حرب يونيو 1967 كانت استكمالاً لوعد بلفور

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/6/2017
الشرق الأوسط
المؤلف: 

حتى نعرف دوافع إسرائيل الفعلية والحقيقية للحرب التي شنتها على ثلاث دول عربية، لا بل على العرب كلهم، في الخامس من يونيو (حزيران) عام 1967، أي قبل نصف قرن بالتمام والكمال، واحتلت سيناء كلها حتى قناة السويس، والضفة الغربية حتى نهر الأردن، وهضبة الجولان السورية، فإنه علينا أن نحدد وبعد كل هذه الأعوام الطويلة هدف إطلاق وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور «وعده» المشؤوم بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وذلك في تلك الرسالة التي وجهها إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1917.

كانت المصالح البريطانية، في الشرق الأوسط وفي الهند وفي الشرق الأقصى أيضاً، تتطلب أن تكون قناة السويس بحراسة وحماية كيان موالٍ لها، هو هذا الوطن «القومي لليهود في فلسطين» الذي تحدث عنه بلفور في «وعده» الآنف الذكر الذي جاء وفقاً لاتفاقيات «سايكس – بيكو»، والذي أصبح اسمه في عام 1948: «الدولة الإسرائيلية» وعلى أساس أن تكون حدودها: من الجنوب قناة السويس ومن الشرق نهر الأردن ومن الشمال هضبة الجولان، ومن ضمنها جبل الشيخ ومعظم الجنوب اللبناني. لكن عوامل كثيرة قد أجلت تمدد إسرائيل لتكون حدودها هي هذه الحدود حتى الخامس من يونيو عام 1967.

وهكذا فإن ديفيد بن غوريون، الذي هو أول رئيس وزراء لهذا الكيان الذي أُنشئ لحراسة المصالح الحيوية البريطانية والغربية عموماً والذي أصبح اسمه «دولة إسرائيل»، قد أكد في بيان إعلان هذه الدولة في الخامس عشر من مايو (أيار) عام 1948، وبقي يؤكد على أن مقتضيات الأمن الإسرائيلي تتطلب أن تكون الحدود الإسرائيلية على قناة السويس والبحر الأحمر من الجنوب، وعلى نهر الأردن من الشرق، وعلى مشارف دمشق من الشرق، وحتى نهر الليطاني من الشمال.
ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا، أن أحد الأسباب الرئيسية للعدوان الثلاثي، البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي، على مصر في عام 1956، هو ضم سيناء كلها إلى إسرائيل وإيصال الحدود الإسرائيلية إلى قناة السويس للتحكم في هذا الممر المائي الدولي «الاستراتيجي» الذي كانت بريطانيا تعتبره ضرورياً للحفاظ على وجودها وعلى مصالحها في الخليج العربي وفي إيران، وأيضاً في الهند. لكن المعروف أن الولايات المتحدة التي أصبحت لها مصالح حيوية في شرق المتوسط، وامتداداً حتى الشرق البعيد، قد تعاونت حتى مع الاتحاد السوفياتي في عهد داويت إيزنهاور لدعم مصر والمقاومة المصرية الباسلة لإفشال هذا العدوان وإعادة كل شيء إلى ما كان عليه.
والمعروف أنه لو لم تصبح الضفة الغربية في عام 1949 جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية، الدولة العضو في الأمم المتحدة والعضو المؤسس في الجامعة العربية، لكانت إسرائيل قد احتلتها كلها حتى نهر الأردن، وهذا ينطبق على هضبة الجولان السورية وعلى الجنوب اللبناني، وحيث بقيت إسرائيل تسعى لتعديل حدودها الشمالية لتصل إلى نهر الليطاني على مدى سنوات ما بعد عام 1948، وصولاً إلى احتلال عام 1982.
لقد اتَّبعت إسرائيل بعد إنشائها وعلى مدى السنوات اللاحقة سياسة استفزاز الأردن لحمله على القيام بعمل عسكري ضدها، تتخذه حجة لاحتلال الضفة الغربية كلها والوصول إلى نهر الأردن. ففي عام 1953 نفذ الجيش الإسرائيلي مذبحة «قبية» الشهيرة. وفي 29 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو اليوم الذي بدأ فيه العدوان الثلاثي في عام 1956 على مصر، نفذ هذا الجيش مذبحة كفر قاسم. كل هذا بالإضافة إلى افتعال اشتباكات دورية لحمل الأردنيين على الرد وخلق المبررات لنشوب حرب جديدة لاستكمال احتلال ما لم يكن قد احتل من فلسطين في عام 1948.

لم تتوقف عمليات استفزاز الأردن وأيضاً استفزاز سوريا ومصر، فقد بادر الإسرائيليون رداً على عملية «تلغيم» قامت بها إحدى الفصائل الفلسطينية في منطقة «السموع» بالقرب من مدينة الخليل التاريخية، إلى رد فعل عسكري عنيف، في الثالث عشر من نوفمبر عام 1966، أرادوه ذريعة لتنفيذ مخططهم القديم الآنف الذكر، لكن صمود الجيش الأردني واستبساله وردود الفعل والتدخلات الدولية جعلتهم يؤجلون هذه الخطوة، حتى الخامس من يونيو عام 1967، حيث توفرت العوامل والمبررات التي لم تتوفر لهم خلال السنوات الماضية الطويلة كلها.

في يونيو عام 1967 أصبحت الظروف ملائمة لإسرائيل لتضرب ضربتها التاريخية وتحقق وعد بلفور وحلم روتشيلد وحاييم وايزمان وثيودور هيرتزل، فالدولة العربية الأكبر مصر كانت في حالة انهيار فِعلي، فجيشها كان عاد تواً من اليمن «مهشماً» ومرهقاً ومعنوياته مدمرة، وقيادته وعلى رأسها المشير عبد الحكيم عامر كانت عبارة عن مجموعة من الاستقطابات المتناحرة التي ينخرها الفساد، وكان الرئيس جمال عبد الناصر في حالة يأس شديدة بعدما انهارت كل أحلامه الوحدوية بانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة، وبعدما فشل في اليمن وتراجع نفوذه في المنطقة العربية كلها.

أما بالنسبة لسوريا فإن المعروف أن جيشها كان قد استنزف نفسه بسلسلة الانقلابات التي تلاحقت منذ انقلاب حسني الزعيم في عام 1949 وحتى انقلاب «الانفصال» وانقلاب الثامن من مارس (آذار) عام 1963، وانقلاب فبراير (شباط) عام 1966. وحقيقة أن ما يدل على أن اللياقة العسكرية لهذا الجيش لم تعد موجودة أنَّ بلاغ سقوط هضبة الجولان قد صدر قبل وصول القوات الإسرائيلية إلى القنيطرة بأكثر من يومين.
أما بالنسبة للأردن، الذي كان يعرف حقائق هذه الأمور كلها، ويعرف أن إسرائيل كانت تنتظر أوضاعاً عربية كهذه الأوضاع لتضرب ضربتها التاريخية وتحقق أحلام ثيودور هيرتزل، فإن علاقته مع جارته الشمالية كانت أكثر من سيئة، بينما علاقاته مع عبد الناصر، حتى بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك، أكثر سوءاً، وكل هذا في حين أن علاقاته مع العراق كانت لا تزال تحت تأثير إطاحة الحكم الملكي (الهاشمي) في انقلاب يوليو (تموز) عام 1958.
ما كان العاهل الأردني الراحل الملك حسين يريد إعلان الحرب على إسرائيل، لكنه اضطر في النهاية للسير في الطريق الذي اختاره الرئيس جمال عبد الناصر تحت ضغط الشارع الأردني، الذي كان قد أصبح تحت تأثير شعارات الثورة الفلسطينية التي كانت أطلقتها «فتح» في الفاتح من عام 1965، وتحت تأثير صراخ أنظمة الانقلابات العسكرية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كان قد انعقد اجتماع قيادي أردني لاتخاذ موقف من هذه الحرب التي كانت على الأبواب وكان رأي وصفي التل ضد الاشتراك فيها؛ لأن اشتراكه فيها سيعني ضياع الضفة الغربية، وكان رد الملك حسين عليه: «إننا إنْ شاركنا فإننا سنفقد الضفة الغربية، لكننا إن لم نشارك فإننا سنفقد الضفة الغربية والضفة الشرقية». وهكذا فقد كان لا بد من المشاركة.

إن هذا كله يعني أن حرب يونيو عام 1967 لم تكن بالنسبة لإسرائيل مجرد نزوة عسكرية وسياسية في لحظة إحساس بالتفوق. إنها كانت استكمالاً لترجمة «وعد بلفور» وأيضاً لاتفاقيات «سايكس – بيكو». لقد أرادها الإسرائيليون لفرض خريطة دولتهم بالقوة وبجنازير الدبابات. ويقيناً لو أن السادات، لم تصل به الشجاعة حتى حدود التهور، ولو أنه لم يوافق على اتفاقيات كامب ديفيد لكانت سيناء الآن كلها محتلة كما هي الضفة الغربية وكما هي هضبة الجولان.
ويبقى هنا أنه لا بد من الإشارة إلى أن الحل الذي يصر عليه الإسرائيليون الآن بالنسبة للضفة الغربية هو الحل الذي يُبقي على نهر الأردن كخط أمني للدولة الإسرائيلية، وهو الذي لا يعطي للفلسطينيين في أرضهم المحتلة دولة ذات سيادة. وهذه مسألة بالنسبة لإسرائيل قضية يعتبرونها «استراتيجية»، ولذلك فإنهم يتخذون كل هذه المواقف العدمية التي يتخذونها من عملية السلام وقرارات الأمم المتحدة، لكن في النهاية لا يمكن إلا أن يصح الصحيح، والصحيح هو أنه لا حل إلا حل الدولتين الذي يعني قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967.

تعليقات