جريمة باريس والرقص فوق الجثث

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/1/2015
الحياة
المؤلف: 

الموقف البديهي والطبيعي من قبل كل حامل قلم وصاحب رأي حر حيال الجريمة المزدوجة التي وقعت في باريس ضد المجلة الساخرة ومحل المأكولات اليهودي هو الاستنكار من دون أي تبريرات أو تفسيرات. هذه جريمة تستحق الاستنكار، لأن مرتكبيها لا يخدمون الدين الإسلامي كما يزعمون، بل يسيئون إلى صورته حول العالم وإلى معتنقيه الذين يحملون الجنسيات الغربية أو يعيشون في دولها أكثر مما يمكن أن يسيء إلى هذا الدين أي عدو آخر. لا حاجة للبحث كثيراً للتأكد من ذلك. يكفي أن نتابع صعود الجماعات العنصرية اليمينية في الدول الأوروبية بعد كل عمل «جهادي» من نوع الجرائم التي وقعت في باريس. جماعات برنامجها الوحيد هو طرد المسلمين من أوروبا، حتى لو اقتضى الأمر نزع جنسياتهم التي استماتوا للحصول عليها، بعدما عزّت عليهم الإقامة الكريمة في بلادهم الأصلية.

الاستنكار الذي نتحدث عنه يكون صادقاً عندما يصدر عن أشخاص أو حكومات لا تنزلق إلى ارتكاب ما ارتكبه الإخوان كواشي ضد الرسامين الفرنسيين. أي عندما يكون هؤلاء الذين يستنكرون متسامحين مع الرأي الآخر، فاتحين أبوابهم وصدورهم للمعارضة والنقد عندما يأتي من خصومهم. عندما لا تكون وسائل الرد على المعارضة هي السحل والذبح والصواريخ والقنابل. أما عندما يأتي الاستنكار من أطراف لا يسجل تاريخها سوى الجرائم ضد المعارضين، فإنه لا يمكن أن يوصف سوى بأنه كذب صريح ورقص فوق الجثث، بهدف الكسب السياسي الرخيص، في حين أن موقفهم الكاذب هذا لا ينطلي على أحد.

عندما يتقدم النظام السوري مثلاً إلى إدانة الجريمة التي ارتُكبت ضد الصحافيين في مجلة «شارلي إيبدو» يدفعنا هذا الى السؤال: ماذا تنتقد دمشق هنا؟ هل هي مثلاً مع حرية الرأي والتعبير وضد اغتيال الصحافيين وقطع رقابهم وسحب حناجرهم من أعناقها عندما يكون رأيهم مخالفاً لرأي النظام؟ هل يسمح نظام سورية مثلاً برسم كاريكاتوري يسخر من رئيسه، على رغم الفارق بين هذه السخرية ورسوم المجلة الفرنسية التي أساءت إلى مشاعر الملايين؟ هل لنا أن نذكّر بمصير المغني إبراهيم قاشوش أو بما تعرض له الرسام علي فرزات... وسواهما في سورية كثيرون؟ أم نذكّر بمصير الصحافيين في لبنان من خصوم النظام السوري، بدءاً من رياض طه وسليم اللوزي، وصولاً إلى سمير قصير وجبران تويني، وغيرهما في لبنان كثيرون أيضاً؟

كل ما فعلته دمشق باستنكارها المزعوم، هو اتهام الحكومة الفرنسية بأنها هي التي شجعت العمل الإرهابي على ارضها، بسبب مواقفها ضد النظام السوري. بصريح الكلام، لا يعتبر هذا استنكاراً، بل هو تبنّ كامل لما ارتكبه سعيد وشريف كواشي، والذي يبدو من بيان الخارجية السورية «المستنكر» أنهما كانا ينتقمان من فرنسا بسبب سياستها السورية. لنقرأ جيداً ماذا يقول البيان: «حذرت سورية مرات من أخطار دعم الإرهاب، الذي استهدف سورية والمنطقة، ونبهت إلى انه سيرتد على داعميه»... وها هو قد ارتد، وفق الزعم السوري، ما يفترض إشادة به من قبل دمشق وليس إدانة كاذبة!

بنيامين نتانياهو، من الجانب الآخر، وجدها فرصة للشماتة من الحكومة الفرنسية بعد تصويتها الأخير في مجلس الأمن، تأييداً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. واستغل الاعتداء الذي وقع في باريس ليتهم التنظيمات الفلسطينية بالوقوف في صف «الإرهاب» إلى جانب مرتكبي هذه الجرائم، وليدعو حكومة فرنسا والحكومات الأوروبية الأخرى إلى مواجهة «الإسلام المتطرف»، الذي يعتبر نتانياهو أن حركة «حماس» فرع منه. لا حاجة للتذكير هنا بأن ما ارتكبه المجرمون في باريس لا يقارن، من حيث حجمه وخطورته، بجرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين، أطفالاً ونساء وشيوخاً.

أما الحكومة الإيرانية، فطالبت فرنسا بمراجعة سياستها في الشرق الأوسط، وربطت بين الاعتداء وبين ما سمّته دعم فرنسا المعارضة المسلحة في سورية، في حين قالت صحيفة «رسالات» المحافظة إن فرنسا «تذوق مرارة دعمها الإرهاب»، مشيرة الى لامبالاة الحكومة الفرنسية أمام توسع نشاط جماعات متطرفة مثل تنظيم «داعش». كلام آخر لا يفهم منه سوى أن إيران لا تمانع في هذا «العقاب» الذي لحق بفرنسا بسبب مواقفها. فيما لم ترد أي كلمة انتقاد لقتل الصحافيين الفرنسيين. وكيف لنا أن نتوقع هذا الانتقاد من قبل النظام الذي أفتى مؤسّسه الخميني بقتل الكاتب سلمان رشدي، صاحب كتاب «آيات شيطانية»، بينما لم نسمع بأي فتوى تحلل قتل الرسامين في «شارلي إيبدو»، بل على العكس، سارعت القيادات الدينية في العالم العربي والإسلامي إلى إدانة ما ارتكبه المجرمان، واعتباره عملاً إرهابياً لا يستحق أي تبرير.