جنود "تساهال" ومجاهدو داعش

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

13/ 08/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

ما الفرق بين الجيش الإسرائيلي "تساهال" وجند داعش؟ ما يفرق بينهما أكثر بكثير مما يفترض أن يجمع بينهما، ولكنهما يشتركان في نقطة واحدة، كونهما يستقطبان متطوعين أجانب للقتال في صفوفهما، على أساس الانتماء الديني أولاً وقبل كل شيء. لكن نظرة العالم، والغرب خصوصاً، إلى هؤلاء "المتطوعين" في كلا الجانبين تختلف. ففيما يٌنظر إلى "متطوعي" تساهال على أنهم "مجندو خدمة عسكرية"، يصنف "متطوعو" داعش على أنهم "إرهابيون". مع أن المهام التي يتطوع من أجلها كلا الفريقين تلتقي عند الهدف نفسه: القتل أو "الجهاد"، حسب قناعاتهم، باسم الدين ومن أجله.

ما يفرض هذه المقارنة بين ما لا تستقيم مقارنته، الأنباء المتواترة عن وجود "متطوعين" ضمن صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، شاركوا في العدوان على غزة. وقد أوردت الوكالات العالمية مقتل وإصابة متطوعين من جنسيات أجنبية، ضمن قوات "تساهال". ويطلق على الفرد من هؤلاء اسم "الجندي الوحيد"، في إشارة إلى أنهم يقاتلون بعيداً عن عائلاتهم. لذلك، يلجأ الجيش الإسرائيلي إلى الزج بهم في الصفوف الهجومية الأمامية، لأن سقوطهم على أرض المعركة لن يثير ردود أفعال غاضبة قوية في الشارع الإسرائيلي. ومن هنا، عدد القتلى والمصابين المرتفع في صفوف هؤلاء "المتطوعين"، حسب المعلن عنه حتى الآن رسمياً، طوال فترة العدوان المستمر على غزة.

وحسب مصادر متطابقة، يناهز عدد "المتطوعين" الأجانب في صفوف "تساهال" 5000 متطوع، ثلثهم من الأميركيين، والغالبية أوروبيون ومن جنسيات أخرى. وقد سبق للمرصد الأورو متوسطي لحقوق الانسان في جنيف، أن كشف، في تقرير له صادر عام 2013، عن وجود متطوعين من 40 جنسية من الدول الأوروبية فقط، في صفوف الجيش الإسرائيلي.

طبعاً، ليست ظاهرة تجنيد الأجانب في صفوف الجيوش الوطنية جديدة، ولا تخص إسرائيل وحدها، فهناك عشرات الدول التي تفتح باب التطوع داخل صفوف جيوشها للأجانب، لكن إسرائيل الدولة الوحيدة التي تفعل ذلك على أساس إثني وديني. وبعيداً عن مناقشة الخلفيات الدينية والإيديولوجية لهذا "التطوع"، يطرح الأمر سؤالاً أكبر بشأن مدى احترام الدول التي يحمل المتطوعون جنسيتها القانون الدولي، عندما تسمح لمواطنيها بالعمل في صفوف جيش محتل، ومتهم بارتكاب جرائم حرب.

وقد رأينا كيف بادرت دول عربية، مثل السعودية، إلى تجريم "التطوع" في صفوف التنظيمات المسلحة، المتهمة بارتكاب أعمال إرهابية، مثل القاعدة وداعش. وهناك دول عربية تسعى، هي الأخرى، إلى تجريم مواطنيها الذين يذهبون للقتال خارج حدود بلدانهم. وحتى في غياب مثل هذه القوانين التي تجرم "التطوع" في صفوف جيوشٍ، أو تنظيماتٍ مسلحة أجنبية، فإن دولاً عربيةً كثيرة توقِف مواطنيها "المتطوعين"، وتحقق معهم وتحاكمهم وتعتقلهم، حال عودتهم إلى بلدانهم.

فلماذا لا تعامل الدول الغربية مواطنيها "المتطوعين" ضمن صفوف جيش محتل، مثل الجيش الإسرائيلي، بالمثل؟ فهؤلاء يذهبون للقتال في صفوف جيش محتل، ويؤدون خدمتهم العسكرية فوق أرض محتلة، ويواجهون شعباً محتلا، ويشاركون في قتل مدنيين أبرياء، بينهم أطفال ونساء وعجائز. لكن، عند عودتهم إلى بلدانهم لا أحد يسائلهم، أو يتابعهم، قضائياً. بل من بينهم من أصبح يتبوأ مناصب حساسة في مراكز صنع القرار في بلدانهم.

وقد تابعنا كيف أقامت فرنسا الدنيا للمطالبة بإطلاق سراح جندي إسرائيلي يحمل جنسيتها، هو جلعاد شاليط الذي أٌسرته المقاومة الفلسطينية عام 2006. وشاهدنا كيف رفعت صوره الكبيرة، للمطالبة بإطلاق سراحه، في مدرجات كرة القدم في دول ديمقراطية، فيما أن من يسمون "المقاتلين الأجانب"، في إشارة إلى مقاتلي تنظيم "القاعدة" في أفغانستان والعراق، كانوا يعتقلون وينكل بهم في معتقلاتٍ، لا تخضع لأي شرعة أو قانون، في "غوانتنامو" و "أبوغريب"!

يضاف إلى ذلك أن تجنيد "المتطوعين" في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي، تقوم به منظماتٌ معترف بها داخل الدول مَصدر "التطوع"، ويتم الدعاية لذلك في وسائل إعلام تلك الدول، وغالبا بأموال دافعي الضرائب داخل الدول نفسها!

لا يتعلق الأمر، هنا، بانتقاد سياسة "الكيل بمكيالين" التي ينهجها الغرب تجاه قضايا كثيرة، تخص العالمين العربي والإسلامي، لأنه ليس مطلوباً منه أن يعامل "متطوعي" التنظيمات الأخرى التي ترتكب أعمالاً إجرامية أو إرهابية، بالمعاملة نفسها التي يخص بها "متطوعي" جيش الاحتلال الإسرائيلي. المفارقة هنا، وعلى الرغم من كل ما يطرحه هذا التعامل المزدوج المعايير من أسئلة أخلاقية، تكمن في مدى احترام هذه الدول قوانينها المحلية، والقانون الدولي، الذي يجرم القتال في صفوف جيش محتل. فكيف يتم التسامح مع مواطنين يتطوعون للمشاركة في أعمال عدوانية، ويرتكبون جرائم حرب، ويعودون ليعيشوا بين مواطنيهم، وداخل دولهم، من دون محاسبة أو مساءلة؟!

الغرب الذي صدَّر إلى العالم العربي شيئاً اسمه "قانون الإرهاب"، مطالبٌ، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، وعلى ضوء جرائم الحرب الفظيعة في غزة المٌتهَم بارتكابها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بأن يخضع مواطنيه المتطوعين ضمن صفوف هذا الجيش، للمساءلة القانونية، حال عودتهم إلى بلدانهم، تماماً كما يفعل مع مواطنيه العرب والمسلمين الذين يتطوعون للقتال، باسم الدين، في صفوف تنظيماتٍ إرهابية.