حرب عالمية ثالثة مصغرة

صورة أمين صيقل

مقالات الكاتب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/2/2016
The Sydney Morning Herald
المؤلف: 

(ترجمة السورية نت)

الصراع السوري على وشك أن يشبه حرباً عالميةً ثالثة ولكن مصغرة، فمنذ الحرب العالمية الأولى، لم يجتمع هذا العدد من الجهات الفاعلة مع جداول أعمال وعمليات متنافسة في أي صراع مثل العدد الذي اجتمع في الصراع السوري. وإذا لم يتم احتواء هذا الصراع وحله في أقرب وقت، فسيحمل إمكانية الإسفار عن مواجهات عسكرية مباشرة، إما عن طريق الصدفة أو بطريقة مقصودة، بين بعض الأطراف الإقليمية والدولية الرئيسية، مما سيؤدي إلى تداعيات عالمية رهيبة.

لقد نشبت الحرب العالمية الثانية بين حلفين متقابلين محددين بوضوح. وإلى حد كبير كان هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للحروب الكورية والفيتنامية اللاحقة وأي من الصراعات في الشرق الأوسط وكذلك الاحتلال السوفييتي لأفغانستان في الثمانينات حتى انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة بالطريقة التي نعرفها. مع عدم استقرار قطبي الحرب الباردة، شهد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق في 2001 و2003 على التوالي تحولاً واضحاً في الموقف الأمريكي باعتبارها الوحيدة صاحبة القرار في تسوية النزاعات.

فقد ساعدت تجارب أمريكا المريرة في أفغانستان والعراق الرئيس باراك أوباما لعكس نهج السياسة الأمريكية إلى التعددية، مع هدف واضح وهو ليس خفض نفقات التدخل الأمريكي في الصراعات العراقية والأفغانية فقط، بل أيضاً إعطاء الأولوية للدبلوماسية والعمليات العسكرية البعيدة المتحكم بها مثل الهجمات الجوية (بما في ذلك الطائرات بدون طيار). وكان لهذا النهج نتائج متباينة. فقد أثبت فعالية في تأمين حل للنزاع النووي الإيراني وفي الحفاظ على صمود أفغانستان التي تمزقها الصراعات. وبخلاف ذلك، فقد فشل في إيقاف موجة التطرف الإسلامي، كما اتضح لأول مرة بعد هجمات القاعدة الإرهابية على الولايات المتحدة في 11 أيلول. وأيضاً لم يحدث أي فرق في الصراعات العراقية والسورية والليبية واليمنية والإسرائيلية الفلسطينية الجارية، مما ولد ظروفاً أكثر ملاءمة لنمو المزيد من الجماعات المتطرفة، مثل "الدولة الإسلامية"، ولحدوث مآسي إنسانية واسعة النطاق.

وبالنتيجة فقد خيبت بشكل عميق أمل تلك القوى التي كانت تعتبر الولايات المتحدة مؤيدة للحرية والتغيير الديمقراطي، وخاصة في أعقاب ثورات "الربيع العربي"، وفي الوقت نفسه جعلت حلفائها العرب المحافظين التقليديين يشعرون بعدم الارتياح، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. حيث لم يعد للمملكة ثقة كاملة في الولايات المتحدة باعتبارها مصدراً للأمن وشرعت في تنفيذ عملية لاحتواء ثورات الربيع العربي.

وعلى الرغم من تقديم داعش مراراً وتكراراً باعتبارها أكبر تهديد للأمن والمدنية العالمية والإقليمية، وتشكيل مجموعة من اللاعبين الخارجيين لمكافحتها في بلاد الشام، فإن الوضع السوري هو ما يشكل الخطر الأكثر شراسة. فسورية اليوم ليست مجزأة فقط بين حكومة بشار الأسد الديكتاتورية التي لا ترحم في دمشق وبين مختلف الجماعات المتطرفة والمعارضة المعتدلة. ولكن تم حقنها أيضاً بمختلف الأطراف الإقليمية والدولية المتنافسة التي جاءت لمناصرة هذه القوات – وكلهم تحت اسم مكافحة داعش.

يعمل ائتلافان دوليان في سورية الآن: أحدهما بقيادة الولايات المتحدة ويضم العديد من الحلفاء الغربيين والأصدقاء الإقليميين وهو معارض لنظام الأسد، والآخر هو محور موسكو-طهران-بغداد-دمشق-حزب الله المنافس والذي يريد ضمان بقاء نظام الأسد ليس فقط في مواجهة داعش، ولكن في مواجهة كل قوى المعارضة، ولا يتحد جميع أعضاء أي ائتلاف في الهدف ذاته تماماً. على سبيل المثال، في حالة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، في حين نما الخوف من داعش ومن المحور الروسي عند اللاعب الرئيسي وحلفائه الغربيين، إلا أنه لا يمكننا القول بأن هذا صحيح تماماً بالنسبة لمكونات التحالف الإقليمية.

المملكة العربية وشركائها العرب قلقون بشكل أكبر من نجاح المحور الروسي المحتمل والذي قد يعزز النفوذ الطائفي والجيوسياسي الشيعي الإيراني في المنطقة. وتشاركهم تركيا في هذا القلق، مع انزعاجها الشديد من المغامرة السورية الروسية، نظراً لانعدام ثقة أنقرة التاريخي بالروس، وانزعاجها أيضاً من أي تطور قد يمّكن حزب العمال الكردستاني، الذي يقاتل من أجل حق تقرير المصير للأقلية الكردية التركية الكبيرة، من كسب تأييد الأكراد السوريين والعراقيين.

مع وصول العلاقات بين أنقرة وموسكو، وبين الرياض وطهران، إلى الحضيض، أعلنت المملكة العربية السعودية وتركيا مؤخراً أنهما سترسلان قوة عسكرية مشتركة إلى سوري "لقتال داعش" – وهو الأمر الذي تعهدت طهران بمعارضته. يشير كل هذا إلى بداية وضع لا يحمد عقباه يمكن أن يؤدي بسهولة إلى اشتباكات عسكرية بين القوى الخارجية المختلفة على الأرض، وقد حدث واحد بالفعل بين تركيا وروسيا. في حالة حدوث مثل هذا التطور، ستضطر الولايات المتحدة وحلفائها إلى دعم تركيا والمملكة العربية السعودية، لا سيما في ضوء كون تركيا عضواً حاسماً في حلف شمال الأطلسي.

الصراع السوري ليس مأساوياً ومعقداً للغاية فقط، ولكنه الآن قد بلغ أيضاً ذروة خطيرة جداً، مع وجود الكثير من الأصابع المتنافسة على قطعة من فطيرته. وقد رفض حتى الآن الحل السياسي القابل للتطبيق. ومع ذلك، فمن أجل أن يفلح الحل، فلابد من بناءه على أساس توافق وطني وإقليمي ودولي متشابك. وبخلاف ذلك، ستواصل حقول المذابح السورية والدمار والمعاناة الإنسانية قض مضاجع العالم، ولكن أيضاً والأكثر خطورة قد تؤدي إلى أزمة إقليمية ودولية أوسع نطاقاً.

تعليقات