"، في دراسات تاريخيّة، 10(33، 34/ 1989 )، 36.

[10] ـ منذر الموصلّي، الصّحافة السّوريّة ورجالها، 101.

تعليقات