حزب ألماني متطرّف في "سورية السعيدة"

صورة ميساء شقير
المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

تشممت رائحةَ الياسمين الشامي أنوف أعضاء وفد حزب البديل، الألماني اليميني الشعبوي، في دمشق، بينما أداروا وجوههم عن رائحة الموت والدم والقيح في سراديبها البعيدة عنهم بضع مئات من الأمتار. صوت الموسيقى في دار الأوبرا، أو بالأصح دار الأسد للفنون، صمّت آذانهم عن سماع صرخات المعتقلين في أثناء تعذيبهم، والذي يحصل تماما على بعد مئات الأمتار منها. الهدوء السائد في شوارع دمشق، بينما تنهال القنابل والبراميل على مدن إدلب وقراها سمح لهم بالتقاط الصور التذكارية التي تعكس "سورية السعيدة"، وتعتبر "دليلاً حاسماً" على استتباب الأمن فيها، وهو ما قادهم، في نهاية الزيارة الممتعة إلى دمشق الأسد، إلى إعلان سورية "بلداً آمناً" وقادراً على استقبال أبنائه اللاجئين في أوروبا. وهذه الجملة بالذات هي الغرض الأول للزيارة التي قام بها أخيرا حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرّف، كما كانت غرض زيارته الأولى في مارس/ آذار 2018. 
ليس في الزيارتين ما يبعث على الاستغراب؛ فالزائر معروفٌ بتطرّفه وعدائه للاجئين، ومحاولاته المستمرة في ألمانيا لتشريع ترحيلهم إلى بلدانهم بأي طريقة وبأسرع وقت، حتى ولو كان هذا سيقودهم إلى حتفهم. والمستقبِل دكتاتورٌ متطرّف في دمويته وكذبه، ونظامٌ فاشي اعتاد ارتكاب المجازر منذ ثماني سنوات، ولا يزال يرتكبها، ويتفاخر في إعلامه باستقباله وفداً من أكثر أحزاب العالم تطرّفاً وعنصرية. والصديق المشترك بين الزائر والمستقبِل هو روسيا الملطخة بالدم السوري. وجدول الزيارة مدروس بدقّة من الطرفين اللذين يدركان أن المسرحية المهزلة ستتم على أكمل وجه، وستحقق لكليهما ما يريدانه منها، وكأن وضع سورية الحقيقي ستعكسه نشاطات دار الأوبرا أو هدوء شوارع دمشق المحكومة بالرعب، أو بضع نساء "يرتدين الجينز ويجلسن في المقاهي"، كما جاء في تعليق أحد الزائرين في السنة الماضية.
ولكن السؤال الأهم يدور حول "الديمقراطية" الألمانية التي تسمح لانفلاتاتٍ كهذه أن تمرّ، فعلى الرغم من جدل كبير أثارته الزيارة الأولى في السنة الماضية، والذي تثيره الزيارة الحالية أيضاً، في الأوساط السياسية والبرلمانية الألمانية، وعلى الرغم من تصريح الحكومة الألمانية بعد الزيارة الأولى بأنها ليست على علم بالموضوع، وبأن تحقيقاً سيُفتح بشأن أهدافها وتمويلها، وعلى الرغم من اتهام أعضاء برلمانيين من أحزابٍ مختلفة لأعضاء الوفد الذي قام بالزيارة بأنهم "مجرمون" وتجب محاسبتهم، إلا أن الأمر لم يتخطّ التصريحات والبيانات، ولم تتم محاسبة أحد، بل كانت الحكومة الألمانية على علم مسبق بالزيارة الثانية، ولم يكن رد فعلها أكثر من شجبها!
هذا "الانفلات" عن النظام العام الألماني والمواقف الدولية المعلنة صراحة ضد نظام الأسد، إضافة إلى التساؤلات المشروعة بشأن سياسات حزب البديل داخل البلاد من عداء للاجئين واستخدام للعنف ضدهم، وضد من يدعم وجودهم من الألمان، إضافة إلى تقارير الشرطة الموثقة بوجود مستودعات ومخازن للأسلحة غير المرخصة تابعة لحزب البديل، كل هذا يفعّل تساؤلاتٍ عميقة ومحقة عمّن يدير دفّة الديمقراطية في البلاد؟ وكيف تُدار هذه الدفة على عدة مستويات، منها ما هو معلن ومنها ما هو مخفي؟
وجه آخر للديمقراطية اللعوب ذاتها يظهر حين يصرّ عمدة مدينة مانهايم الألمانية على إقامة حفل للمغني السوري، علي الديك، الموالي لنظام الأسد، والمطبّل والمزمّر له منذ بداية الثورة، وذلك على الرغم من كل الحملات التي قام بها سوريون مقيمون في ألمانيا استفزّتهم الفكرة، من اعتصامٍ أمام مبنى البلدية وأمام المبنى الذي سيقام فيه الحفل في رأس السنة، إضافة إلى آلاف الإيميلات التي وصلت إلى البلدية والعمدة بشكل رسمي، وتعترض على إقامة الحفل.
عندما يحصل في بلد يعلن مراراً وتكراراً احترامه حقوق الإنسان، ويدعم نظامه القضائي حق كل شخص بتقديم شكوى أو دعوة قضائية بحق من يُصادر رأيه أو يستفزّه ويهاجمه لغوياً، أن يمر سلوكٌ مشينٌ لبرلمانيين يضربون عرض الحائط بكل ادعاءات حقوق الإنسان، بمغازلتهم مجرم حرب، ومصافحتهم جلاديه وقلبهم حقائق خراب بلاده، واستمرار سيلان الدم فيه، ويحصل فيه أيضاً "تطنيش" رأي عدة آلاف من المقيمين، والإصرار على إقامة مجرد "حفلة غنائية"، على الرغم من أنها تمسّهم جميعاً في الصميم، عندها يحقّ لهؤلاء الآلاف، يحقّ للسوريين جميعاً، أن يضعوا آلاف إشارات الاستفهام على "ديمقراطية" ذلك البلد، وعلى حقيقة شرعة حقوق الإنسان في العالم برمتّه.