جنوب سوريا بعد 6 أشهر من "المصالحة": سطوة أمنية مرعبة للنظام وغياب للخدمات

مقاتلون من قوات النظام بعد سيطرتهم على معبر نصيب جنوب سوريا الذي كان بحوزة المعارضة
الاثنين 25 فبراير / شباط 2019

مضت 6 أشهر على إعادة نظام بشار الأسد وحلفائه على الجنوب السوري، بعدما خرج من يده لسنوات، وحيثما كانت مدينة درعا قد أطلقت شرارة الاحتجاجات التي اجتاحت مدناً سورية عدة، إلا أن عودته التي جاءت تحت مسمى "المصالحات" لم تُسفر عنها إلا أنواع أخرى من المعاناة للسكان.

وأعاد النظام سيطرته على مناطق الجنوب السوري الاستراتيجية في يوليو/ تموز الماضي، بعدما شن ضدها حملات عسكرية وقصف متواصل، وتوصل في النهاية - من خلال حليفته روسيا - إلى اتفاقيات مع قادة سابقين في المعارضة، وبموجبها أعاد أجهزته الأمنية و"مؤسساته".

وعرض تقرير لمجموعة الأزمات الدولية تفاصيل عن الوضع الذي آل إليه الجنوب السوري بعد عودة النظام، وقال إن التعافي هناك "يتقدم بسرعة الحلزون، ولا تفعل روسيا شيئاً لمنع عودة النظام إلى حكمه القمعي".

سياسات استبدادية

ويعاني سكان الجنوب السوري من تشديد القبضة الأمنية لأجهزة مخابرات النظام، ويزداد الأمر سوءاً في أن كل فرع أمني يعمل لوحده بعيداً عن الآخر، وهو ما جعل بعض المدنيين يتحولون إلى ضحايا ذلك.

ويشير التقرير الذي اطلعت عليه "السورية نت" وترجمت أجزاءً منه، إلى أن على سبيل المثال، أزال فرع الأمن العسكري أسماء سوريين كانت موجودة ضمن قوائم المطلوبين التي تُستخدم عند نقاط التفتيش، كما أصدر ما يُطلق عليه "أوراق تسوية"، لكن المخابرات الجوية، وفرعي الأمن السياسي، وأمن الدولة، لم يتسلموا إخطارات بإزالة الأسماء.

ولذلك فإن إزالة فرع الأمن العسكري لأسماء مطلوبين لم يكن مجدياً، وفي مقابلة أجرتها المجموعة العالمية مع شخص سابق في المعارضة موجود في جنوب سوريا، قال إنه تعرض للاعتقال عندما ذهب إلى فرع الأمن العسكري ليسجل ابنته المولودة حديثاً، على الرغم من امتلاكه لورقة "تسوية".

وحقق معه الفرع الأمني وسأله عما إذا كان لديه علم بأسلحة مخفية أو ذخائر، وبعدما ظل مُحتجزاً لمدة أسبوع، استطاع والده إخراجه بعدما ذهب إلى ضابط روسي أجرى مكالمة هاتفية وأخرجه من المعتقل.

وتحدث التقرير عن حالات اغتيال تمت ضد مقاتلين سابقين في المعارضة جنوب سوريا، مرجحاً أن تكون فروع المخابرات ورائها، وأشار إلى أن عمليات اعتقال واغتيال معارضين سابقين كان متركزاً في البداية على غرب درعا، حيث كانت الاتصالات بينهم وبين روسيا ضعيفة في البداية.

وبيّن التقرير أن روسيا استطاعت في بعض الأحيان التدخل حيال تصرفات الأجهزة الأمنية، لكنها لا تستطيع فعل شيء عندما يتم توقيف أشخاص يشتبه النظام بأنهم ارتكبوا "جرائم" خلال السنوات الماضية.

خوف من العودة

ورأى تقرير المجموعة الدولية، أن هنالك سببان رئيسيان يمنعان سكان المنطقة الجنوبية من العودة إليها، الأول يتمثل في الافتقار الصارخ إلى البنية التحتية الصالحة والخدمات والوظائف.

وبعد استعادة النظام للسيطرة، توقفت المساعدات عن المدنيين التي كانت تدخل عن طريق الأردن، نظراً لأن النظام كان يعتبرها "انتهاكاً لسيادته"، كذلك توقفت الخدمات الطبية والتعليمية التي كانت تتلقى الدعم من المنظمات الدولية العاملة من عمان.

وخسر آلاف السكان في الجنوب العاملين في المنظمات غير الحكومية وظائفهم، ورغم أن المساعدات المقدمة من المنظمات الإنسانية التي تتخذ من دمشق مقراً لها ردمت الفجوة إلى حد ما، فإن القيود التي يفرضها النظام على وصول المساعدات الدولية إلى الجنوب حدّت من نوعية وجودة المساعدات المقدمة إلى أفقر السكان وأكثرهم هشاشة في المنطقة.

ولا تزال عمليات إعادة الإعمار في جنوب في أسوأ مظاهرها، وقال التقرير إن جهود النظام لإعادة الحياة إلى البنية التحتية وغير متسقة ومن الواضح أنها غير كافية.

أما العامل الثاني فهو الوضع الأمني المتغير، حيث أشار التقرير إلى أن النظام اعتقل المئات من أفراد المعارضة، سواء أكانوا مسلحين أم مدنيين، والذين كانوا قد بُرِّئوا، وذلك في إشارة إلى عودة ظهور الأجهزة الأمنية غير الخاضعة للمساءلة.

إيران تنتشر بالمنطقة

ومن التبعات الأخرى لعودة النظام إلى الجنوب السوري، إعادة إيران لتموضعها بالمنطقة، وهو ما يقلق السكان من تحول مناطقهم إلى أهداف من قبل الطائرات الإسرائيلية، بسبب وجود قوات موالية لطهران قرب الجولان المحتل.

وعلاوة على ذلك، فإن سكان الجنوب يتحدثون عن وجود مقاتلين متحالفين مع إيران في الأجهزة الأمنية، ما يشير إلى أن المنطقة يمكن أن تصبح نقطة اشتعال أخرى في المواجهة بين إيران وإسرائيل.

ونقل التقرير أحاديث معارضين في الجنوب، قالوا إنه منذ سيطرة النظام على مناطقهم، فإن إيران ووكلائها لا سيما ميليشيا "حزب الله" يوسعون بهدوء نفوذهم في الجنوب السوري، وأشاروا إلى أن طهران تعمل على تجنيد مقاتلين محليين، وتبني قاعدة لها في منطقة اللجاة، الواقعة في شمال شرق درعا.

وتقيم إيران مخيمات لهؤلاء المجندين، كما تواصل دعمها لـ"الفرقة الرابعة"، وفرع المخابرات الجوية، وتتلقى مجموعات المقاتلين المحليين أموالاً أكثر من تلك التي يتلقاها مقاتلو "الفيلق الخامس" المدعوم روسيا، كما تحظى بمزيد من الحماية، وتضمن طهران لأفرادها عدم إرسالهم إلى جبهات أخرى في سوريا، في محاولة لإغرائهم بالقتال تحت إشرافها.

ونقل التقرير عن مسؤول إسرائيلي - لم يذكر اسمه - قال للمجموعة الدولية إن إسرائيل تمكنت حتى الآن من استهداف الوجود الإيراني في سوريا من دون إثارة تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، معتبراً ذلك بمثابة إنجاز.

وأضاف: "لكن إيران تبدو عازمة على امتصاص الضربات الموجهة لها، والمحافظة على توسعها، لكن في وقت ما، أحدنا قد يخطئ التقدير، وحينها ستكون كل الرهانات خاسرة".

ضبط تصرفات النظام

ومع العودة الصارمة للنظام إلى جنوب سوريا، أشار التقرير إلى ما اعتبرها نقاط هامة ينبغي أخذها في الحسبان، ومن بينها أن "الحلول التفاوضية للمناطق التي ما تزال خارج سيطرة النظام تتطلب انخراطاً أكثر شمولية للأطراف الخارجية لمنع النظام من القيام بعمليات انتقامية، وتمكين المساعدات من الوصول إلى السكان الذين يعيشون أوضاعاً هشة والسماح بالعودة الآمنة للاجئين".

وأضاف أن "على القوى الدولية الفاعلة أن تساهم بتحقيق وصول إنساني أفضل إلى الجنوب وألا تشجع عودة اللاجئين إلى أن تتحسن الظروف. كما ينبغي على روسيا أن تقدم ضمانات أمنية أفضل لسكان المناطق التي تعود من سيطرة المعارضة المسلحة إلى سيطرة الدولة. وينبغي على الدول التي تتمتع بالنفوذ لدى إيران وإسرائيل أن تعمل مع كليهما لمنع حدوث تصعيد غير مقصود".

وخلص التقرير أيضاً إلى أنه "ما لم يتحسن الوضع في الجنوب بشكل كبير، فإن اللاجئين والنازحين لن يعودوا بأعداد كبيرة، خوفاً من البقاء دون عمل، ودون مأوى وعرضة للاعتقال العشوائي".

اقرأ أيضاً: صحيفة روسية: لماذا قرر الكرملين التخلص من الأسد؟

المصدر: 
السورية نت