جهاد الجوار: جذور الحرب الأهلية السورية ونظيرتها في العراق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/ 06/ 2014
Politico Magazine

(ترجمة السورية)

اللاعبون الأساسيون
 أبو محمد الجولاني: المخضرم في الحرب الأمريكية في العراق، والذي حصل على الأذن من القيادة المركزية لتنظيم القاعدة لتشكيل فرع لجماعة إرهابية في سوريا، جبهة النصرة. لا معلومات أخرى عن هذا المقاتل الشاب، النصرة الآن تقاتل نظام الأسد والدولة الإسلامية معاً.

 أبو بكر البغدادي: لا يُعرف إلا القليل عن هذا القائد الغامض، قائد الدولة الإسلامية في العراق والشام، أكثر فرع متطرف من فروع تنظيم القاعدة في الحرب الأهلية السورية. كان البغدادي وهو عراقي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق قبل أن توسعها لتصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام. وقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية البغدادي البالغ من العمر 42 عاماً، والمعروف أيضاً باسم إبراهيم علي البدري السامرائي، بـ"الإرهابي العالمي." وفقا لبعض التقديرات، قيل أنه يَسوس أكثر من  5,000 مقاتل أجنبي.

 أيمن الظواهري: فيزيائي وزعيم تنظيم القاعدة، عانى من صعوبة السيطرة على البغدادي ودولته، دولة الإسلام في العراق والشام.

--------------------------------------------------------------------------
ثمانية رجال، بلحى مشجذبة، وأحزمة متفجرة، مسدسات وقنابل يدوية معلقة بثيابهم، انتظروا حتى حلول الليل قبل أن يمروا خلسة في الشقة، إلى أن وصلوا إلى الحدود العراقية. تجاوزوا السواتر واتخذوا أنفاق تهريب الدخان والأسلحة ممرات لهم – ومنافذ الجهاديين للوصول إلى محافظة الحسكة السورية. حصل هذا في 11/آب في الشهر الإسلامي المقدس "رمضان"، حيث كانت الثورة السورية في شهرها الخامس من انتفاضتها والتي غلب عليها الطابع السلمي ضد الرئيس السوري بشار الأسد.
كان قائدهم موفداً سورياً من تنظيم القاعدة الذي انصهر في الصراع الدموي المجاور.
يطلق على نفسه اسم (أبو محمد الجولاني)، شاب في أول عمره، يُعرف عنه القليل ما عدا أنه مقاتل محنك في الحرب ضد الأمريكيين في العراق، تم تفويضه من قبل رئيسه أبو بكر البغدادي، والقيادة المركزية لتنظيم القاعدة من أجل أن يقوم بتأسيس فرع للتنظيم في سوريا. تم إيضاح مهمته في عدد من البيانات العامة، والتي كانت تركز على الإطاحة بنظام الأسد وإنشاء دولة إسلامية في هذا المكان. لم يعلم أحد حينها، ولكن على ما يبدو أن هذه الرحلات عبر الحدود ستغير مجرى أحداث الحرب السورية، وستكون عاملاً أساسياً في قلب الصراع الداخلي إلى صراع إقليمي سيهدد نظام كلا من البلدين سوريا والعراق.

قبل دخول الجولاني من العراق إلى سوريا ليلاً، كانت القاعدة تبدو كقوة ذات نفوذ بشكل كبير، خاصة وأن أسامة بن لادن قُتل قبل أشهر. وقد خلفه، أيمن الظواهري الذي يتمتع بصبر أسامة قليلاً وبعض من كاريزماه، كان العرب وقتها في خضم ما أطلقوا عليه "الربيع العربي"، وكانت المظاهرات السلمية بديلاً عن العنف من أجل إحداث التغيير.

لكن على مدار السنوات القليلة المقبلة، وبمساعدة من نظام الأسد، كان بالإمكان أن ينشئ الجولاني فرعاً للقاعدة وقاعدة قوية في سوريا. تُدعى جماعته، "جبهة النصرة لأهل الشام". هذه الجماعة كان من الممكن أن تخلق جيلاً جديداً من الجهاديين من مختلف بقاع العالم الإسلامي. مقاتلون باتوا قوىً لا يستهان بها في الحرب الأهلية السورية التي أودت بحياة ما يزيد عن 140,000، وهجّرت 9 مليون سوري داخل سوريا وفي البلاد المجاورة.

وبشكل خطير جداً، فإن نجاح النصرة من الممكن أن يشكل صدعاً هائلاً بين دولة الإسلام في العراق التابعة لتنظيم القاعدة وبين تنظيم القاعدة الأم. مع حلول شهر أبريل 2013 بدأت تعيد هذه الجماعة تصنيف نفسها كدولة الإسلام في العراق والشام، اسم جديد يعكس تطلعاتها الانتقالية. مع حلول شهر حزيران، أصبحت "داعش" ذات نفوذ كبير جداً حيث بدأت بالتقدم في شمال وغرب العراق، والسيطرة بشكل سريع على المدن العراقية كالموصل وتكريت، من دون أن يكون للظواهري قائد القاعدة القديم أية علاقة، والمختبئ في مكان ما في جنوب آسيا، بعيداً عن المعارك الجهادية الحديثة. اليوم، وكنتيجة لانتصارات "داعش"، وجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما (المنتخب بسبب تخليصه الولايات المتحدة من الضلوع في الحروب الدائرة في الشرق الأوسط)، وجد نفسه بصدد حرب جديدة.

يقوم أوباما الآن بإرسال كميات قليلة من الدعم للجيش العراقي، لكنه يلقى المزيد من الضغط من واشنطن حتى يقوم باتخاذ موقف ضد قوات "داعش" المنتشرة في العراق، والتي تقوم باحتلال أراضٍ ومنشآت نفطية وتشكل خطراً على بغداد وما حولها.
لم يكن هذا محتماً، بل إن قيام الثورة السورية –والتردد الذي طغى على رد الفعل الدولي-مهّد الطريق أمام قيام دولة إسلامية عسكرية من الممكن أن تشغل المناطق بين سوريا والعراق وتزيل الحدود بينهما، بل وترسم خريطة جديدة للشرق الأوسط-بمصطلحات محددة إن لم تكن على الورق. هذه هي القصة، مجمعة على أجزاء، من خلال رحلات عديدة إلى سوريا ومقابلات نادرة مع جهاديين رفيعي المستوى في الخطوط الأمامية.

***
بدأت القصة في أواسط عام 2011، مع إطلاق سراح مشبوه من قبل نظام الأسد لمئات الجهاديين من السجن-حركة خدمت استراتيجية الأسد المبنية على وصم الثورة بأنها مؤامرة مشتركة بين الإسلاميين المتطرفين، والعملاء الغربيين والإسرائيليين، بالإضافة إلى عدد محدود من المواطنين الغاضبين من أداء النظام والذين وقعوا ضحية للتآمر الأجنبي. كل ذلك، بقصد أو بغير قصد، كان يصب في خدمة الجولاني.
في الحقيقة، لم يكن لتنظيم القاعدة أي وجود في سوريا. تاريخياً، كانت جماعة الإخوان المسلمين السورية وفرعها الأكثر عنفاً وطائفية، الطليعة المقاتلة، من المنظمات الإسلامية الأبرز في البلاد. في منتصف السبعينات، كانوا واجهة التمرد السني المتطرف ضد الحكومة العلمانية لوالد بشار، حافظ الأسد. ولكن بحلول عام 1982 تم إخماد هذه الحركة وبشكل فعال في سوريا، بعد مجزرة فبراير والتي يقدر عدد ضحاياها بـ 200 ألف شخص في وسط مدينة حماة. وتم سنّ قانون بتجريم الانتساب إلى جماعة الإخوان، جريمة عقوبتها الإعدام، مما دفع معظم الذين نجوا من التطهير إلى الفرار خارج البلاد. بالإضافة الى عدة مئات من الأشخاص الذين ألقي بهم غي غياهب النسيان في سجن صيدنايا العسكري، والذي يبعد نحو 20 ميلاً إلى الشمال من العاصمة دمشق.

ارتباط سوريا مع القاعدة جاء مؤخراً، عندما جسدت طريقاً رئيساً لنقل الجهاديين الداخلين إلى العراق من أجل قتال قوات الائتلاف بعد الغزو الذي قادته أمريكا عام 2003. حسب ملفات شخصيات عراقية في القاعدة تم العثور عليها عام 2007 في قرية سنجار على الحدود العراقية، دخل جميع المقاتلين الـ 600 المسجلين إلى العراق من سوريا. البعض ومن ضمنهم مسؤولين أمريكيين على مستوٍ عالٍ توصلوا إلى نتيجة مفادها أن الحكومة السورية كانت على علم بحركة هذه الرجال في أراضيها، لتصل إلى غايتين-داخلياً حتى تخرج نفسها من خطر الإسلاميين المتنامي، أما إقليمياً، من الممكن أن تلفت انتباه القوات الأمريكية إلى سوريا.

عام 2004- 2005 بدأ بعض هؤلاء الجهاديين السوريين المتمكنين بالعودة إلى بلدهم. ترافق وصولهم مع بعض التفجيرات الصغيرة والاشتباك مع قوات الأمن، والتي استمرت على مدى الأعوام القليلة اللاحقة. أغلب من تم القبض عليهم حُولوا إلى سجن صيدنايا العسكري الطابق الثالث. أما الإخوان المسلمين الذين تم القبض عليهم في السبعينات والثمانينات وُضعوا في الدور الثاني. يعيش الـ 400 (أو أكثر) جهادي حياة منعزلة في الدور الثالث، في منطقة صغيرة تدعى "الباب الأسود"، سبب التسمية يعود إلى أن الرجال عُزلوا فيها عن جميع المساجين. أما السجانون فكانوا يطلقون على هذه المنطقة اسم جناح القاعدة. في 15من آذار الذي يعتبر بداية الثورة السورية، عندما نزل الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بالحرية - تم نقل 300 إسلامي من دمشق إلى سجن صيدنايا المركزي.

لمواجهة ما أصبح حركة مظاهرات على طول البلد، عرض الأسد قيامه ببعض الإصلاحات، أغلبها سطحية تجميلية، على أمل أن يخمد فتيل الثورة بالكامل-بينما كان يرسل قواته الأمنية إلى المتظاهرين لإطلاق النار عليهم، وتعذيب واعتقال الآلاف. كما أعلن النظام عن عدة قوانين جديدة لإطلاق سراح المعتقلين ضمن القانون رقم 61 في شهر ماي 2011. هذا القانون غطى جميع أعضاء الإخوان المسلمين وغيرهم من السجناء المنتمين إلى الحركات الإسلامية في حزيران، بالإضافة إلى القرار رقم 161 و 53 اللذين انهيا حالة الطوارئ والتي امتدت على سنوات، وألغت محكمة الأمن العليا. وقد حرّرت قوات النظام العديد من سجناء صيدنايا مثل الشرعي الإسلامي أبو عثمان.

أبو عثمان رجل ممتلئ الجسم غير مفتول العضلات في أواخر الثلاثينات من عمره، ذو أنف بصلي الشكل، صغير، عيناه بلون العسل، مع لحية حمراء تصل إلى صدره. قابلته في كسب، في قرية على الحدود السورية القريبة من تركيا، في منتصف شهر أبريل 2014، بعد عدة أسابيع من سيطرة جماعات الإسلاميين على البلدة. (في منتصف حزيران، استعاد النظام سيطرته عليها) أبو عثمان الآن شرعي في جبهة النصرة، عندما لا يقاتل، يزود رجال وحدته بالتعليمات الدينية ويعمل كقاضي في المحكمة الشرعية.

كان أبو عثمان واحداً من الـ 300 إسلامي الذين تم ترحيلهم إلى سجن صيدنايا في آذار 2011. وهو مسجون منذ العام 2007 بسبب عضويته في مجلس له علاقة بجماعة مرتبطة بالقاعدة، وقد أمضى ثلاثة أشهر من مجمل سنوات حبسه خلف قضبان "الباب الأسود". انتشر خبر الربيع العربي في الطابق الثالث من سجن صيدنايا وعن الثورة التي تجري خارج السجن، عن طريق تسريبات الأهالي التي تقوم بزيارة أبنائها المحتجزين. "تم إخبارنا عن طريق "أخوة" خبيرين في الجهاد، ممن قضوا وقتاً طويلاً في صيدنايا، أنه يجب علينا عدم العمل والجلوس فقط عند خروجنا من السجن،" كما قال.

يعلم الإسلاميون أن الأسد أصدر العفو العام مع علمه بأنهم سيحملون السلاح ضده، وهذا جزء من نبوءة متوقعة التحقق. أبو عثمان وغيره ممن كانوا في صيدنايا أخبروني، أنه حصل كما أرادت الحكومة تماماً. "إذا ما كان الإخوان المسلمين مقدمين على فعل ما، كان سيكون بالمثل، اي استخدام الأسلحة لمواجهة القوى الأمنية. من الممكن أن يكون جهادياً، وباستطاعة النظام وقتها لفت نظر العالم له في قوله: "انظروا الإرهابيين". كنا نحذر من هذا". كما قال. ولكن هذا لم يوقفهم للمضي قدماً. "بالسر، كنا نعمل". أطلق سراحه في 20 حزيران 2011. ورجع إلى منزله في حلب، إلى زوجته وطفليه الصغيرين، ومن ثم سرعان ما بدأ هو وأتباعه "المتخرجين" من صيدنايا كما يطلقون على أنفسهم، بالتحرك للتعبئة.

أنشأ نزلاء السجن شبكة بشكل مسبق. "عندما كنت محبوساً، كنت أعلم أربعة أو خمسة أو ستة، ولكن عندما أطلق سراحي كنت أعرف 100، 200 أو 300 (جهادي). لدي إخوة في حماة الآن، حمص ودرعا وغيرها العديد من المناطق، وكانوا يعرفونني،" كما قال. "أخذ هذا أسابيع قليلة فقط-أسابيع-ليس شهر، بالنسبة لنا، للبدء بالتحرك في جماعات من اثنين أو ثلاثة، بسرية تامة."
بدأ أبو عثمان بالتجهيز للقتال-اشترى أربع بندقيات من مدينة سرمدا في محافظة إدلب، و"بخاخات وظيفتها التنويم" من تركيا. بدأ بالعمل في شبكة جهادية استخباراتية في حلب، والتي كانت نقطة مسيطر عليها بقوة من قبل النظام. كان عمله رصد جنود النظام والشبيحة، والبلطجية شبه العسكريين الموالين للنظام. كان يمرر المعلومات الاستخباراتية لزملائه عمّن يجب احتجازه أو قتله كما تم إعلامه.
"عندما بدأنا، يجب أن أعترف بهذا، لا أستطيع أن أنكر أن القاعدة كانت منتهية بشكل أساسي في سوريا،" كما أخبرني. "فعندما بدأنا، قمنا بكل شيء من دون تعليمات أو أوامر. بدأنا بتجميع أنفسنا، لضمان أنفسنا وغيرنا." في صيدنايا، تم إخبارهم ببساطة أن ينتظروا قائدهم الجديد-فكان الانتظار هو جلّ ما نقوم به.

مع الوقت تسلل أبو محمد الجولاني وسبعة من زملائه –سوريين وسعودي وأردني - عبر الحدود في تلك الليلة الصيفية عام 2011، وبعضاً من رجال صيدنايا كانوا على استعداد لاستقبالهم.  دخلوا إلى البلاد بالقرب من مدينة الحسكة، في الشمال الشرقي، قضى ليلته الأولى في سوريا في منزل سجين سابق في صيدنايا، وفقا لمصدر مطلع في جبهة النصرة.  الرجل، المقرب إلى الدائرة الصغيرة المقربة للجولاني طلب عدم الكشف عن هويته كاملة. (تم رفض طلب مقابلة للحديث عن تسجيل مع أحد أعضاء الهيئة الحاكمة للنصرة، مع تقديم اعتذار عن التأجيل لمدة شهرين على الاستجابة).

كان الجولاني لايزال غير معروف بشكل واسع، حتى أصوله ظلت غامضة إلى يومنا هذا. كان صغيرا، في الثلاثينات من عمره كما قال المصدر المطلع في دائرة الجولاني، تماما مثل معظم من في الدائرة المقربة لجماعته: "لا أحد منا لديه شعرات رمادية في لحاه ". أولئك الذين يعرفونه يقولون عنه إنه هادئ، واثق بنفسه، ورجل منضبط، يستمع باهتمام ويفكر بشكل استراتيجي. لا يترك سلاحه. أضاف أحد المقربين منه: "حتى عندما نكون آمنين جدا، وفي مكان آمن جداً، فإنه لا يترك مسدسه، أو حزامه [الناسف]".  وقال: "عندما ينام، كان سلاحه تحت رأسه وحزامه إلى جانبه."  تزوج قبل بضع سنوات في سوريا، وله ابن رضيع.
يشير الاسم الحركي الجولاني إلى أنه من مرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل، على الرغم من أن البعض يقول إنها إشارة إلى حي"الجولاني" في الفلوجة في العراق، حيث قاتل الأميركيين.  بغض النظر، فهو سوري ونشأ في دمشق، وقال المصدر المطلع أنه اعتقل في حرب العراق واُحتجز في معسكر بوكا، معسكرالاعتقال الذي تديره الولايات المتحدة على حدود العراق الجنوبية مع الكويت. صنفه الأمريكان على أنه كردي عراقي من مدينة الموصل.  (قائده، البغدادي، اُعتقل أيضاً في معسكر بوكا، لكن الرجلان لم يكونا على معرفة بعضهما ببعض حينئذ).

حالما بدأ الجولاني رحلته السرية عبر الحدود، وصل إلى بعض خلايا صيدنايا من الرجال النشيطين بالفعل، وغيرهم ممن كانوا ينتظرون ظهور جبهة مرتبطة بالقاعدة، من خلال كلام شفوي أو رسائل مكتوبة بخط اليد التي ألقاها السعاة.  كانت أول عملية غير معلنة للمجموعة الجديدة في 27 ديسمبر 2011، حيث الهجوم على فرع أمن الدولة في دمشق.  في وقت لاحق ما يقرب من شهر، في 23 يناير 2012، أعلنت جبهة النصرة -رسمياً نفسها في تسجيل صوتي مدته ثماني دقائق. ولم يشر البيان إلى علاقتها بتنظيم القاعدة.
"كانت هذه خطة الجولاني نفسه"، كما قال لي المصدر من النصرة. وقال، إن الجولاني أخبر الرجال بأننا "سنُظهر قيمنا، وسنتعامل مع الناس بشكل جيد، ثم بعد ذلك سنقول لهم، "تنظيم القاعدة الذي لطخت سمعته في وسائل الإعلام؟ هذه هي حقيقته. نحن هي. كما أضاف المصدر، ما رأيكم بجبهة النصرة؟". وحتى ذلك الحين أُعطيت للظواهري تعليمات صارمة بعدم الكشف عن تورطه. كما قال المصدر.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تُصدر قيادة القاعدة مثل هذا الشرط. وفقا لإحدى الرسائل المحفوظة والتي تم العثور عليها من مخبأ بن لادن في أبت آباد بعد مقتله في عام 2011، كان فيها إيعاز من زعيم تنظيم القاعدة لحركة الشباب في الصومال لإخفاء علاقاتها مع تنظيمه لأنه "ما إن تصبح معلنة، حتى سيتكون لها أعداء يصّعدون من غضبهم ويلجؤون إلى التعبئة ضدها".

كان بن لادن يعلم أن القاعدة تعاني من تشوه في صورتها. في الوثيقة المؤلفة من 37 صفحة والتي صدرت بعد وفاته، تحدث عن بدء"مرحلة جديدة " لكسب ثقة معظم المسلمين، حيث كان على وعي بأن الجمهور المسلم يزدري جماعته. كما تشير الأوراق أيضا استياء تنظيم القاعدة للجناح التابع لها في العراق، وأساليبها الوحشية.  ما إذا كان قد قرأ الوثائق أولاً أم لا، فقد استوعب الجولاني جلياً الدروس. في المقابلة الوحيدة له (من تاريخه)، مع قناة الجزيرة في ديسمبر 2013 قال إنه قبل دخوله سوريا "استعرض تاريخ الجهاد الذي حدث في كل مكان على الأرض من أجل محاولة تجنب الأخطاء التي سقطت فيها الحركات الجهادية في أماكن أخرى".

الجولاني أوضح أنه لن يفعل ما فعله التنظيم الأم في العراق، من فرض إملاءات إسلامية قاسية على المجتمعات المحلية واستعداء لها إلى أن تشكلت الصحوات وانتفضت ضد تنظيم القاعدة، والتي، بمساعدة الولايات المتحدة، طردت الجماعة بالقوة. سوريا ستكون المنصة لتنظيم القاعدة لإظهار تطورها.
سرعان ما تطورت الانتفاضة السورية وقسمت إلى صراعين متوازيين. الآلاف لايزالون ينظمون كل أسبوع احتجاجات سلمية إلى حد كبير عقب صلاة الجمعة، وبالسياق نفسه تمت عسكرة الصراع في غضون بضعة أشهر. بحلول صيف 2011، تم تشكيل الجيش السوري الحر. تألف في البداية من جنود وأفراد الأمن الذين انشقوا، ثم انضم، في وقت لاحق، مدنيون والذين حملوا السلاح للدفاع عن مدنهم وقراهم ضد النظام. في البداية كان الجيش الحر منفصلاً عن الجماعات الصغيرة من الجهاديين.
كان الجولاني في الخنادق . في تموز 2012، غادر قاعدته في دمشق وسكن في مواقع النصرة في الأجزاء التي يسيطر عليها الثوار في المحافظات الشمالية من إدلب وحلب، غالباً ما استخدم الاسم المستعار أبو عبد الله، وتم إخبار قادة النصرة المحليين الذين يلتقيهم على أنه كان ممثل قائد التنظيم.  كان يتبع زياراته برسائل مفصلة مكتوبة بخط اليد إلى القادة، مشيدا برجل معين أو اقتراح ما برفض رجل آخر.  
في كثير من الأحيان كان متخفياً عن مرأى النظام، مرة أخذ حافلة عامة إلى شرق مدينة دير الزور، واستأجر مرة أخرى شقة في كفر حمرا، وهي بلدة في ريف حلب والتي كانت لا تزال تحت سيطرة النظام، هرباً من القصف المكثف الذي يمطر على المناطق التي يسيطر عليها الثوار.
أثناء نمو النصرة وتحولها إلى قوة ذات قدرة قتالية عالية، كان الجيش السوري الحر، يحاول أن ينظم نفسه في محاولة لإقناع المجتمع الدولي كي يقدم له دعما كبيرا.  شُكلت مجالس المحافظات، (مجلس واحد لـ 14  محافظة)، والرامية إلى جمع كل جماعات الجيش الحر تحت إمرتها.  ولكن ثبُت أن مجالس المحافظات والجيش الحر يستمدان قوتهما بالأساس من ما يمنحه الممولين الرئيسين لها، -السعوديون والقطريون (الذين قدموا الأموال أو الأسلحة والذخائر، مع التسهيلات من قبل الأتراك في اجتياز الأراضي وتوصيل الإمدادات) والأمريكان (الذين أرادوا تعليم وتدريب المجموعات الحاصلة على السلاح).

لم يحصل الجيش الحر على الأسلحة التي من شأنها أن تحول المد والجزر إلى صالحه. الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، خافت من إمكانية وصول الأسلحة المتطورة، مثل الصواريخ المضادة للطائرات، إلى أيدي المتطرفين، بالتالي استخدامها في الهجمات الإرهابية.
المخاوف لا أساس لها من الصحة. ومع ذلك، فإن ذلك يعني في المقابل أن طائرات الأسد الحربية وطائرات الهليكوبتر، ستواصل إلقاء الصواريخ والقنابل والبراميل على المناطق المدنية وقواعد الثوار. رفض المجتمع الدولي أيضا فرض منطقة حظر جوي فوق الحزام الذي تحتفظ به مختلف جماعات الثوار شمال سوريا. أكثر ما تمنته الجماعة المتمردة المعتدلة في سوريا هي الأمل في أن يمدها الغرب وحلفائهم في الخليج بأسلحة خفيفة وبالذخائر. عندما وصلت تلك الإمدادات، كانت قليلة من حيث العدد، موزعة بالتساوي وتم تسليمها بشكل غير منتظم.

تعلمت كتائب الثوار بسرعة على الاعتماد على نفسها.  اشترت أسلحة وذخيرة من جنود النظام الفاسد ومن السوق السوداء الإقليمية (لا سيما في لبنان والعراق وتركيا). اجتاحت نقاط التفتيش الحكومية واستولت على غنائم الحرب، وأصبح العديد من الجماعات بارعة في صنع الأسلحة الخاصة بهم، والصواريخ والعبوات الناسفة . بين مجموعة من الجماعات المسلحة التي ظهرت، ظهرت جبهة النصرة-بسرعة بوصفها الجماعة المنضبطة، ذات قوة قتالية قوية، تلك القوة صاحبة أكثر العمليات الهجومية جرأة ضد النظام، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية، إحدى التكتيكات التي قلّ استخدامها من الجماعات المقاتلة الأخرى. على الرغم من صعوبة معرفة حجم النصرة وصعوبة التأكد والتحقق من ذلك، إلا أن أثرها أصبح واضحا.  يقول الجولاني إن نصف تمويلها أتى من المنظمة الأم، دولة العراق الإسلامية.  والبقية أتى من المانحين من القطاع الخاص ومن تأمين غنائم الحرب.

اشتبك مقاتلو النصرة إلى جانب تلك الجماعات الأخرى، وقيل لي أنه على الرغم من أن جماعة النصرة محافظة دينياً، إلا أنها لا تسعى إلى فرض أفكارها على المجتمعات التي سقطت تحت سيطرة الثوار.  قدّموا الخدمات الاجتماعية، مثل توزيع الدقيق على المخابز، وبُذل الكثير من الجهود لطمأنة المسيحيين المحليين . هذا كان مختلفا جداً عن تنظيم القاعدة في العراق، والتي قصفت بشكل روتيني أسواق كاملة من المدنيين، مما أسفر عن مقتل المسلمين دون تمييز كما قتل آخرين.
مع ذلك، فإن لهجتها ولغتها كانت حادة ومتشددة جداً ضد أفراد طائفة الأسد العلوية.  تعتبر النصرة أن غير المسلمين كفار، ولكن كما قال قائد لي ذات مرة، "كفره لا يعني أنني يجب قتله."  لكنها، مع ذلك، تحمل هذه اللغة شكلاً من أشكال المواطنة من الدرجة الثانية.  العديد من المجموعات المتمردة السورية، وخصوصا تلك المتحالفة مع الجيش السوري الحر، لم تشارك الأيديولوجية الفكرية المحافظة للنصرة، وكانوا أصلاً غير متأكدين من خططها في سوريا، إلا أنهم كانوا بحاجة إليها في ساحة المعركة.

في ديسمبر 2012، أعلنت الولايات المتحدة النصرة منظمة إرهابية، وتحديداً تم تصنيفها كجناح لتنظيم القاعدة في العراق . إذا كان المقصود من التسمية الإرهابية عزل جبهة النصرة، فيبدو أنها أدت إلى عكس المقصود .  ففي 14 ديسمبر، أول جمعة بعد هذا الإعلان، خرج السوريون في جميع أنحاء البلاد في مظاهرات تحت شعار، "الإرهاب الوحيد في سوريا هو إرهاب الأسد،" رداً واضحا على القرار الأمريكي.  العشرات من الجماعات المتمردة أعلنت، " كلنا جبهة النصرة"، بينما قيادة المعارضة السياسية في المنفى - والتي لم تعترف بها النصرة- أدانت التصنيف الإرهابي .بعد عام فقط، أُعلن عن وجودها في سوريا، كانت جبهة النصرة قد حققت ما أظهرته أوراق أبت آباد بما كان يحلم به بن لادن:  قوة هائلة بدعم شعبي قوي.  لم يكشف بعد عن علاقتها بتنظيم القاعدة.  هذه المعلومة سيتم إعلانها بشكل مفاجئ على الملأ في 8  أبريل 2013، في تسجيل صوتي لأبي بكر البغدادي، قائد دولة العراق الإسلامية.

كان خطاب البغدادي قنبلة . فالخطاب أعلن دمجها في كيان دولة العراق الإسلامية وتحت قيادته.  رفض الجولاني علناً الاندماج وتعهد بالولاء لأيمن الظواهري، وطلب وساطة زعيم تنظيم القاعدة.
استغرق الأمر مدة الشهرين ليأتي خطاب الظواهري رداً على هذا الخلاف، وذلك في رسالة خاصة سُربت إلى قناة الجزيرة، حينما قال إنه يرفض الاندماج وأوعز إلى البغدادي البقاء في العراق، والجولاني في سوريا. وأصدر بياناً يقضي بأن جبهة النصرة فرع لتنظيم القاعدة الرسمية في سوريا.  تجاهل البغدادي هذا البيان.  
جادل أنصاره بأنهم غير ملزمين بهذا البيان طالما فرق الظواهري بين العراق وسوريا، معترفاً بذلك بحدود سايكس وبيكو الاستعمارية، وأن ذلك ليس إلا دليلاً على ليونة قائد تنظيم القاعدة.

اقتسمت النصرة فيما بينها.  جزء بقي مع الجولاني، في حين اتبع آخرون البغدادي، خاصة المقاتلون الأجانب، المهاجرون كما يطلق عليهم، وانضموا إلى دولة العراق الإسلامية، وظلت جبهة النصرة سورية أكثر تقريبا.  خلّف ما حدث أثر اً عميقاً:   "النصرة كلها أصبحت دولة العراق والشام الإسلامية، وكنا قليلون "، كما قال لي أحد المقربين من الجولاني. قائد النصرة، كان يتوقع مشاكل تتعلق بالتنظيم، "من مثل طائرات بدون طيار، وفيات من القادة، ولكنه لم يكن يتوقع أبداً أننا سنقع في نزاع مع العراق."  أضاف.

من المعلوم أن "الدولة" في عبارة  الدولة الإسلامية في اللغة العربية هي شبيهة بالدولة، والتي تعني بالضبط كيف تبدو كدولة ذات سيادة وليست كفصيل بين جماعات مقاتلة كثيرة ضد النظام السوري. نظرياً، قائد الدولة الإسلامية يُعتبر أمير المؤمنين، وسلطته تشمل المسلمين كافة، وكافة التنظيمات مثل تنظيم القاعدة. كان البغدادي يقول بأنه ليس مساوياً للظواهري، بل هو متفوق عليه وهو ما سيثبته خلال الأشهر المقبلة.
***
بدأت الدولة الإسلامة بإقامة دولتها على الأراضي التي سيطرت عليها، وعلى الأخص في الرقة شمال شرق البلاد، المحافظة الوحيدة من  14 محافظة سورية التي خرجت من قبضة النظام.  في مايو عام 2013، انتزعتها الدولة الإسلامية من الثوار، بما فيهم النصرة، والذين حرروها في مارس . بحلول شهر أغسطس، عززت قبضتها، وجعلت المدينة ذات الـ 200 ألف شخص، عاصمة لها، وملأت سجنها بأي شخص كان يعارضها أو يحاسبها أو أيا كان ممن كان منخرطا في أنشطة معادية للإسلام.  اعتقلت النشطاء والمدنيين وقادة الجيش الحر، وحتى أولئك الذين ينتمون إلى جماعات إسلامية متشددة.  في الرقة، اعتقلت (والذي قتل بعد ذلك) أمير جبهة النصرة هناك أبو سعيد الحضرمي.

بدا أن الدولة الإسلامية تتعلم بشكل بطيء . فإن وضعها يشبه ذلك الذي تجسد في وقت سابق حين حاولت إقامة دولتها في المناطق السنية من العراق بعد الغزو الأمريكي.  في الرقة، كانت القوانين واضحة . طلب من النساء ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه ومنعت من ارتداء السراويل.  كانت الصلوات واجبة، والعقوبات كانت وفق الشريعة، مثل قطع يد السارق . لم ترحم، حتى أنها صلبت بعض أعدائها في ساحة عامة في الرقة، وكانت تطلق أحكام الكفر على مسلمين آخرين.  ارتدى مقاتليها الأحزمة الناسفة ما شكل ذلك مصدر رعب للمدنيين والثوار على حد سواء.

مقر الدولة الإسلامية في الرقة أنيق، حيث رُفع راية سوداء ضخمة في الساحة أمام المقر.  المقر لم يُستهدف بأية غارة جوية والتي كانت متكررة على المدينة من النظام، مما دفع المعارضة السورية من السياسيين الادعاء بأن الدولة الإسلامية من صنع النظام، أو أنها متواطئة معها.  كان هناك القليل من الأدلة لافتراض أحدهما، لكن ما هو أكيد: أن الدولة الإسلامية كانت تلعب مباشرة في سردية الأسد والتي حاولت النصرة تجنبها،- وهي أن معارضي النظام هم إسلاميون متطرفون.  الدولة الإسلامية كانت متطرفة جداً لدرجة أنها أظهرت النصرة معتدلة بالمقارنة معها.

سمعت هذا مباشرة في أواخر أبريل عندما التقيت اثنين من الجهاديين في مدينة أنطاكيا بجنوب تركيا . أبو درعا، رجل هادئ، كان أمير الدولة الإسلامية في قرية قرب الرقة، إلا أنه غادرها بسبب الخلاف مع تنظيم القاعدة.  "من ما رأيت أستطيع القول إن الدولة متعطشة للدماء. بالنسبة لها فإن قتل رجل كشربة ماء". كما قال لي.  وأضاف: "إنهم يرتكبون أخطاء " . "للنصرة دعم شعبي واسع ولديها كم من الإنجازات والعمليات ضد النظام، في حين أن الدولة الإسلامية عندما أتت إلى هنا بعد الانقسام، كانت مثل المنشار الذي يقطع في كلا الاتجاهين. رأى الناس أن النصرة أرحم".
صديقه، أبو الخطاب، كان يقاتل مع النصرة لكنه الآن اتجه إلى الرقة للانضمام إلى الدولة الإسلامية. في الواقع كانت النصرة أرحم، لأنها لم تكن تفرض عقوبات شرعية صارمة، مثل قطع يد السارق"، حتى الأطفال يعرفون أن يد السارق يجب أن تقطع"، كما أكد أبو الخطاب . "إذا لم تكن نفعل أي شيء خطأ فلِمَ تخاف؟".

لكن لهذه القسوة نتائج عكسية واستعداء من السكان المحليين، المسلحين والمدنيين على حد سواء، حتى  3 يناير 2014، انتفضوا في اشتباكات مسلحة والتي انتشرت بسرعة في معظم أنحاء شمال سوريا.  حاولت النصرة في البداية التواسط، لكن بعد يوم 3 فبراير، تبرأ تنظيم القاعدة من الدولة، عندما أعلن تنظيم القاعدة بياناً قيل فيه: "إننا لم نكن على علم بإنشائها". "لم تنتظر الأوامر منا، ولم نُستشر. لم نكن سعداء بذلك. مع ذلك، فقد أمرنا الدولة الإسلامية التوقف عن نشاطاتها. لذلك، فالدولة ليست فرعاً من تنظيم القاعدة وليس هناك أي رابط تنظيمي يربط بينهما، وتنظيم القاعدة ليست مسؤولة عن تصرفاتها".

اعتبرت الدولة أن القاعدة قد انحرفت عن الطريق الصحيح للجهاد.  ظواهري القاعدة ليس كابن لادن،  كما يُقال، و "إذا أراد الظواهري أن تكون له موطئ قدم في أرض الدولة الإسلامية، فيجب مبايعته لها ويجب أن يكون جندياً لأميرها، البغدادي".  هذه الجرأة لم يسبق لها مثيل، وعدم قدرة الظواهري على كبح جماح البغدادي جعله يبدو ضعيفاً.

المقاتلون الأجانب، يميلون إلى التدين أكثر من السوريين في النصرة أو في الدولة الإسلامية، والذين تحملوا العبء الأكبر من الحركات المعادية للدولة الإسلامية من قبل الجماعات المتمردة الأخرى.  انضم بعضهم إلى النصرة والبعض الآخر حاول الفرار إلى تركيا، في حين أن آخرين كانوا يبحثون إما عن القتال أو التفاوض للوصول إلى ممر آمن يؤدي إلى مدينة الرقة.  وفي الوقت نفسه، تمت إعادة تشكيل الدولة الإسلامية في الشمال الشرقي وشرق المناطق المحيطة للحدود العراقية.

كما احتدام الجهاديين، واصل الثوار المعتدلين طلبهم غير المجدي للمساعدة، كانت قوات النظام موحدة المواقف حيث دفعت إلى بعض المناطق التي يسيطر عليها الثوار . بينما فشلت الدبلوماسية في إيجاد حل للصراع . انتشرت صور مروعة للموت والمذابح بين صفوف المقاتلين الأجانب من جميع أنحاء العالم، على كلا الجانبين من الصراع.  كان الشيعة والإيرانيون مع النظام، وخليط من جنسيات كنت أراها في زياراتي الدورية إلى بلدي سوريا، بما في ذلك الشيشان والتونسيين والليبيين واللبنانيين يقاتلون جنباً إلى جنب الثوار السنة.  علمت أن أبو أسامة، العسكري الأمريكي السابق والذي اعتنق الإسلام، كان يدرب الجهاديين في الحرب.  (لم أستغرب عندما رفض إجراء مقابلة معي) . عرفت أن أحد أكبر أمراء جبهة النصرة يجند ويدرب خلية من الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين.

دخل العديد من المهاجرين من تركيا إلى المناطق التي يسيطر عليها الثوار شمال سوريا.  كان هناك العديد من طرق التهريب على طول حدود  511 ميل، معظمها كان قيد الاستخدام جيدا قبل الانتفاضة السورية . مساحات شاسعة من الأراضي السورية المتاخمة لتركيا سقطت من أيدي الحكومة، أصبحت سهلة العبور . بحلول صيف عام 2012، حصل الثوار على معبر باب الهوى، وهو المعبر الرسمي بين سوريا وتركيا، مما مكّن دخول الرجال والمال والذخائر والمساعدات الإنسانية من المانحين من قطاع خاص ليتم نقلهم بواسطة سيارة في شمال سوريا.

تدفق المهاجرون من تلقاء أنفسهم منذ الشهور الأولى لعام 2012، ومع الأيام سيزداد التدفق.  كان من السهل على المقاتلين الأجانب الوصول عبر الرحلات الداخلية من اسطنبول إلى هاتاي، ولاية تركية قرب سوريا:  الرجال ذوي اللحى الطويلة والسراويل القصيرة التي يرتدونها فوق الكاحل على طريقة النبي محمد . انضموا أساساً إلى الجماعات الجهادية، على الرغم من أنها أصبحت بعد ذلك جزءً من الجيش الحر . بحلول منتصف سبتمبر 2012، أنشأت النصرة جماعة أكثر تنظيماً لتسهيل عملية دخول المجاهدين إلى سوريا، عبر "أمير الحدود"  .
المركز الرئيسي لتنظيم القاعدة في أفغانستان أخذت على عاتقها وظيفة تفاصيل تلك التسهيلات مع منسقين لها في تونس وشبه الجزيرة العربية.  "كان ذلك خطأ"، قال أحد أفراد النصرة على علم بتلك التفاصيل، لأن الكثير من المهاجرين انقلبوا في وقت لاحق ضد جماعاتهم.  كانوا عموماً أكثر جموداً من نظرائهم المحليين. "أنا مندهش من بعض هؤلاء الناس"، كما قال عضو النصرة . "كانوا عنيدين وقدرتهم على الاستيعاب بطيئة.  كانت رؤوسهم يابسة مثل الجدران".

تم استئجار أربعة منازل في منتصف الطريق في هاتاي:  اثنان في المدينة الرئيسية أنطاكية، وواحد في الريحانية (لا تبعد كثيراً عن معبر باب الهوى) والأخير في كريخان في شمال شرق البلاد.  سيتم نقل الرجال إلى خارج مطار هاتاي.  "في الأيام الخامدة قد يكونون خمسة رجال" . في الأيام النشطة يصل تعدادهم إلى 15 "، كما قال المصدر المطلع في النصرة . في البداية، يتم إرسالهم إلى أطمة، إلى مخيم المهاجرين الذي لا يبعد كثيراً عن الحدود.  في نهاية المطاف، فإن الأتراك حفروا خندقاً عميقاً في الأرض المسطحة على طول حدودهما في أطمة، مما جعل العبور عبره صعباً، كما أصبح المخيم سيء السمعة بعد أن خُطف 2 من الصحفيين الأجانب بطريق الخطأ. بحلول فبراير عام 2013، أُغلق الخندق.
***
ومع ذلك فإن المقاتلين الأجانب، لازالوا يتدفقون إلى سوريا، والبعض الآخر  واصل تدفقه إلى العراق.  بحلول شهر مارس، وبحسب ما ورد تم إنشاء مخيم جديد للنصرة مخصص للمقاتلين الأجانب في رأس الحصن، والذي كان واحداً من الأسباب الأساسية لسفري إلى قرية صغيرة قديمة في محافظة إدلب . كان يوم 2 مارس حين أتيت لتلبية دعوة أمير النصرة، أبو راتب، الذي امتدت مساحة إمارته إلى أطمة.

قاد أبو راتب "الجيب" إلى نقطة تفتيش خارج قاعدته.  كان يرتدي وشاحاً أسود، وسراولاً عسكرياً مموهاً، وسترة سوداء منتفخة.  كانت لديه لحية سوداء امتدت على صدره وكان صاحب عينين داكنتين . وافق من حيث المبدأ على التحدث معي، ولكن كان بحاجة إلى أخذ الأذن من أخيه الأكبر، الذي كان مسؤولاً عاماً عن المحافظة.  كان مسافراً في منطقة أخرى في إدلب ولن يعود قبل عدة أيام.

ركبت الميتسوبيشي، جنبا إلى جنب مع اثنين من رجال النصرة ومع أبي راتب الذي كان يقود الجيب . اثنان من الكلاشينكوف كانا في المقعد الخلفي وآخر في الواجهة.  سافرنا مسافة قصيرة من موقع النصرة إلى أن وصلنا إلى منزل الأمير المكون من طابق واحد الذي يقع بين بساتين الزيتون والآثار القديمة المنتشرة في أنحاء القرية جميعها.  كنت أنتظر مع عائلته إلى أن يأتي الأذن من أخيه.

بقيت مع زوجته، أم محمد، أم لثلاثة أولاد تبلغ من العمر 27 عاما . دفعتني إلى الغرفة حيث أمضت معظم حياتها مع أولادها؛ بنت عمرها 3 سنوات، وبنت 15 شهراً ، ومحمد وعمره شهرين .
مع تناولنا للقهوة والتمر، كان العديد من النسوة من جيران أم محمد يتحدثن إلي وهن يشعرن بالأسف على الممارسات القاسية التي تمارسها الدولة الإسلامية.  قلنّ لي إن هناك مصرياً من الدولة الإسلامية قتل زوجته، وهي طبيبة، لأنها عملت جنباً إلى جنب مع طبيب غريب. "من سيقدم لنا العلاج الآن بعد مقتل الطبيبة؟"  سألت أم محمد.  والدة أبو راتب روّت لنا حكاية عن امرأة كانت تبكي دخلت مرة إلى مقر النصرة وخلعت حجابها أمام الأمير، معلنة أنها لا تريد أن تكون مسلمة بعد اليوم . قالت إن سبعة من أفراد الدولة الإسلامية  تزوجوها، واحداً تلو الآخر، في الليلة نفسها.  كان اغتصاباً جماعياً.  "هذا ليس من ديننا"  قالت والدة الأمير . لم أعرف ما إذا كانت هذه القصص صحيحة أم لا، ولكن بالتأكيد النساء كنّ مصدقات.  نمنا في الغرفة نفسها مع والدة الأمير وزوجته وأطفاله الثلاثة.  غادرت صباح اليوم التالي في 07:00.

في 14 من أبريل عبرتُ الحدود مجدداً إلى سوريا مع نية مقابلة "أبو راتب". في اليوم التالي، علمتُ أن 4 مسلحين، ثلاثة تونسيين ومغربي طرقوا الباب على أبي راتب. كان أخوه أبو محمود الفاتح، أمير إدلب، داخل البيت مستلقياً على السرير، يتعافى من حادث سيارة. خطا المسلحون عدة خطوات إلى الداخل من الباب الأمامي إلى أن وصلوا باب غرفة الرجل على اليمين. حسب ما نشره حساب تابع لجبهة النصرة، تم إطلاق النار على أبي راتب في الرأس ومات فوراً على إثر الطلقة، مع أخيه الأصغر سناً.

استطاع أبو محمد جرح أحد المسلحين قبل أن يُقتل بثلاث طلقات في الصدر. ثم قام المسلحون برش غرفة النساء بالرصاص، وقتلوا زوجة أبو راتب الشابة، وابنته الكبيرة وابنة أبو محمد التي تبلغ من العمر 13 سنة، وتسببوا بجراح لأغلب الأطفال الذين ظلوا هناك. استطاعت زوجة وأم أبو محمد النجاة وإخبارنا بحقيقة ما حصل.

ألقت جبهة النصرة اللوم على "داعش" في عملية الاغتيال هذه. ظهر في فيديو حمّلته جبهة النصرة على اليوتيوب شهادة رجل تقول بأنهم كانوا 4 مقاتلين سابقين في "داعش". "فجر اثنان منهم نفسيهما مما أدى لموت الثالث،" كما قالت النصرة في بيان لها. تم القبض على الرجل الرابع. لم تعلق "داعش" بشكل رسمي على مقتل الأميرين في إدلب، ولكنهما لم يكونا أول قادة يتم اغتيالهما. أبو خالد السوري، مجاهد قديم في الحرب الأفغانية ضد السوفييت مبعوث الظواهري الشخصي لفض الخلاف مع "داعش"، تم اغتياله في تفجير انتحاري وقد ألقي اللوم على الدولة الإسلامية. (أنكرت داعش ضلوعها بالأمر). الخلاف القائم بين هاتين الجماعتين الجهاديتين أدى إلى عمليات اغتيال فيما بينهم بطريقة ظهرت وكأنها تحقق حلم الغرب في مكافحة الإرهاب.

لا تزال داعش اليوم تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال شرق سوريا، تمتد من محيط حلب إلى الحدود العراقية، ولم يعد لها وجود في إدلب أو اللاذقية إلى الشمال الغربي. بقيت متمركزة بقوة في محافظة الرقة. أما النصرة فلا تزال تحت إمرة أبو محمد الجولاني، ولا تزال تقاتل داعش، غالباً بصف جماعات أخرى من الثوار. الأزمة مع أعداء النظام أصبحت حرباً أهلية ضمن حرب أهلية- تماماً كما أراد الأسد.
***
من المفارقات، أن القاعدة، والنصرة والدولة الإسلامية جميعها يتقاسمون أيديولوجية انتقالية مع الهدف نفسه: دولة إسلامية تنتشر من سوريا إلى الشرق الأوسط، إعادة إنشاء حكم الخلافة الذي انتهى عام 1924 بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. وهم على اختلاف حول من يجب أن يترأس الجهود والآليات لتحقيق هذه الأمور. وفرّت سوريا مكاناً آمناً لهذه الجماعات مما مكّنهم من تجنيد المقاتلين الذين يستطيعون التحرك بين أرض المعركة السورية والعراقية بحرية، بل محو الحدود بين البلدين.
في 10 حزيران، قام مئات الأفراد من داعش بمحاصرة الموصل، ثاني أكبر مدينة عراقية، ثم تتحرك الآن جنوباً نحو بغداد، وتسيطر على غيرها من القرى في طريقها. حاصرت الجماعة كميات هائلة من الأسلحة التي أمنتها أمريكا، من ضمنها الهليكوبتر، وما يقارب النصف مليار دولار من بنك الموصل المركزي.

داعش لا تسير ضمن العراق وحدها. السنة المحرومون على مختلف الصعد السياسية، من ضمنهم أصحاب الولاء لصدام السابقين، متورطون معها أيضاً، بسبب الأحكام الطائفية والاستبدادية من قبل الحكومة العراقية. هذا الائتلاف العراقي السني الجديد، من غير المرجح استمراره. لم تستطع داعش التعامل مع غيرها في سوريا، فكم من الزمن تحتاج حتى تثير حلفائها الجدد في العراق.

تصرفات داعش في محافظة نينوى، نشرت بعد يومين من محاصرة المتمردين للمنطقة، هذا يشير إلى دليل واحد. وتقوم بسنّ قوانين قمعية تماماً كما فعلت في الرقة: الصلوات الخمس في المساجد بشكل يومي: يجب على النساء لبس السترة (مثال: عباءة على شكل منطاد، سوداء كالفحم وتغطي من الوجه حتى أخمص القدمين) ولا يستطيعون مغادرة منازلهم إلا في حالات الطوارئ: ويجب تدمير جميع الأضرحة، وغيرها من الرموز. على عكس النصرة، الدولة لم تتعلم أن يكون اكتساب الدعم من الناس أولوية لها.
مصير داعش هو محدد بسؤال واحد. هل ستحاول النصرة وغيرها من جماعات الثوار السورية باتخاذ خطوات حقيقية ضد مواقع داعش في سوريا ما قبل احتلالها العراق؟ هل ستفقد جبهة النصرة مزيداً من أعضائها حتى ينضموا إلى الدولة الإسلامية؟ كيف سيكون رد فعل الظواهري؟ فمن غير المرجح أن يستسلم لداعش، ولا يمكنه انتقاد الجماعة التي تقوم بتنفيذ الأهداف نفسها التي ترنو إليها منظمته. أيمكن للقاعدة أن تثبت وجودها عن طريق هجمات جديدة؟ هل تزال لديها القدرة على فعل ذلك؟
أما بالنسبة لأمريكا، يقوم الرئيس أوباما بإرسال 300 من رجاله لتوجيه الجيش العراقي، ولكن ماذا عن غيرها من التحركات الأمريكية العسكرية السابقة، كضربات جوية مثلاً؟ هل ستضرب الولايات المتحدة داعش في العراق؟ ولو حدث هذا فهل ستضرب الجماعات في سوريا؟ ماذا عن الأسد، الرئيس أوباما قال إن على الأسد "الرحيل"؟ ماذا بشأن النصرة؟ جميع هذه الأسئلة تبدو سهلة عندما يكون السؤال الرئيس هل ستُسلح المعارضة السورية أم لا، وأي جماعة منها؟

بالتأكيد، كان من غير المرجح أن تستمر الأزمة السورية في سورية. التي نتج عنها الملايين من اللاجئين في بلاد الجوار، والمقاتلين الجهاديين إلى سوريا. أنشأت داعش وجبهة النصرة العديد من الأفرع لهما في لبنان، ومن الممكن أن يكون أبعد من ذلك.
"يوجد الآن مخيمات تدريبية اسمها الفاروق في سوريا،" أبو ماريا، أمير جبهة النصرة في محافظة إدلب، أخبرني في ليلة ما.

"هذا المخيم التدريبي موجود في أفغانستان، وهو مشهور جداً. يخرّج (9/11 قناص)،" كما أضاف محمد عطا. "إذا سبب هذا المخيم كل ما نراه في العالم، ما الذي ستتسبب به المخيمات العديدة في سوريا برأيك؟"

 

المصدر

http://www.politico.com/magazine/story/2014/06/al-qaeda-iraq-syria-10821...