حتى الجيوش ما عادت تحكم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/10/2016
العربي الجديد
المؤلف: 

أدت الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة (الانقلاب الناجح الناجز في مصر، والمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا) إلى تنامي الاهتمام بدراسة علاقة الجيش بالسلطة والدولة في العالمين العربي والإسلامي. وطالما مثّل تدخل الجيش في السياسة ونزوعه إلى الحكم، مباشرة أو من وراء ستار، في أغلب النظم الجمهورية العربية، عاملاً رئيسياً في إجهاض، ومنع، أو تأخير الانتقال الديموقراطي في العالم العربي. وعلى الرغم من أن لدى العالم العربي، بعكس التصوّر الذي تسهم في تغذيته نخبٌ عربية، مؤهلات أفضل بكثير للتحوّل الديموقراطي، مقارنةً بدول أخرى في العالم، إلا أنه ما زال، بسبب عدم القدرة على حل مسألة علاقة الجيش بالسلطة والسياسة، من بين مسائل أخرى طبعاً، غير قادر على ولوج طريق التحول الديموقراطي. 

وتعد العلاقة بين الجيش والسياسة من أكثر القضايا التي تواجه العالمين العربي والإسلامي تعقيداً وأكثرها حساسية، وهي من أقدمها في الآن نفسه، إذ تعود إلى فتراتٍ مبكرة من عمر الدولة العربية الإسلامية، بدأت بالتوتّر الذي طبع العلاقة بين الخليفة عمر بن الخطاب وقائد جيوشه خالد بن الوليد، وصولاً إلى مرحلة غدا فيها قادة الجيوش وأمراء الحرب يتحكّمون بالسلطة الفعلية في الدولة، ويحكمون باسم الخليفة. وأخذاً في الاعتبار تعقيدات المسألة وعمرها المديد، لن يكون سهلاً الوصول إلى تسويةٍ نهائيةٍ تضع الجيش في أمرة السلطة المنبثقة عن إرادة الأمة، وفي الوقت نفسه، تعطي للمؤسسة العسكرية الاعتبار الذي تنشده. 

بدون هذه التسوية، لن يكون فقط غير ممكن حل إشكالية العلاقة بين الجيش والسياسة في العالم العربي، بل لن تكون هناك، فوق ذلك، إمكانية لقيام الدولة في المقام الأول، فعلاقة الجيش بالدولة (وليس السلطة) "سيامية"، تؤدي محاولة الفصل فيها إلى موتٍ محقق. ويكفي للدلالة على ذلك الإشارة إلى أن الدولة العراقية لم تنهر بسبب الغزو الأميركي وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، بل انهارت فقط عندما اتخذ المشؤوم، بول بريمر، قرار حل الجيش العراقي، فقد كان يمكن للدولة أن تستمر حُكماً لو اكتفت واشنطن، مثلاً، باستبدال كبار قادة النظام، ما يعني أن الجيش مثّل العمود الفقري للدولة، وما كان لها أن تقوم بدونه. 

وحتى لو قامت الدولة، فبدون جيش قادر على حمايتها لا يمكن أن يتحقق لها اثنان من أهم شروط قيامها، السيادة والاستقلال. هنا تصبح الدولة مجرد كيان تابع، مرتهن لخصومه، خاضع لإرادتهم، مهدّد في كل لحظة بعدوانهم. فنحن ما زلنا بعيدين جداً عن إمكانية قيام حكومة دولية، أو منظمة أممية قادرة على حل النزاعات بين أعضاء نادي الدول بطرقٍ سلميةٍ، تنتفي معها الحاجة إلى بناء جيوش وطنية قوية. 

فضلاً عن ذلك، لا بد من الانتباه إلى وجود اختلافات بيّنة في طبيعة الإشكالات التي تواجه الدول العربية، في ما يتعلق بمسألة العلاقة بين الجيش والسياسة، فالدول العربية الأفريقية، مثلاً، عانت، وما زالت تعاني، من انقلاب العسكر على العملية الديموقراطية، وإنشاء "ملك عضوض"، كما حصل في مصر عام 2013 والسودان 1989 والجزائر 1991-1992. أما في المشرق العربي (العراق وسورية واليمن)، فبعد عقودٍ من هيمنة الجيش على السلطة، لم تعد هناك جيوش أصلاً حتى نتحدّث عن علاقتها بالسياسة، ففي العراق، انهار الجيش بفعل مؤثر خارجي (قرار الحل)، وحلت محله مليشيات تتلقى أوامرها من مرشدٍ أجنبي. وفي سورية، انهار الجيش نتيجة دخوله طرفاً في الصراع بين السلطة والشعب، وأخذ اعتماده يزداد باضطراد على دعم مليشياتٍ، وتنظيمات أجنبية، تأخذ أوامرها من جنرالٍ إيراني. وفي اليمن، انقسم الجيش أيضاً، وتوزّع على قوىً تصارع بعضها. في جميع هذه الحالات، فقدت الدولة، بانهيار الجيش، سلطة احتكار استخدام العنف، وسادت الفوضى، وغدا التحدّي أكبر بكثير مما كان عليه، إذ بات الأمر يتطلب القضاء على سلطة المليشيات وفوضى السلاح، وإعادة بناء جيش وطني، حتى يُتاح لنا إمكانية العمل على صوغ علاقته بالسلطة والسياسة.

تعليقات