حدود الرهان على جديد السياسة الأميركية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/9/2014
الحياة
المؤلف: 

«لو لم تصل السكين إلى رقبتي صحافيين أميركيين، ما كانت إدارة أوباما لتغير موقفها من الأحداث المتفاقمة في سورية والعراق»... هي عبارة يكررها البعض للتحذير من التسرع في البناء على جديد السياسة الأميركية ومن الرهان على دور مرتقب بعد الكلمة التي وجهها أوباما إلى الشعب الأميركي وأعلن فيها إستراتيجيته لمعاقبة «دولة الخلافة الاسلامية» يماثل دورها بعد خطاب جورج بوش رداً على ضرب برجي التجارة العالمية ومبنى البنتاغون. ولكن أوباما ليس بوش وأميركا عشية أحداث ايلول (سبتمبر) 2001 ليست أميركا اليوم، والفارق يتعلق بنقطتين:

أولاهما، رأي عام أميركي ذاق مرارة التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وعاني كثيراً من سياسة سابقة اتسمت بنزعة هجومية وكبدته خسائر لا تطاق، وأدرك تالياً أن تحرر بلاده من الأعباء الريادية في السياسة الخارجية هو أهم رافعة لمعالجة أزماته الداخلية، بخاصة أن البلاد لما تتعافَ بعد من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية، فكيف الحال وقد تمكنت بعد تجميد الدور العسكري من الحفاظ على دورها العالمي متوسلة ما يسمى القيادة من الخلف واستخدام القوة الناعمة والضغوط متعددة الوجوه.

ثانيهما، التطورات التي شهدتها بعض الأطراف العالمية وبخاصة روسيا والصين، وتنامي قدراتهما على المنافسة الاقتصادية والعسكرية، ما حدا بالسياسة الأميركية إلى منح أولوية لمحاصرة الاتحاد الروسي وإرباك دوره العالمي، مثلاً استنزافه في الحدثين السوري والأوكراني، إلى جانب تخصيص مزيد من الجهود لردع التنين الصيني وتفكيك نفوذه في شرق آسيا.

نقطتان لا تزالان حاضرتين بقوة في جديد السياسة الأميركية، والدليل حرص أوباما على تأمين إجماع داخلي قبل إعلان استراتيجيته ضد «داعش»، ثم تكرار تطميناته للشعب الأميركي بأنه سيكتفي بالضربات الجوية ولن ينجر أبداً إلى زج قوات برية وبأنه لن يخوض معركته منفرداً، بل من خلال تحالف دولي عريض يضم أهم الدول العالمية والإقليمية، وبالنتيجة فإن الإستراتيجية التي أقرت لمكافحة «داعش» والإرهاب الاسلاموي لا ترقى بأي حال الى المستوى الذي أنتجته إدارة جورج بوش والمحافظين الجدد، والأرجح أن لا تتجاوز، في ظل الشروط الراهنة، حقل الوسائل والأساليب التي اتبعتها واشنطن في اليمن كخيار مجرب يفاخر المسؤولون الأميركيون بنظافته ونجاعته في مواجهة الارهاب من بعد، والنيل من أهم رموزه.

وبهذا الخيار تحاول واشنطن ضرب أكثر من عصفور بحجر واحدة، بدءاً بتوجيه ضربات مركزة ضد تنظيم داعش لتصفية كوادر الخلايا الأجنبية التي رفدته، وهي خلايا بقيت كامنة ونائمة لسنوات وشكلت هاجساً مقلقاً وخطراً غامضاً على الغرب، ولا يغير هذه الحقيقة القول إن التنظيمات الاسلاموية سرعان ما تتوالد وتتكاثر، إذ أن تصفية هذه الكوادر والكفاءات النوعية تلحق ضرراً كبيراً بإمكانيتها العملية على تجديد قدراتها يصعب تعويضها باندفاعات شبابية متهورة وعديمة الخبرة، ومروراً بتعميق شروخ العلاقة الموضوعية بين الاسلام السياسي والتيارات الجهادية، وقد خبر البيت الأبيض تجريبياً قوة الترابط العقائدي بين هذه الجماعات على اختلاف اساليبها، وإن كل منها يغذي الآخر، وخير دليل سرعة مبايعة أطراف سياسية إسلامية «دولة الخلافة» بمجرد أن تمكنت في الأرض، ومروراً بتخفيف امتعاض الرأي العام الناجم عن سلبية واشنطن المزمنة من العنف المتصاعد في سورية وتجاه معاناة المهجرين، فكسر شوكة «داعش» يخفف حركة النزوح وتالياً الأعباء التي تتحملها دول الجوار مع الازدياد المتسارع لأعداد اللاجئين إلى أراضيها، إنتهاءً بتوظيف الحضور العسكري الدولي ضد الارهاب الاسلاموي في العراق وسورية للضغط على القيادة الايرانية وحضها على تقديم مزيد من التنازلات حول ملفها النووي، بخاصة أن الرئيس أوباما لا يزال يحلم بأن يسطر سابقة تاريخية بنجاحه في تطويع العدو الايراني اللدود، ومن وجوه هذا الضغط، عدم دعوة طهران إلى اجتماعي جدة وباريس، وعودة الحرارة للعلاقات الأميركية العربية بعد فتور اصابها جراء مبالغة واشنطن في التركيز على المسار الايراني، فضلاً عن غموض مقصود في موقف البيت الأبيض من دور طهران ضد داعش، غامزاً مرة من قناة الاكتفاء بدعمها للحكومة العراقية، ومرة بمد البيشمركة الكردية بالسلاح، ومرة ثالثة بتعويم سياسته من الوجود الداعشي في سورية ومن أفق التغيير السياسي هناك.

 

 

«لا مسعى جدياً لمواجهة أي أزمة إقليمية من دون قرار وإرادة أميركيين» هي حقيقة تؤكدها تطورات اليوم والتي تظهر موقع واشنطن الريادي ووزنها المتميز عالمياً وقدراتها النوعية على فرض سياستها عندما تستدعي مصالحها ذلك، بما في ذلك محاصرة وردع أي طرف يناهض هذه السياسة أو إجباره على الانصياع أو الصمت كما الحال في تشكيل التحالف ضد «داعش» من دون الرجوع إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومن دون اعتبار لموقفي روسيا والصين، وهو أمر يطرح السؤال عن جذر الموقف السلبي الأميركي من تصاعد الصراع الدموي في سورية، هل يرجع السبب حقاً إلى الفيتو الروسي المتكرر أم إلى مصالح البيت الابيض وحساباته الخاصة؟!

والخلاصة، إن جديد السياسة الأميركية المتشددة اليوم ضد «داعش» والإرهاب الاسلاموي ليست مؤشراً لعودة الروح التدخلية والهجومية كما يراهن البعض ممن اعتادوا العيش على أدوار الآخرين ويتطلعون إلى من يحارب نيابة عنهم، فمثل هذا الرهان لا أساس له اليوم ولا حظ، ومن قبيل الأوهام رسم صورة لمستقبل قريب يسود فيه مناخ ما بعد أيلول 2001 وتعود فيه القوة العسكرية الاميركية لترسم وجه الأحداث العالمية، والقصد توخي الحذر عند التعويل على إستراتيجية مواجهة «داعش» ونفض اليد من دور أميركي ينحو لمعالجة أزمات المنطقة جذرياً، فلا تزال غلة واشنطن وفيرة من سياسة الترقب والانتظار واستنزاف الخصوم، ولا تزال ثمارها مجزية من طرائق ادارة الصراع من بعد.